نيكولاي كوجانوف | محاضر في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط في الجامعة الأوروبية، في سانت بطرسبرغ.

قد تكتشف الولايات المتحدة وروسيا، في نهاية المطاف، أن إقناع إسرائيل بقبول الاتفاق الذي توصلتا إليه حول جنوب سورية ليس بالأمر السهل. فأولا، وقبل كل شيء، لدى المؤسسة السياسية في إسرائيل شكوك لايُستهان بها حول قدرة روسيا على منع إيران من توسيع نفوذها في جنوب سورية.

ثانيا، الديناميكيات السياسية المحلية في إسرائيل، جعلت حكومة بنيامين نتانياهو مرتهنة إلى الوعود السياسية التي بذلتها للناخبين. ووجود إيران وجماعات وكيلة تابعة لها في جنوب سورية، خط أحمر ليس في وسع حكومة إسرائيل أن تتراخى في فرض الالتزام به، لأسباب من بينها أن تراخياً كهذا سيكون من الصعب تفسيره لمواطنيها.

ثالثا، قدمت موسكو إلى تل أبيب، بالفعل، كل ما في وسعها أن تقدّمه في الوقت الراهن من تنازلات: إذ هي استبعدت، من عملية الأستانة، أي النقاش حول إنشاء منطقة التهدئة في جنوب سورية، على الرغم من أن ذلك كان معاكساً للتوجهات الأولية لدى روسيا. وهذا بدوره حرم طهران وأنقرة من أن يكون لهما تأثير مباشر على مسألة إقامة المنطقة. ومن الصعب تقديم المزيد من التسهيلات، لأن ذلك قد يُعَقِّد علاقة التعاون القائمة بين موسكو وطهران، حيث تتوجس هذه الأخيرة من كل محاولات موسكو للتفاوض بشأن سورية مع أي طرف ثالث، بمعزل عنها.

وأخيراً، هناك، أيضاً تنافس غير معلن بين روسيا والولايات المتحدة حول النفوذ في إسرائيل، الأمر الذي يجعل هذان الجانبان يترددان في الضغط على الإسرائيليين. ويفضّل كل منهما أن يكون الجانب الآخر هو من يجبر إسرائيل على القبول بشروط الصفقة الأميركية – الروسية.


 

رندا سليم | مديرة مبادرة المسار الثاني للحوار في معهد الشرق الأوسط، وباحثة غير مقيمة في في معهد السياسات الخارجية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكينز.

على الرغم من أن مايصدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تعليقات معارضة لاتفاق عمان حول جنوب سورية تستهدف حث كبار المسؤولين الأميركيين والروس على أخذ المخاوف الإسرائيلية بعين الاعتبار، إلا أن هذا لن ينجح في وقف تنفيذ الاتفاق. الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملتزمان، كلاهما، بنجاح الاتفاق، الذي يعتبرانه مدخلاً إلى فصل جديد في التعاون الأميركي – الروسي بخصوص سورية.

تنبع مخاوف نتنياهو، جزئيا، من حسابات محلية يجريها رئيس حكومة ضعيف، يسعى إلى تحسين صدقيته لدى قواعده. وهذه المخاوف هي، من جانب آخر، رد فعل إزاء ما يعتبره ثغرات خطيرة في التنفيذ. يريد المسؤولون الإسرائيليون أن ترعى القوات الأميركية ترتيبات وقف النار في منطقة التهدئة، على غرار الدور الذي لعبته في منبج. لكن مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية مترددون في قبول الانجرار إلى التزام عسكري طويل الأمد في جنوب سورية. وحتى هذه اللحظة، تبقى القوات الروسية الخيار الوحيد المتاح.

يدفع المسؤولون الإسرائيليون، أيضا، بأن الاتفاق لاينطوي على ما يكفي لتخفيف الخطر على مرتفعات الجولان من قِبَل قوات حزب الله وإيران المنتشرة في المنطقة. فيما تعتقد موسكو أنها قدمت إلى إسرائيل، بالفعل، تسهيلات كافية بهذا الخصوص، إذ توصلت إلى اتفاقية "الأجواء المفتوحة" التي تسمح بأن تقصف طائراتها قوافل السلاح والمعسكرات التابعة إلى حزب الله في سورية، كلما رأت ذلك ضروريا. ووافقت، أيضا، على مناقشة اتفاق عمان خارج إطار الأستانة، في استجابة إلى رغبات أميركية وإسرائيلية استهدفت تهميش إيران في هذا السياق.

وفي حين أن في وسع موسكو أن تَعِد إسرائيل بألا تدع إيران وحزب الله يستخدمان سورية لشن هجمات على الجولان، إلا أن صحيفة سوابقها في ما يتصل بكبح جماح إيران وحلفائها هي، حتى الآن، أقل من ممتازة. وفي هذه الأثناء، تضع إدارة ترامب الحرب ضدّ الدولة الإسلامية على رأس أولوياتها، وربما رأت أن إسرائيل قادرة على أن تتولى بنفسها شؤونها الأمنية. علاوةً على ذلك، تعلم واشنطن أنه ليس في وسع نتانياهو أن يواصل معارضة اتفاق أعلن ترامب اعتماده، على الملأ.


 

أندرو ج. تابلر | زميل "مارتن ج. غروس" في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

يتوقف الأمر على ما إذا كان الاتفاق سينجح في الإبقاء على الميليشيات المدعومة من إيران، وبخاصة حزب الله، خارج جنوب سورية. فالأدلة على أن نظام الأسد يفتقر إلى القوى البشرية اللازمة لاستعادة أراض في سورية، تأتي مصحوبة بأدلة على انتشار واسع النطاق لميليشيات شيعية تدعمها إيران، لسد الفجوة. وتقول التقارير إن المسؤولين الإسرائيليين حريصون على الحؤول دون أن تصبح منطقة القنيطرة، في جنوب غرب سورية، الجنوب اللبناني الجديد.

