جويس كرم | مراسلة في واشنطن لصحيفتَي "الحياة" و"ذا ناشيونال" الإماراتية.

لاريب أن العقوبات التي فرضتها واشنطن، وضعت الشبكات المالية لحزب الله في لبنان وفي مختلف أنحاء العالم تحت المراقبة والتمحيص الدقيقين. لكنني لست واثقة البتة من قدرة العقوبات على استخلاص مقابل مرتفع من الحزب، أو على إرغامه على تغيير سلوكياته.

كما نعلم، حزب الله لايعتمد على السوق الأميركية ولا على المعاملات الإلكترونية للتمويل. من هنا، وعلى الرغم من أن هذه التدابير سوف تضغط على الشركات أو المُمولين المرتبطين بالحزب، داخل لبنان وخارجه، لدفعهم إلى إعادة النظر في مناصرتهم له وإلا واجهوا عقوبات اقتصادية، فلن يُفلس حزب الله قريباً، إذ من المرجح أن تواصل إيران تمويله وأن يستمر التدفق النقدي الذي تقدّمه له مصادر أخرى، من دون تأثّر بهذه التدابير.

وإذا مالحقت بالعقوبات الأميركية، بعد إقرارها في الخريف، تدابير مشابهة من جانب بلدان في المنطقة، سيترتب على ذلك مزيد من الضغط على مموّلي الحزب في الخليج أو في مناطق أخرى. وعلى العموم، يبدو أن حزب الله أصبح أكثر ثقة بالنفس بعد معركة عرسال الأخيرة وبعد مكاسبه في سورية. ومن شأن الأمر الواقع الجديد أن يجعل الحزب أكثر تحدياً وتأثيراً، بغض النظر عن الضوائق والضغوط المالية التي سيواجهها.

ديفيد غاردنر | كاتب في صحيفة "فاينانشال تايمز"، مقيم في بيروت، ومؤلف كتاب "الفرصة الأخيرة: الشرق الأوسط في مفترق الطرق" Last Chance: The Middle East in the Balance (2009).

العقوبات الجديدة على حزب الله وحلفائه هي الآن في الطريق، عبر الأقنية الاشتراعية في الولايات المتحدة. وهي ستُضاف إلى عقوبات العام الماضي، التي لم تستهدف الحزب وحده، بل أيضاً شبكة الخدمات الاجتماعية الضخمة التابعة له، هذا علاوةً على أنها (العقوبات) عرقلت تدفق التحويلات التي تحمي لبنان من الغرق، ويمكنها أن تفاقم الاقتصاد اللبناني المزعزع أصلاً.

على أي حال، ليس من المرجح حالياً أن تفضي العقوبات إلى إضعاف قوة حزب الله محلياً، أو أن تمنعه من العمل كرأس الحربة في مساعي إيران لتعزيز سلطة هلال شيعي، عبر العراق وسورية، وصولاً إلى المتوسط. ويبدو أن الحزب كَيَّف نفسه مع قطيعة رسمية مع النظام المصرفي اللبناني. إضافةً إلى ذلك، ليست التدابير الجديدة بالشمولية التي توقعها البعض. بيد أن هذا قد يتغيّر.

يميل الناس في الشرق الأوسط إلى النظر إلى السياسات الأميركية باعتبارها موجّهة مركزياً. وهذه الرؤية لم تكن أكثر بعداً من الحقيقة مما هي الآن، في ظل إدارة الرئيس ترامب المرتبكة. لكن هذه الفوضى تشجّع فاعلين آخرين، من الكونغرس إلى المحاكم، على تَخَطُّف شرائح من الكعكة. وحريٌّ بنا أن نتذكر هنا أن شريحة لا تتجاوز مليار دولار فقط قد احتُسبت للإدارة الأميركية من الغرامة البالغة 8.9 مليارات دولار المفروضة على مصرف بي إن بي باريبا (BNP Paribas) الفرنسي، بسبب خرق العقوبات على إيران.

نيكولاس بلانفورد | مراسل لصحيفة Christian Science Monitor في بيروت، وباحث غير مقيم في مبادرة السلام والأمن في الشرق الأوسط، في مركز "برنت سكوكروفت للأمن الدولي" في المجلس الأطلسي، ومؤلف "المارد الشيعي يخرج من القمقم: 30 عاماً من الصراع بين حزب الله وإسرائيل" Warriors of God: Inside Hezbollah’s Thirty-Year Struggle Against Israel (Random House, 2011).

من المحتمل ألا تسفر العقوبات بعد توسيعها عن شيء يذكر، على الأقل من حيث التأثير المباشر. فقبل وقت طويل، تمكّن حزب الله من تخفيف أثر التدابير المالية الأميركية ضد الحزب عبر تجنّب أي ارتباط مباشر بالقطاع المصرفي اللبناني وعبر التعامل النقدي، حيثما تيسّر ذلك. لكن حزب الله يدرك أن قاعدة أنصاره يمكن أن تتأثر بأي تشريع أميركي يشدّد العقوبات، وهذا أمر يثير قلقه. حزب الله جزء من نسيج المجتمع اللبناني، مايجعل من الصعب للغاية استهدافه بمعزل عن محيطه.

على سبيل المثال، خدمات الرعاية الاجتماعية الواسعة لدى حزب الله تشمل المشافي، والمدارس، والعيادات، والمراكز الاجتماعية، والمؤسسات الخيرية، وهذه كلها يمكن أن تتهدّدها الأخطار جراء تشريع يشدّد العقوبات، بما يترتب على ذلك من مضاعفات تطال موظفيها والمستفيدين من خدماتها. أكثر من ذلك، لهذه المصالح تعاملات مع كيانات حكومية مثل وزارات الصحة، والتربية، والشؤون الاجتماعية، مايمكن، نظرياً، أن يُعرِّض مؤسسات الدولة إلى أضرار تترتب على العقوبات الأميركية.

ثم: من شأن التشدّد في تطبيق العقوبات أن يفضي إلى تجميد حسابات مصرفية لأفراد وشركات ليس لهم سوى علاقات عابرة مع حزب الله. كما يمكن أن يتسبّب في نقص الثقة في القطاع المصرفي اللبناني، مايعجّل في كلٍّ من هروب رؤوس الأموال وخفض التحويلات من الخارج (التي تزيد عن سبعة مليارات دولار سنوياً) التي يبعث بها المغتربون اللبنانيون. وفي حين أن تشديد العقوبات قد لا يكون له سوى تأثير هامشي على ماليات حزب الله، إلا أن أكثر ما يشغل هذا الأخير هو أن تطال هذه العقوبات القاعدة الأساسية المناصرة له. فأمرٌ كهذا قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية واسعة تضر بمركزه الشعبي.