أنوار بوخرص باحث غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وأستاذ مساعد في العلاقات الدولية في جامعة ماكدانيال في وستمنستر، ماريلاند. هو مؤلّف كتاب Politics in Morocco: Executive Monarchy and Enlightened Authoritarianism (السياسة في المغرب: الملكية التنفيذية والاستبداد المستنير)، (منشورات راوتلدج، 2010). وقد شارك في تحرير كتابين: الأول بعنوان Perilous Desert: Sources of Saharan Insecurity (الصحراء المليئة بالمخاطر: جذور الانفلات الأمني في الصحراء الكبرى)، (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2013)، والثاني يحمل عنوان Perspectives on Western Sahara: Myths, Nationalisms and Geopolitics (آفاق حول الصحراء الغربية: الأساطير والنزعات القومية والشؤون الجيوسياسية) (منشورات رومان آند ليتلفيلد، 2013). ظهرت منشوراته الأخرى في عدد كبير من المجلات والصحف الرائدة، من ضمنها: the Journal of the Middle East and Africa، وJournal of Conflict Studies، وAfrican Security Review، وInternational Political Science Review، وEuropean Security، وOrient.

التقته "ديوان" في أواخر تموز/يوليو للحديث عن دراسته الأخيرة الصادرة عن مؤسسة كارنيغي بعنوان The Geographic Trajectory of Conflict and Militancy in Tunisia (المسار الجغرافي للنزاع والتطرُّف في تونس).

مايكل يونغ: وضعتم للتو دراسة صادرة عن مؤسسة كارنيغي بعنوان "المسار الجغرافي للنزاع والتطرُّف في تونس". ما الاستنتاجات الأساسية التي توصّلتم إليها؟

أنوار بوخرص: فقدَ عدد كبير من الشبّان في المناطق الحدودية المهمّشة في تونس ثقتهم بعملية الانتقال الديمقراطي التي بدأت إبان الانتفاضة في 2010-2011، وتكوّنت لديهم مشاعر من الإحباط الشديد، والغضب، والعداء تجاه سلطة الدولة.

تجسّد هذا الاستياء السياسي الواسع في الاحتجاجات الغاضبة، والعنف في الشوارع، وفي التطرف العنفي في بعض الحالات. ورداً على هذه الاضطرابات الاجتماعية المستمرة والإرهاب، وضعت الحكومة التونسية سياسات أمنية متشدّدة، غالباً ماتسبّبت تأثيراتها باستفحال التشنّجات الاجتماعية، والعنف السياسي، والنزعة القتالية. القطيعة المطوّلة بين الدولة وبين المناطق المهمّشة مسألة خطيرة. وهي تهدّد بإغراق البلاد في لجج العنف الذي يمكن أن يؤدّي إلى الانزلاق مجدداً نحو السلطوية القمعية.

يونغ: ما السمات الأساسية للمناطق الحدودية في تونس؟

بوخرص: ترزح المناطق الحدودية في تونس تحت وطأة المشاكل التي يتسبّب بها الفقر المدقع، واللامساواة الشديدة، والبطالة الجماعية، وتصاعد الأنشطة المتطرفة. على سبيل المثال، تضم محافظة تطاوين في جنوب شرق البلاد، والتي أصبحت موئلاً للاحتجاجات ضد التهميش، العدد الأكبر من الشبان الخرّيجين العاطلين عن العمل (56 في المئة في العام 2012). وعلى الرغم من مساحتها الشاسعة، التي تشكّل نحو 25 في المئة من مساحة البلاد، وحقولها النفطية التي تؤمّن 40 في المئة من الإنتاج النفطي التونسي، تعاني المنطقة من التأخّر بسبب رداءة الطرقات والمستشفيات والمدارس.

