ثبُت، إلى يومنا هذا، أن الإطار الحالي لطي النزاع السوري وإنهائه غير مناسب وغير كافٍ. ويتجاوز لاعبون دوليون وإقليميون، أكثر فأكثر، السيرورات متعدّدة الأقطاب التي أُرسيت في جنيف والأستانة من أجل ترجيح كفة أجنداتهم، ويؤثرون سلباً على عودة النازحين السوريين. وعلى رغم أن كفة نظام بشار الأسد تبدو راجحة، تفتقر المزاعم القائلة إن النزاع السوري شارف على الانتهاء وإن في مقدور اللاجئين العودة قريباً إلى منازلهم، إلى الواقعية، ناهيك عن أنها سابقة لأوانها.

حدود التعددية

رسمت عملية جنيف، التي رعتها الأمم المتحدة، الخطوط العريضة لتسوية سياسية بين الأطراف المتحاربة، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الرقم 2254. وأرست هذه الخطة أسسَ مثل هذه التسوية، وهي تشمل تشكيل حكومة انتقالية تحل محل الأسد. ولكن هذه المقاربة من أعلى إلى أسفل التي تبنّاها المجتمع الدولي، أخفقت في التعامل مع تعقيدات النزاع على أرض الواقع. ويرى كثر أن مسار جنيف هو، على أحسن تقدير، صيغة مضلّلة ومحاولة للتستّر على عجز المجتمع الدولي عن إنهاء أحد أكثر النزاعات دموية في أزمنتنا المعاصرة، وعن محاسبة نظام متّهم بارتكاب انتهاكات شاملة لحقوق الإنسان في حق شعبه.

والمقلق أن الاحتمال الكبير لبقاء بشار الأسد في سدة السلطة- بفضل العون العسكري الروسي والإيراني- أبطل، إلى حد ما، الفائدة المرجوة من مسار جنيف. ولم يعد مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، يأتي على ذكر الانتقال السياسي في البلاد. وفكرة أن القائد السوري الذي أحال بلاده إلى أنقاض، سيقبل طوعياً بأي شكل من أشكال تشارك السلطة، هي أمل بعيد المنال. يُضاف إلى ذلك أن استقالة كارلا ديل بونتي مؤخراً من لجنة ثلاثية فوّضتها الأمم المتحدة التحقيق في جرائم الحرب في سورية، قد قوّضت صدقية المسار الذي تقوده الأمم المتحدة. وقالت ديل بونتي في تسويغ قرارها إن مجلس الأمن لم يحرّك ساكناً حين رفضت إحدى الدول الأعضاء فيه، روسيا، إحالة جرائم النظام السوري إلى محكمة العدل الدولية.

وفِي هذه الأثناء عملت روسيا على ابتكار مسار الأستانة– الذي يلتف على مسار جنيف- وتؤدي فيه موسكو دوراً ريادياً للتوصل إلى حلول انتقالية بين مختلف الأطراف في سورية. والجديد الذي حمله مسار الأستانة هو إشراكه قوتين إقليميتين متنافستين وضالعتين في النزاع، وهما تركيا وإيران، في رعاية حلول للحرب السورية. وتمثّل إنجازه الرئيسي في الاتفاق على إنشاء 4 مناطق خفض تصعيد في أصقاع مختلفة من سورية، لإرساء بعض الاستقرار. 

وعلى رغم هذا الإنجاز، يرى كثيرون أن هدف مسار الأستانة يقتصر على اجتراح آليات لتقليص العنف، من دون أن يعبّد الطريق أمام حل مستدام. والأستانة هو كذلك إطار عمل يتيح على نحو فعال للمشاركين فيه تجاوز المعايير الدولية المُجمع عليها، ومنها احترام حقوق الإنسان، كما يقتضي مسار جنيف. ويجابه مسار الأستانة تحديات عديدة، من ضمنها خلاف ناجم عن المصالح المتضاربة بين روسيا وتركيا وإيران على بنية قوى المراقبة، والافتقار إلى إجراءات بناء الثقة، وقلق واشنطن من تعاظم نفوذ إيران.

وعلى رغم أن الإرساء الجزئي لمناطق خفض التصعيد المتفق عليها في الأستانة قلَّص فعلاً زخم القتال، أسهم غياب آليات الاستقرار وصون السلام، في تأجيج النزاعات المحلية بين اللاعبين المسلحين المتنافسين على النفوذ في سورية. وفي هذه الأثناء، تعثّرت الاتفاقات الأولية لنشر جنود من الدول الثلاث الراعية للاتفاق، على وقع تباين مصالحها وتباعدها.

وقد حمل شلل مساري جنيف والأستانة وبلوغهما طريقاً شبه مسدود، روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا، على اتّباع مقاربة مختلفة. ويتم التفاوض، اليوم، على اتفاقات جزئية لكلٍّ من مناطق خفض التصعيد وفقاً لعملية الأستانة، حيث تؤدي روسيا دور الوسيط بين الدول النافذة في كلٍّ من هذه المناطق. ولكن هذه المقاربة الثنائية تشرّعت الأبواب على مصراعيها أمام المخرّبين، وتحديداً الميليشيات الناشطة على ضفّتي النزاع، مثل حزب الله اللبناني أو كتائب أبو فضل العباس وعصائب أهل الحق العراقية- وهذه تدعم النظام- والمجموعات متعددة الجنسية التي تحاربه. إذن، يحفّز تضارب المصالح على الأرض غير المستفيدين من الإجراءات المحلية على تقويضها.

