أطلق حزب الله المدعوم من إيران، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، في 21 تموز/يوليو عملية عسكرية لتطهير جرود بلدة عرسال المتاخمة للحدود مع سورية، من جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً). وقبل تسعة أيام فقط من هذه العملية، أعاد الحزب والجيش حوالى 250 لاجئاً من مخيمات عرسال إلى الأراضي السورية. وتزامنت العمليتان مع مساعي حزب الله لدفع الحكومة اللبنانية إلى تطبيع العلاقات مع دمشق، في خطوة اعتبرها مراقبون امتداداً لخطة الولايات المتحدة وروسيا لوقف التصعيد في سورية.

وكانت حوالى 53 عائلة لاجئة قد نُقلت في 12 حزيرانيونيو من عرسال، التي تستضيف نحو 60 ألف لاجئ في مخيمات مؤقتة، إلى عسال الورد في منطقة القلمون السورية المحاذية للحدود مع لبنان. وجاءت هذه الخطوة في إطار برنامج طموح لعودة اللاجئين السوريين كان حزب الله قد بدأ تطبيقه في مطلع هذا العام، ويشمل ترتيبات محلية لتطمين العائدين إلى قراهم الخاضعة إلى سيطرته.

يُنظر في لبنان إلى عودة اللاجئين إلى سورية على أنها مسألة وجودية وأساسية لديمومة الدولة اللبنانية. وفي إجماع قلّ نظيره، دعت جميع الأحزاب السياسية اللبنانية، بصرف النظر عن تحالفاتها الحالية، إلى إعادة اللاجئين إما إلى "مناطق آمنة" أو إلى مناطق خاضعة إلى سيطرة أولئك الذين يشاطرونهم آراءهم السياسية - سواء كانوا من النظام أو المعارضة.

وقد تعهّد رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الأسبوع الماضي بأن اللاجئين لن يُجبروا على مغادرة لبنان. مع ذلك، قد يفضي هذا النمط الخطير من النقاش إلى عودة قسرية للاجئين المستضعفين إلى سورية في ظل ظروف غير آمنة، وسط تشجيع غالبية اللبنانيين لمثل هذه الخطوة. وينتشر في لبنان على نحو متزايد خطاب مناهض للاجئين، إذ يستغله سياسيون لتأجيج مشاعر الخوف الأمني والديموغرافي وتحميلهم مسؤولية العجز الاقتصادي المتزايد.

في هذا الإطار، يساهم غياب موقف موحّد للحكومة اللبنانية في تمهيد إمكانية حصول عودة فوضوية للاجئين السوريين إلى بلادهم. وقد بدا ذلك جلياً في التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس ميشال عون ودعا فيها إلى عودة آمنة للاجئين، لكن ليس بالضرورة طوعية. وقد تناقض خطابه هذا بشكل صارخ مع الموقف الذي عبّر عنه الحريري في اليوم نفسه.

هذا وقد زعمت بعض الصحف المحلية، على نحو مثير للسخرية، أن السوريين يتزايدون بسرعة لدرجة أنهم باتوا يفوقون اللبنانيين في البلاد عدداً. غير أن قضايا عدّة، على غرار الهجمات على مخيمات اللاجئين، والادّعاءات بتعذيب المعتقلين السوريين، واعتقال صحافي بسبب انتقاده معارك عرسال، والتضييق المسجّل لمحامية تمثّل أُسر سوريين ماتوا أثناء احتجازهم لدى الجيش، هذه القضايا لم يكن لها وقع كبير في أوساط صنّاع السياسات والشعب بشكل عام. الجدير ذكره هنا هو أن العديد من هذه الحوادث وقع غداة الهجمات التي استهدفت الجيش اللبناني خلال مداهمته مخيمات عرسال في تموز/يوليو. وفي الوقت نفسه، لا يُتّهم أولئك الذين ينتقدون عملية حزب الله في عرسال، باعتبارها محاولة لتدعيم هيمنة الحزب وتقويض سيادة الدولة اللبنانية في آنٍ معاً، بالخيانة وحسب بل بتأييد الجماعات الإرهابية، وبالتالي عقابهم القمع والموت.

