دخل الحصار، الذي يفرضه تحالفٌ مؤلف من دول خليجية مع مصر، على قطر شهره الثالث من دون أن تلوح أي تسوية في الأفق.

أصابت الأزمة مجلس التعاون الخليجي في الصميم، مع مايمكن أن يترتّب عن ذلك من اختلال في التوازن السياسي الإقليمي وانقلابه رأساً على عقب. غير أن تدفقات الطاقة لم تتأثّر إلى حد ما، حتى تاريخه. ويُعدّ ذلك مفاجئاً بعض الشيء نظراً إلى أن الخليج هو المصدَر الأكبر للنفط في العالم، ومنتِج ضخم للغاز الطبيعي. لكن إذا استمرّ التصدّع الإقليمي، قد تصبح التداعيات البعيدة المدى أكبر بكثير مما تبدو عليه في الوقت الراهن.

تُعتبر قطر، التي تقع في صلب الأزمة، أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، مع استحواذها على ثلاثين في المئة من التجارة العالمية. ويُعزى سبب اضطلاعها بهذا الدور الضخم في السوق جزئياً إلى كلفة إنتاجه المتدنّية، التي تُعَدّ من الأكثر تدنّياً في العالم. وقد ساهم عدد من العوامل في التخفيف من وطأة الأزمة. ففي البداية، منعت كلٌّ من مصر والإمارات العربية المتحدة الناقلات القطرية المحمّلة بالغاز الطبيعي المسال من دخول موانئهما لإعادة التزوّد بالوقود. لكن تبيّن أن الحصار الذي سادت مخاوف، في البدء، من أن يتسبّب بإحداث خلل في الأسواق، هو أقرب إلى مقاطعة متفرّقة.

بحلول منتصف حزيران/يونيو، عمدت الإمارات إلى تخفيف الحصار عند ميناء الفجيرة الذي يشكّل نقطة توقف معتادة للسفن القطرية. وكذلك استمرت التدفقات من دون انقطاع عبر خط أنابيب دولفين العابر للحدود، الذي ينقل مليارَي قدم مكعب من الغاز القطري إلى سلطنة عُمان والإمارات. وتعوّل هذه الأخيرة على الغاز المستورَد في توليد أكثر من نصف الطاقة الكهربائية التي تحتاج إليها. وتؤمّن قطر الجزء الأكبر من هذا الغاز، مع نحو 19.2 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي المسال وغاز خطوط الأنابيب على السواء.

كما أن المخاوف التي سادت في البداية من أن مصر قد تُقدِم على منع السفن المحمَّلة بالبضائع القطرية من عبور قناة السويس، التي يمرّ عبرها نحو عُشر كمية الغاز الطبيعي المسال في العالم، لم تتبلور على أرض الواقع. فمصر تعتمد أيضاً على الغاز الطبيعي المسال المستورَد من قطر للتعويض عن نقص في الإنتاج المحلي، وهي ملزَمة، بموجب المعاهدات الدولية، بإبقاء قناة السويس مفتوحة إلا إذا كانت البلاد في حالة حرب.

في حين أن الآثار الفورية ضئيلة، تبقى هناك مجموعة من التداعيات البعيدة المدى التي لابد من التوقّف عندها. ففي مطلع تموز/يوليو، كشفت قطر النقاب عن خطط لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي بنسبة عشرين في المئة من حقل الشمال. وقد وضع هذا القرار حداً للتعليق الذي كان مفروضاً على زيادة الإنتاج في حقل الشمال طوال عقدٍ من الزمن، علماً بأن الاستعدادات لاتخاذ القرار كانت جارية قبل اندلاع الأزمة في مجلس التعاون الخليجي. لكن غالب الظن أن توقيت الإعلان عن القرار جاء بهدف بثّ الثقة حتى ولو كان ذلك تحت وطأة الضغوط، كما كشف أن قطر تلتزم بضخّ مزيد من الغاز في الأسواق بغض النظر عن الفائض المتوقَّع خلال السنوات المقبلة.

مما لاشك فيه أن الأثر على أسواق الطاقة العالمية سيكون كبيراً. أولاً، سوف تؤدّي هذه الخطوة على الأرجح إلى الإبقاء على الفائض المتنامي في الإمدادات لفترة طويلة في أسواق الغاز العالمية، مع مواجهة المنتجين الذين يتكبّدون تكاليف أكبر، خطر خسارة حصتهم السوقية لصالح الإنتاج القطري المتدني التكلفة. وعلى الرغم من تكاليف التسييل الباهظة، لايزال بإمكان القطريين التنافس في الأسواق الأوروبية وسط الأسعار الراهنة للغاز الروسي، أو حتى منافسة المنتجين الآخرين للغاز الطبيعي المسال في منطقة آسيا-المحيط الهادئ بارتياح أكبر.