يُعتبر اتفاق عمّان بين الولايات المتحدة وروسيا، المدعوم من الأردن، خير مثال على اتفاق مبرم محلياً لإنشاء منطقة خفض تصعيد في جنوب سورية. لم ترغب واشنطن في أن يبرم الاتفاق في إطار مسار الأستانة حيث لإيران كلمة. وللأردن مصلحةٌ في أن يبرم الاتفاق ويبلغ خواتيمه، على أمل أن يخفف أعباء اللاجئين عن كاهله. من ناحية أخرى، رمى الاتفاق هذا إلى تذليل القلق الإسرائيلي من توسع النفوذ الإيراني ونفوذ حزب الله في سورية، وتحديداً على مقربة من مرتفعات الجولان المحتلة. لكن إسرائيل على حالها من الاستياء، فالاتفاق لم يشر إلى ضرورة انسحاب إيران وحزب الله من سورية.

في هذه الأثناء، يجري العمل على إنجاز اتفاقين آخرين تلعب فيهما مصر دور الضامن بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية. ويشمل الاتفاق الأول شمال حمص، والثاني الغوطة الشرقية، وهما المنطقتان الواقعتان تحت حصار القوات الحكومية. وقد ينصّ الاتفاقان على وقف إطلاق النار، وتجميد خطوط النزاع، واستئناف التجارة مع دمشق، وإنشاء مجالس حكم منتخبة محلياً. وتعرقل الخلافات حول الإفراج عن المعتقلين اتفاق شمال حمص، وكذلك يعيق القصف المستمر للقوات الحكومية ومزاعم شنّ هجمات بأسلحة كيماوية اتفاق الغوطة الشرقية.

اللاجئون يدفعون الثمن

تقلّص هذه الإجراءات متعددة الأقطاب آفاق اتفاق شامل في سورية في مرحلة ما بعد النزاع. وتزداد الحاجة إلى مثل هذا الاتفاق لمعالجة الدمار الكبير الذي لحق بالمنازل والبنى التحتية، وللوقوف على الخيارات المتاحة أمام مواصلة تلبية الحاجات الإنسانية الضخمة لـ6.7 ملايين نازح داخلي، ولملايين اللاجئين العائدين. وعوض النزول على هذه الحاجات، يتردد في الإجراءات صدى منطق اتفاقات المصالحات المحلية التي أبرمها النظام السوري وروسيا في العامين الأخيرين. واستُخدمت هذه الاتفاقات، من جهة، لطرد المجموعات المعارضة، والمدنيين والقادة الميدانيين، من المناطق المحاصرة من قبل النظام؛ ومن جهة أخرى، لجلاء المقاتلين المعارضين، كما يدعي النظام، عن بعض المناطق تمهيداً لعودة المدنيين إليها.

لكن هذه الاتفاقات لم تفضِ إلى عودة اللاجئين. وعلى خلاف العودة المرجوة، ومع استعادة النظام السيطرة على بعض المناطق، اكتسبت عصابات موالية للنظام وأمراء الحرب نفوذاً يُعتد به على الأرض هناك، وفرضت حكماً تعسفياً. وفي الوقت نفسه، سمحت السلطات المحلية لبعض اللاجئين والنازحين في الداخل بالعودة، ورفضت عودة آخرين. وتفتقر معظم المناطق إلى بنى تحتية توفر شروط العودة وتجعلها ممكنة.

الجدير ذكره هنا أن الاتفاقات غير المتماسكة التي تُرسى اليوم لحمل بعض اللاجئين على العودة إلى بيوتهم، قلما احتسبت مصالحهم. ورمت الاتفاقات السياسية الأخيرة التي شملت عودة لاجئين، ونُفّذت في آب/أغسطس على طول حدود لبنان الشرقية مع سورية، إلى قسر مقاتلي المعارضة وعائلاتهم على الانتقال إلى مناطق سورية يرجح أن يندلع فيها القتال في المستقبل القريب. وعوض حل مشكلة اللاجئين، نقلت هذه الاتفاقات المشكلة فحسب إلى سورية، ووضعت عائلات في مرمى النيران.

وعلى رغم أن العمليات التي دارت خارج فلك جنيف والأستانة قلّصت مستوى العنف في أصقاع سورية، إلا أنها وضعت مستقبل هذا البلد على مسار مختلف، وعليه، أضحى النزاع وحلوله أكثر محلية. ومع تجميد خطوط المعركة، تسمح الاتفاقات المحدودة والجزئية المبرمة خارج الإطار متعدد الأقطاب، للّاعبين المحليين بالالتفاف على مبادئ مجمع عليها دولياً تتناول حماية الحيوات وموارد العيش والأرزاق. وتشير هذه الاتفاقات إلى بروز بنية حكم أمر واقع تُغلِّب كفة النظام وتُفسح المجال أمام استعادته بعض السيطرة. لكن السيادة الفعلية ستبقى محدودة في ظل التأثيرات الخارجية وحجم الدمار، وسيبقى الأمل في عودة واسعة النطاق للاجئين إلى مساقط رؤوسهم في سورية، سراباً.