كما أن حزب الله وسائر حلفاء نظام الأسد يحاولون دفع الحكومة اللبنانية إلى تطبيع العلاقات مع دمشق عبر العزف على وتر الرغبة العارمة لدى معظم اللبنانيين في إعادة اللاجئين إلى ديارهم. فقد تدهورت العلاقات بين الحكومتين اللبنانية والسورية بُعيد عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في العام 2005، والتي يعتقد كثيرون أنها نُفِّذت بموافقة دمشق، ثم تحسّنت لفترة وجيزة بعد العام 2009، إلا أنها مالبثت أن تدهورت مجدّداً في أعقاب الحملة القمعية التي شنّها النظام السوري على الانتفاضة المدنية في العام 2011. ومع أن سورية عيّنت سفيراً لها في بيروت، إلا أن قنوات الاتصال الرسمي بين الحكومتين بقيت حكراً على الأمن، وشملت أحياناً الإعادة القسرية لمواطنين سوريين مطلوبين من النظام. ويتجلّى هذا الضغط بأوضح صوره من خلال إصرار حزب الله على أن تكون الحكومة اللبنانية طرفاً رئيساً في مسار التفاوض مع الحكومة السورية بشأن إعادة اللاجئين إلى سورية.

في غضون ذلك، ينبغي الإطلالة على معركة جرود عرسال، التي أفضت إلى انسحاب مقاتلي جبهة فتح الشام إلى محافظة إدلب، من نافذة الإجراءات الأوسع الرامية إلى إنشاء مناطق فك الارتباط داخل سورية، مايعني فعلياً إقامة مناطق نفوذ منفصلة في البلاد. حدت هذه المقاربة بالجانبين الأميركي والروسي مؤخراً إلى التوصّل إلى اتفاق يقضي بمنع وكلاء إيران من التمدّد في منطقة جنوب سورية المحاذية للأردن ولمرتفعات الجولان المحتلّة، وترافق ذلك مع انتشار قوات الشرطة العسكرية الروسية في المنطقة.

إذن، يشي القتال في جرود عرسال برغبة إيران في إقامة منطقة خاضعة إلى نفوذها في سورية من خلال إحكام قبضتها على معظم المناطق الواقعة على طول الحدود اللبنانية-السورية. ومتى تحقّق ذلك، يصبح حزب الله قادراً على الادّعاء بأنه يلبّي رغبة اللبنانيين في إقامة مناطق آمنة في سورية لإعادة اللاجئين إليها.

لكن التحدّي يكمن في أن العديد من اللاجئين لايتحدّرون من القلمون، بل من مناطق سورية أخرى غادروها هرباً من نظام الأسد، وأن إعادتهم إليها من دون توافر الضمانات الضرورية تشكّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وتُعرّض العديد منهم إلى مخاطر جمّة.

يُشار إلى أن غالبية اللاجئين السوريين يعتبرون راهناً أن السلامة والأمن شرطان أساسيان ينبغي توافرهما قبل أن يتمكّنوا من العودة إلى سورية، كما أنهم يفضّلون العودة إلى مناطق سكنهم الأصلية. وقد توافد غالبية اللاجئين المتواجدين حالياً في لبنان من محافظتي حمص (21 في المئة) وحلب (21 في المئة) هرباً من البراميل المتفجرة التي ألقاها النظام السوري والهجمات على بيوتهم، وبعد سيطرة الحكومة السورية على مناطقهم. والواقع أن هدم بيوت اللاجئين وتدميرها عائقٌ رئيس أمام عودتهم إلى سورية.

يبقى أن السبب الأهم هو عرقلة الدولة السورية عودة اللاجئين، ولاسيما إلى مناطق مثل حمص. فإلى جانب مخاوف اللاجئين من التعرّض إلى الاضطهاد والوقوع ضحية أعمال انتقامية أو ارتكابات منافية للقانون بشكلٍ سافر على يد وكلاء النظام السوري، يبدو أن النظام يرغب في الحفاظ على التغيير الديموغرافي الذي تمخّض عنه النزاع. وطالما أن الحرب لاتزال مستعرة، ستظلّ مناطق كثيرة في سورية غير آمنة للاجئين، وستتربّص بهم مخاطر مُحدقة عند التنقّل فيها والعبور من منطقة إلى أخرى.

تحاكي هذه الجهود إلى حدٍّ ما الوضع السائد في الأردن الذي رحّل لاجئين إلى سورية العام الفائت، ولاسيما عقب الهجمات التي استهدفت الجيش الأردني قرب مخيم الركبان. ولاشك في أن عبء تأمين الرعاية لملايين اللاجئين أثقل كاهل مؤسسات الدولة والمجتمعات المضيفة. لكن هذا لايبرّر الانزلاق نحو مواقف غرائزية من قبيل طرد اللاجئين من البلد المضيف دونما اكتراث بمصائرهم. فلمثل هذه السياسات تداعيات طويلة الأمد على العلاقات اللبنانية-السورية، وهي تزيد من احتمال جنوح الفئات الشابة في سورية نحو التطرُّف. ففي هذه المنطقة ذات القضايا المتداخلة والمتشابكة، ثمة ارتباط وثيق بين مصائر اللاجئين وبين البلدان المجاورة المضيفة لهم.