قد يطرح ذلك تعقيدات أمام سعي الرئيس دونالد ترامب إلى زيادة صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال، وكذلك أمام رغبة أستراليا في أن تصبح قوة أساسية في هذا المجال. بالاستناد إلى قائمة محطات الغاز الطبيعي المسال التي يجري العمل على بنائها راهناً، يتوقّع المحللون أن تُضَخّ كميات أكبر حتى من الغاز الطبيعي في الأسواق في مطلع عشرينيات القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك من محطات في تكساس ولويزيانا ومريلاند. نتيجةً لذلك، يُرجَّح بروز فائض في الإمدادات من دون زيادة الإنتاج من الجانب القطري، مايلقي بظلاله على آفاق أسعار الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات الخمس إلى السبع المقبلة. وفي حين أنه من شأن الإمدادات القطرية أن تحقّق أداءً جيداً في ظل هذا السيناريو، سيكون الوضع مختلفاً بالنسبة إلى الإمدادات الأميركية.

في الوقت نفسه، عندما تشهد سوق الغاز العالمية فائضاً في الإمدادات، غالب الظن أن ذلك سيولّد منافسة في أوساط مورّدي الغاز أنفسهم، بما في ذلك حول عوامل جديدة على غرار البصمة الكربونية لإمدادات الغاز المختلفة. وينطبق هذا في شكل خاص على الأسواق الكبيرة، مثل أوروبا، التي تأخذ الاستدامة في الاعتبار، إلى جانب الأسعار وأمن الإمدادات، في استراتيجيتها في مجال الطاقة. تكتسب مسائل أساسية، على غرار انبعاثات الميثان، أهميةً متزايدة، ولاسيما أن 13 في المئة على الأقل من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، مثل الميثان، تخضع أساساً لشكل من أشكال الأسعار المفروضة من قِبَل الحكومة. بناءً عليه، أمام مصدّري الغاز الطبيعي المسال – قطر وسواها من الدول – فرصة سانحة من أجل القياس والتواصل والمنافسة بصورة أفضل على أساس كمية غازات الدفيئة العالمية الموجودة في إمداداتهم من الغاز.

تأتي هذه الأزمة أيضاً في وقتٍ تحاول فيه دول الخليج الحدّ من اعتمادها على الإيرادات النفطية. وعلى وجه التحديد، شرعت السعودية، التي تقود الحصار ضد قطر، في تنفيذ "رؤية 2030"، وهي عبارة عن خطة طموحة لإعادة تشكيل اقتصادها. ويقتضي شطر من إعادة الهيكلة هذه التنويع نحو العديد من القطاعات غير النفطية، بما في ذلك الطاقة المتجددة، إذ تعتزم الرياض إنتاج 9.5 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول العام 2023. لهذه الغاية، تمضي المملكة قدماً بتنفيذ الجولة الأولى من مشاريع الطاقة المتجددة، والتي من المرتقب أن تولّد مامجموعه 700 ميغاواط من الطاقة. هذا وسبق أن أنتجت الإمارات العربية المتحدة عدّة ميغاواطات من الطاقة الشمسية، وتعمل على تنفيذ خطط لزيادة الإنتاج سريعاً. ومن أجل الإفادة في شكل كامل من مصادر الطاقة المتقلّبة والمتغيِّرة مثل الرياح والطاقة الشمسية، ينبغي على دول الخليج أن تعمد إلى توسيع شبكات التيار الكهربائي أبعد من حدودها، فالترابط يحدّ من كمية احتياطي الطاقة المطلوب توليده، ويساهم في تحسين أمن الإمدادات.

الجدير ذكره هنا أن دول مجلس التعاون الخليجي تتشارك أساساً شبكةً تساعد على تجنّب انقطاع التيار الكهربائي، لكنها لم تحقّق بعد طاقاتها الحقيقية. فعلى سبيل المثال، تستطيع السعودية، الدولة العضو الأكبر في المجلس، استيراد أو تصدير 1200 ميغاواط فقط دفعةً واحدة، أي مايعادل اثنين في المئة من قدرتها مجال توليد الطاقة الكهربائية. وسيتعين على دول مجلس التعاون الخليجي أن تزيد عدد خطوط النقل التي تربط بين الشبكات الوطنية بغية معالجة هذه المشكلة.

من أجل بناء منظومة للطاقة مترابطة وتتماشى مع القرن الحادي والعشرين، ينبغي على مجلس التعاون الخليجي ألا يكتفي فقط بالعمل على البنى التحتية. فسياسات السوق المتفاوتة أيضاً تتسبّب بعرقلة التعاون الإقليمي في مجال توليد الطاقة الكهربائية. ويجب أن تُبدي البلدان استعداداً لتفكيك البيروقراطيات وتحقيق الانسجام في الأنظمة المتباينة من أجل إنشاء سوقٍ حقيقية لتجارة الطاقة.

أخيراً، إذا فشل مجلس التعاون الخليجي في رصّ صفوفه، سيكون تأثير تغيّر المناخ كارثياً للغاية. فالاحتباس الحراري يزداد في الشرق الأوسط بوتيرة أسرع بمرّتَين من المعدّل العالمي، ماقد يؤدّي إلى الجفاف والنزاعات والأوبئة. وإذا كان الحؤول دون بلوغ هذه النقطة في المستقبل يتطلّب ثقة وتعاوناً بين دول الخليج، فسيكون مجلس التعاون الخليجي المحفل المناسب لحدوث ذلك. من جهتها، قد تتمكّن الدوحة من تجاوز الحصار في حالته الراهنة، إلا أنه سيكون من الصعب على أي دولة صغيرة أن تصمد في وجه تغيّر المناخ من دون جيرانها.