ويتصلّ توقيت الاتفاق- والمخاوف الإسرائيلية المعلنة أيضاً- بالخيارات الأميركية في شرق سورية، حيث ستساند الولايات المتحدة، بعد الاستيلاء على الرقة، قوات سورية الديمقراطية، لتأمين استقرار المناطق المحررة. لكن ثمة مساحات واسعة على الضفة الغربية للفرات استولت عليها على ما يبدو، قوات موالية للأسد، بينها ميليشيات شيعية. والسؤال الحقيقي هو: هل يمكن لاتفاق التهدئة في جنوب سورية أن يترسخ، وأن يتكرر في مناطق أخرى؟ إن تحقق ذلك، سيكون من شأنه تخفيف معاناة الناس في المدى القصير، والسماح بمناطق آمنة في المدى المتوسط، والمساعدة على التوصل إلى تسوية تقوم على اللامركزية. لكن إذا لم ينجح وقف التصعيد، فمن المتوقع أن تتدفق ميليشيات شيعية – وبخاصة من العراق- إلى سورية في الأشهر المقبلة، وهذا من شأنه، إلى جانب تنامي حضور حزب الله وتعاظم قدراته في جنوب لبنان، أن يزيد احتمالات صدام بين إسرائيل والجماعات التابعة لإيران.


 

مايكل ويس | صحافي استقصائي للشؤون الدولية لدى سي أن أن، وشارك السوري حسن حسن في وضع كتاب "داعش: من داخل جيش الرعب" ISIS: Inside the Army of Terror.

أولا، يتعيّن أن نفهم موقف كل دولة.

ترى إسرائيل أن التوسعية الإيرانية – والظل المتطاول لفيالق الحرس الثوري الإيراني على عتباتها الشمالية الشرقية- ربما كانا التهديد الاستراتيجي الوحيد الذي ترتب على الحرب الأهلية السورية. وكل شئ آخر مقدور عليه، بالنسبة إلى تل أبيب: من استفزازات مدفعية نظام الأسد، بين الحين والحين، إلى حضور الجهاديين السلفيين في درعا القنيطرة.

والموقف الذي اتّخذته الولايات المتحدة يضع حملتها ضد الدولة الإسلامية، الآن، على خط التصادم مع مخططات الإمبراطورية الإيرانية لقاسم سليماني بشأن المشرق، ويستوجب إما الالتفاف عليها أو مجابهتها، عاجلاً أو آجلا. وفي حين تبنت واشنطن، في الآونة الأخيرة، سياسة ردع تكتيكي – عبر قصف الجماعات التابعة إلى الحرس الثوري الإيراني التي تهاجم أصولاً عسكرية إيرانية في جنوب سورية – إلا أنها لم تضع، بعد، خطة واضحة لاحتواء إيران، على المدى الطويل. ويبقى احتمال وضع خطة كهذه، بعد خروج الدولة الإسلامية من الرقة ودير الزور، مجرد تخمين.

وتتحسّب روسيا للطموحات الفريدة للحرس الثوري الإيراني لكنها تدرك أن مصالحها هي في سورية، على كل حال، لاضامن لها على الإطلاق، سوى القوة الصلبة للخمينية. (أخبرني مسؤول روسي سابق بأنه، من دون حزب الله "نُضْرَب على القفا" في سورية. وجدت ذلك تقديراً نزيهاً لواقع الحال).

ليس من السهل على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، الذي أعلن معارضته للاتفاق الأمريكي- الروسي حول جنوب سورية، أن يخلق فجوة بينه وبين الرئيس دونالد ترمب أو أن يستثير غضبه، كما كان يحب أن يفعل مع باراك أوباما. وهو نجح، حتى الآن، في أن ينجو بفعلته، عندما قصف قوافل الأسلحة التابعة لحزب الله من دون أن يفسد علاقته المصلحية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن دون أن يرى صداما بين نفاثة إسرائيلية وأخرى روسية.(قال لي المصدر الروسي نفسه إن موسكو لاتجد ما يضيرها في عمليات إسرائيل ضد حزب الله، لأن معظم ماترسله إيران من عتاد إلى الحزب، على أية حال، هو سلاح لاتدري موسكو شيئاً عنه. مَرْحبا بكم في جيوبوليتيكا الشرق الأوسط!)

لكن نتنياهو ليس مكتوف اليدين هنا. في وسعه أن يسمح بهجمات على أي من المواقع التابعة للميليشيات أو للإيرانيين التي تتجاوز ما تعتبره إسرائيل خطاً فاصلاً بين مرتفعات الجولان التي يحتلها الإسرائيليون وبين جنوب غرب سورية، ولن يتعرّض إلى العقاب من البنتاغون على فعل كهذا. سوف يقول – ولديه مبرراته - إنه يحمي مصالح إسرائيل الوطنية، وللأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وملالي إيران أن يردوا على ذلك بما يناسبه.

وفي الوقت ذاته، في وسع الولايات المتحدة، بكل بساطة، أن تحيل وزارة الدفاع الروسية المتّخمة إلى مسار "تجنّب الاشتباك" الخاصة بها، والتي تربط بينها وبين حكومة نتنياهو، وأن تقول إنها لم تعد تسيطر على حليفها الرئيسي في المنطقة بأكثر مما تسيطر موسكو على حلفائها. وهذا يعني أن الاتفاق بخصوص جنوب سورية سوف يفشل، لكن جميع الأطراف ستتظاهر بغير ذلك، إلى حين التفاوض على الاتفاق التالي.