لقد تسبّب غياب البنى التحتية الملائمة بتعطيل النشاط الاقتصادي والخدمات الاجتماعية، حتى في المناطق التي شهدت تصنيعاً واسعاً. مثلاً في محافظة قابس التي تقع عند الساحل الجنوبي الشرقي وتضم واحدة من أكبر المناطق الصناعية في تونس، نسبة البطالة والأمّية أعلى بكثير من المعدّل الوطني. الأسوأ من ذلك، يكشف غياب الوصول إلى المستشفيات والرعاية الصحية في منطقة يخنقها التلوّث الصناعي وظروف العمل غير الآمنة، الكثير عن درجة التهميش التي تعاني منها المجتمعات المحلية.

تضرب المشاكل نفسها الحدود الغربية للبلاد التي تضمّ 30 في المئة من السكان، إنما أيضاً 55 في المئة من فقراء تونس. محافظة القصرين التي سُلِّطت عليها الأضواء الدولية في العام 2012 بعدما تحوّلت مناطقها الجبلية المحاذية للجزائر إلى ملاذ للمقاتلين المرتبطين بتنظيم "القاعدة"، هي خير مثال عن تأثيرات اللامساواة الحادّة وأوجه التفاوت الشديد بين المناطق الساحلية الأكثر تطوراً في الشمال الشرقي من البلاد من جهة والمناطق الداخلية والغربية من جهة ثانية. المؤشرات الاقتصادية-الاجتماعية في المحافظة التي يقطنها نصف مليون نسمة، هي الأسوأ في البلاد.

في ظل رداءة البنى التحتية، والتناقص في أعداد السكان، وبما أن العمّال يتمتعون بمهارات أقل بالمقارنة مع العمّال في مناطق الساحل المتوسطي شرق البلاد، تبدو المناطق الحدودية بطبيعة الحال أقل جاذبية للاستثمارات. كذلك تعترض العقبات البيروقراطية والفساد طريق التنمية. وتأتي التهديدات الأمنية المتصاعدة لتزيد الطين بلّة عبر ترويع الأشخاص الذين قد يُبدون استعداداً للاستثمار في تلك المناطق، ما يجعلهم يُقلعون عن الفكرة.

يونغ: لماذا المناطق الحدودية هي، تقليدياً، أقل تطوراً ونمواً من المدن الواقعة على الساحل التونسي؟

بوخرص: السبب وراء هذا الوضع المؤسف هو أنه لطالما انحازت التنمية الاقتصادية لمصلحة المناطق الساحلية في الشمال الشرقي. يعزو عدد كبير من الأشخاص في المناطق الحدودية هذا التفاوت الاقتصادي إلى سياسة متعمّدة تنتهجها النخبة السياسية والاقتصادية في الساحل لمعاقبة مناطقهم على عصيانها. للجنوب ومناطق عدّة في غرب تونس تاريخٌ طويل في معارضة السلطات المركزية، وهذا يعود بجذوره إلى الحقبة الاستعمارية.

بيد أن التونسيين الذين لايتبنّون أشكالاً قصوى من التشكيك في نوايا الدولة، يعتبرون أن المسؤولية في الاختناق الاقتصادي الذي تعاني منه مناطق الأطراف تقع على عاتق السياسات النيوليبرالية التي أطلقها الرئيس الأول للبلاد بعد الاستقلال، الحبيب بورقيبة، وليس على عاتق أي انتقام سياسي من الأطراف. لقد أدّت المساعي التي بذلها بورقيبة لتعزيز السياحة والنمو الذي تقوده الصادرات، إلى ظهور اختلالات خطيرة في التوازنات الاقتصادية والمناطقية، حيث أنشئت قطاعات البنى التحتية الوطنية المحورية، في شكل أساسي، بهدف تحفيز النمو الاقتصادي في العاصمة والمناطق الساحلية شرقاً.

