عمل المجتمع الدولي منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين في 1993، استناداً إلى الفرضية بأن المحصلة المنطقية التي ستنتج عن المفاوضات ستكون حل الدولتين، أي دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية يعيشان جنباً إلى جنب في وئام وسلام.

هذا الحلم كان ما يني يتآكل ببطء، فيما العالم يتغافل عن التطورات الدراماتيكية التي توالت فصولاً منذ ذلك الحين: وِفَادة حكومة يمينية إسرائيلية في 2015 غير مُهتمة البتة بمثل هذه الحصيلة؛ وانشطار بات عمره الآن عشر سنوات بين الضفة الغربية وقطاع غزة ماجعل الحكومة الفلسطينية حائرة وخائرة القوى؛ وتوسّع استيطاني أدى إلى وجود أكثر من 600 ألف إسرائيلي يقطنون الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ومع ذلك، يواصل المجتمع الدولي تبنّي أنموذج الدولتين، بذريعة أن هذه هي النتيجة الفُضلى التي ستسود في نهاية المطاف لحل النزاع. لكن، إلى أي مدى هذا صحيح بالنسبة إلى الفلسطينيين؟ الواقع أنه يبدو أن السكان الفلسطينيين- وعلى وجه الخصوص منهم الشبان - باتوا يرفضون على نحو مطّرد دعم مايعتبرونه إطاراً عفا عليه الزمن ولا يؤدي سوى إلى إدامة الاحتلال إلى أمد غير مُسمى.

يوضح تقرير حديث صدر عن مؤسسة كارنيغي حول فلسطين بعنوان "تجديد الهوية الوطنية الفلسطينية الخيارات مقابل الوقائع" (بالانكليزية Revitalizing Palestinian Nationalism: Options Versus Realities)، أن غالبية الفلسطينيين لازالوا يفضلون حل الدولتين، لكن معظمهم أيضاً يعتقدون بأن هذا لم يعد واردا. ولذا، بدأ يطفو على السطح تحوّل (ليس دوماً هادئاً) يبتعد عن النضال المتركّز على شكل الحل، أي الدولة الفلسطينية، ويقترب من كونه حراكاً يتمحور حول الحقوق. وهذا يتجسّد الآن بأشكال مختلفة: حملة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والصدامات العنيفة في المسجد الأقصى في العام 2015 وأيضاً في تموز/يوليو من هذا العام، إضافة إلى نشاطات أخرى. والحال أن الجيل الفلسطيني الجديد لايثق كلياً تقريباً بالقيادة التقليدية الفلسطينية، سواء أكانت فتح أم حماس، وهو بدأ يجد ملاذاً في مبادرات قطاعية بقيادة المجتمع المدني كمدخل لتحقيق تطلعاته وآماله. لكن، ومع أن الثقة بالمؤسسات الفلسطينية تتدهور بشكل حثيث، إلا أن الهوية الفلسطينية لاتزال قوية وحصينة.

علاوة على ذلك، يجري حالياً طرح بدائل سياسية جديدة على بساط البحث، حتى ولو أنها لم تحظ بعد بموافقة غالبية الفلسطينيين. فهناك، على سبيل المثال، شكل من أشكال ثنائية القومية، التي يتشاطر فيها الفلسطينيون والإسرائيليون دولة واحدة، تناقش الآن بدأب ونشاط في دوائر فلسطينية. صحيح أن كثرة من الفلسطينيين لايريدون التخلّي عن المكاسب التي تحققت من خلال تسليط الأضواء على الهوية الوطنية الفلسطينية بعد بدء عملية أوسلو، إلا أن هناك منهم من بات مستعداً للاحتفاء بالفكرة بأنه إذا ماكانت الدولة الفلسطينية لم تعد ممكنة، فالبديل الوحيد القابل للتطبيق هو الحقوق المتساوية في إطار الدولة التي يعيشون في كَنَفِهَا حاضرا.

ثمة تحوّل آخر بدأ يتبلور بين الفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية. فقد تسبّبت عدم جدّية الحكومة الإسرائيلية في وضع حد للاحتلال، جنباً إلى جنب مع تفاقم موقفها المتصلّب (والعنصري تقريباً) ضد مواطنيها الفلسطينيين، في حدوث تحوّل كبير في الحراك السياسي لهؤلاء الأخيرين. كما أدّت سلسلة من القوانين التمييزية الجديدة لإبراز الطابع اليهودي فقط للدولة وطمس عنصرها العربي، إلى دفع فلسطينيي إسرائيل إلى توحيد صفوفهم. وهكذا، وللمرة الأولى في تاريخ الدولة، خاضت لائحة عربية موحّدة الانتخابات الأخيرة في العام 2015 وحصدت 13 مقعداً، لتصبح ثالث أكبر كتلة في الكنيست. وهذا المنحى لايمكن له إلا أن يستمر بفعل التغيّرات الديمغرافية لصالح مواطني إسرائيل العرب.

وأخيراً، لم يعد في وسع المرء القفز فوق الحقائق الديمغرافية الأوسع في إسرائيل، والضفة الغربية، وغزة. فوفقاً للإحصاءات الرسمية الإسرائيلية، تساوى عدد الفلسطينيين واليهود الذين يعيشون في هذه المناطق في 2017: 6،4 ملايين لكل منهما. وهذا مايجعل حل الدولتين أكثر صعوبة لأنه بات من المستحيل تقريباً الفصل بين هذين المجتمعين، وأيضاً مايشجّع الفلسطينيين على دفع خيار الدولة الواحدة، التي سيصبحون فيها قريباً الأغلبية، قدماً إلى الأمام.

كل هذه التطورات تقود إلى محصلة وحيدة: لم يعد في إمكان المجتمع الدولي تجاهل البدائل الأخرى لحل الدولتين، كما أنه، من باب أولى، لن يجري تنحيتها جانباً من ِقبَل السكان الفلسطينيين المعنيين الذين يقبعون تحت وطأة الاحتلال. وبالطبع، التمسّك بالرغبة بحل الدولتين أو الاعتقاد بأنه أفضل تسوية للنزاع، لايضمنان تحقّقه. وعلى أي حال، لم تعد البدائل عن خيار الدولتين من المحرمات أو حتى بعيدة الاحتمال، سواء أكان هذا التطور جيداً او سيئاً.

ولذا، يفعل العالم خيراً إذا ماراقب عن كثب التحولّات التي تجري على قدم وساق داخل المجتمع الفلسطيني، وإذا ما أنّصت إلى الجيل الفلسطيني الجديد الذي لم يعد مستعداً للعيش في سياقات وضعها آباؤه.