كان الهدف من الاستثمارات الكبرى في البنى التحتية للمواصلات ربط المراكز المدينية في الشرق بمنطقة تونس المتروبوليتانية، حيث تتركّز الصناعات ذات القيمة المضافة العالية مثل النسيج والسياحة. لقد تسبّبت المعاملة التفضيلية لهذه المدن بظهور فجوات فاضحة بين المناطق. أصبح الحزام الاقتصادي الساحلي شريان الحياة للاقتصاد التونسي، عبر مساهمته بأكثر من 85 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، هذا في حين يتواجد ستة وخمسون في المئة من السكان و92 في المئة من الشركات الصناعية على مسافة أقل من ساعة في السيارة من المدن الثلاث الكبرى، تونس وصفاكس والسوسة. في المقابل، تُرِكت المناطق الحدودية لتقبع في الفقر والتخلّف.

يونغ: كيف يمكن أن يُشكّل تهميش المناطق الحدودية تهديداً لتونس؟

بوخرص: تتسبّب اللامساواة الاجتماعية وأوجه التفاوت بين المناطق في تعميق الهوّة بين الأطراف التي تشهد تململاً وبين الساحل المتوسّطي في الشرق، مع مايمكن أن يترتّب عن ذلك من تقويض للانتقال الديمقراطي في البلاد. من الواضح أن هذه الأجواء من انعدام الثقة والعداوة تضع عراقيل أمام المعركة ضد الإرهاب. يؤدّي الإرهاب إلى استفحال التخلّف واللامساواة، في حين أن المقاربات ثقيلة الوطأة لمكافحة الإرهاب تثير الاستقطاب في أوساط المجتمعات وتؤدّي إلى تفاقم الخيبة المتزايدة لدى الشباب التونسي. على سبيل المثال، كانت لتعزيز المراقبة عند الحدود مع الجزائر وليبيا تداعيات اجتماعية سلبية على الأشخاص الذين يعتمدون في أرزاقهم على التجارة غير النظامية عبر الحدود.

يؤدّي تعطيل الاقتصاد غير النظامي إلى تعميق مشاعر التهميش الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي لدى الناس. وهذا بدوره يغذّي المرارة لدى السكّان المحليين الذين يعتبرون أن الإجراءات الأمنية التي تعتمدها الحكومة تأتي على حساب رفاههم. يشتكي كثرٌ من أنهم عالقون في معمعة مرمى النيران بين القوى الأمنية والمجموعات الإرهابية. كما أن التصعيد في الهجمات المدفعية والجوية تسبّبَ بصعوبة العيش في العديد من القرى، ويؤدّي أحياناً إلى تدمير مزارع ومناطق زراعية. وفي معرض ذلك، هناك رد فعل متنامٍ ضد المقاربة التي تقوم على مكافحة الإرهاب أولاً، والتي تضع التنمية الاقتصادية واستحداث الوظائف على قائمة الانتظار.

في غياب خيارات أخرى، دفعت عسكرة الحدود وخنق الاقتصاد غير النظامي بالأشخاص الذين اعتمدوا تاريخياً على التهريب مصدراً لرزقهم اليومي، نحو حافة الهاوية.

يونغ: ما المقترحات التي تقدّمونها في دراستكم لتحقيق الإصلاحات في المناطق الداخلية المهمّشة؟

بوخرص: ينبغي على الحكومة أن تُقرّ رسمياً بالتمييز الاقتصادي-الاجتماعي والمعاملة السياسية التعسّفية اللذين تتعرّض إليهما المناطق الحدودية منذ عقود طويلة. وعليها إطلاق مبادرة للاعتراف بالشخصيات التاريخية التي تتحدّر من تلك المناطق وبرموزها والمساهمات التي قدّمتها إلى تونس، وذلك من خلال كتب التاريخ المدرسية، والتماثيل، والنصب التذكارية، والمعارض. لقد جرى التلاعب بالسرديات التاريخية في تونس من أجل التقليل من أهمية المناطق الحدودية في الحركة الفكرية والمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. ويتسبّب استخدام التاريخ ولجوء النخبة الساحلية إلى وصم المناطق الحدودية في الخطاب الوطني، بتعميق الهوّة بين الأطراف المحرومة والساحل المتوسطي المسيطِر.

يتعيّن على السلطات التونسية أيضاً النظر في اعتماد سياسات للتمييز الإيجابي تعطي الأولوية للاستثمار في البرامج الاجتماعية والسياسة العامة في المناطق الحدودية. يمكن أن تمارس البرامج التي تستثمر في نقاط القوة التنافسية التي تتمتع بها المناطق، تأثيراً مباشراً على أرزاق المجتمعات المحلية، مايساهم في التصدّي لتجنيد المتطرّفين. يقتضي هذا المجهود وضع خطة زراعية شاملة تسعى إلى تحديث القطاع على المستوى التكنولوجي عن طريق آليات مالية مبتكرة تُوجِّه الموارد نحو التعليم والتدريب المهنيَّين واستصلاح الأراضي. كما أن تحسين إدارة الموارد الطبيعية واستثمار حصّة عادلة من أرباح الموارد المحلية في تنفيذ مشاريع محلية أمران أساسيان لتلبية احتياجات الناس ومطالبهم.

على الحكومة التونسية أيضاً إصلاح أجهزة الأمن الداخلي وقطاع العدالة الجنائية، ووضع برامج لإعادة تأهيل مئات المقاتلين التونسيين العائدين من مسارح النزاعات في الخارج، ودمجهم من جديد في المجتمع.

يونغ: هل لديكم أي أمل بأن الحكومة سوف تبادر إلى اعتماد مثل هذه المقاربة؟

بوخرص: المشاكل في المناطق الحدودية التونسية حقيقية وتُقرّ بها الحكومة التونسية. لكن لسوء الحظ، كان الردّ من الحكومات المتعاقبة بعد الثورة مضلَّلاً، وفشِل في معالجة الأسباب الجذرية للمشاكل في المناطق المهمَّشة، وهي في جوهرها مشاكل سياسية واقتصادية-اجتماعية.

كي تغيّر الحكومة مقاربتها، يجب ممارسة ضغوط مستمرة من أسفل الهرم إلى أعلاه، مقرونةً بضغوط خارجية. على شركاء تونس الدوليين أن يؤدّوا دوراً في مساعدة البلاد على إرساء توازن بين الأمن والحرية والتنمية. يجب أن تشترط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وسواهما من البلدان والوكالات المانحة تطبيق إصلاحات تساهم في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية من أجل تقديم مساعدات خارجية إلى تونس. وعلى تلك الدول أيضاً أن تُوجِّه مساعداتها ومواردها بطريقة أفضل كي تعود بالفائدة على الجمهور الواسع، وتساهم في التخفيف من وطأة الأوضاع الاجتماعية الضاغطة جداً في المناطق الحدودية. فالمساعدات غير المبرمَجة بذكاء تُقلّل من الحوافز التي من شأنها أن تدفع بالائتلاف الحاكم نحو تطبيق إصلاحات لتعزيز سيادة القانون، وتأمين الحماية اللازمة للحريات المدنية.

ينبغي أيضاً على الولايات المتحدة وحلفائها حضّ الحكومة التونسية على الالتزام جدّياً بإصلاح أجهزة الأمن الداخلي وقطاع العدالة الجنائية. كما يجدر بهم الدفع من أجل تحسين الحوكمة وتمكين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الحقيقة والكرامة على السواء. سوف يساهم الحد من الفساد، وإعادة إرساء العدالة، وضبط انتهاكات الشرطة في التخفيف من وطأة الضغوط الاجتماعية المتصاعدة في المناطق الحدودية.

ينبغي على المجتمع الدولي أيضاً مساعدة الحكومة على وضع وتمويل برامج لإعادة تأهيل المقاتلين التونسيين العائدين إلى بلادهم ودمجهم من جديد في المجتمع، بما يساهم في معالجة السياق الاجتماعي والثقافي الذي شكّل أرضاً خصبة للجنوح نحو التشدّد العنفي والتجنيد في المجموعات الإرهابية. هذا الأمر، إلى جانب بذل جهود أكثر فعالية لردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق الساحلية من جهة والمناطق الداخلية من جهة ثانية، هو الرهان الأفضل كي تحقّق تونس استقراراً دائماً ومستداماً.