مضاوي الرشيد | دكتورة-أستاذة زائرة في مركز الشرق الأوسط، كليّة لندن للاقتصاد.

ليست المصالحة في العالم العربي، المُبتلي بالعنف والتحالفات المتقلّبة، هي اللغة الراهنة للسياسات في هذه المنطقة. والسعودية والعراق، مثلهما مثل أي دولة أخرى، تسعيان وراء مصالحهما الوطنية التي قد تتطابق أو تتصادم مع بعضها البعض. وفي هذا السياق، يمكن القول إن التقارب الأخير بين ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي هو بمثابة محاولة لإنهاء عزلة العراق عن جيرانه العرب، وفي الوقت نفسه تعويضاً عن خطوات الفشل المُتلاحقة التي مُنيت بها في السياسة الخارجية السعودية: من بيروت ودمشق إلى صنعاء والدوحة، وصولاً إلى بغداد.

والحال أنه في غياب أي قصة نجاح فاقعة، يستميت محمد بن سلمان للتواصل مع العراق قبل الانتخابات البرلمانية العراقية العام 2018. فبعد مساعٍ عدة غير ناجحة للعثور على نصير تابعٍ له في بغداد- بما في ذلك إياد علاوي وكذلك قادة قبليين سنّة- تسعى السعودية حالياً إلى تطبيق نهج مزدوج: فهي تنخرط مع رئيس الوزراء العراقي، فيما هي تغازل في الوقت نفسه أحد أشرس معارضيه، أي رجل الدين مقتدى الصدر الذي زار المملكة مؤخرا. وهكذا، تتوق الرياض الآن للعثور على موطئ قدم لها في أراضي جارها العراقي المُضطرب.

لكن الأهم من كل ذلك أن المملكة تسعى إلى استخدام العراق كمعبر للدخول إلى إيران، منافستها الإقليمية، بهدف تحسين العلاقات معها، ما قد يحفظ ماء وجهها في نزاعين مُهمين إثنين: سورية واليمن. ذلك أن السعودية فشلت في تحقيق هدفها القاضي بإطاحة بشار الأسد في النزاع الأول، وفي تدمير المتمردين الحوثيين في النزاع الثاني. وبالطبع، كلاً من السعودية وإيران لهما أتباعهما في هذين النزاعين المديدين، وبالتالي سيكون من الصعب على السعودية "مصالحة العراق" من دون الموافقة الإيرانية، خاصة بعد عقود مديدة من الحروب الإعلامية، والتطييف السياسي، والعداء المتبادل. هذا علاوة على أن الميليشيات الموالية لإيران على الأرض العراقية، قادرة على كبح جماح أي مصالحة بين البلدين. ثم أن السياسة الخارجية السعودية الجانحة والتائهة، هي أيضاً عقبة أمام التوافق الإقليمي بين هذين البلدين المُتباعدين.

جويل وينغ | محلل الشؤون العراقية في مدوّنة Musings on Iraq.

يمكن القول إنه تم إرساء الخطوات الأوّلية لتحسين العلاقات العراقية- السعودية. فخلال هذا الصيف، قام سلسلة من المسؤولين العراقيين بزيارة السعودية، بدءاً برئيس الحكومة حيدر العبادي، الذي يُعتبر من الجناح الموالي للغرب في حزب الدعوة، ثم وزير الداخلية قاسم الأعرجي، وهو عضو في منظمة بدر الموالية لإيران؛ وأخيراً القائد الوطني العراقي مقتدى الصدر. وهكذا، ومن خلال الاجتماع مع مروحة من السياسيين العراقيين، يصبوا السعوديون إلى التواصل مع الكتل السياسية الرئيس التي تشكّل الائتلاف الشيعي العراقي.

بعد هذه الاجتماعات الودّية، أعلنت الرياض أنها تدرس تمويل مشاريع تنموية في العراق. ومن جانبه، قال العبادي إنه إذا كانت دول الخليج قلقة للغاية على سنّة العراق، فعليها أن تضع أموالها حيث يحتاجها هؤلاء، والعمل على إعادة بناء المناطق السنّية في البلاد التي تعرّضت إلى التدمير خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وإذا ما قدّم السعوديون التزامات جدّية في هذا المجال، فهذا قد يفعل فعله في حل بعض القضايا العالقة بين البلدين. 

بالطبع، كل هذه خطوات صغيرة، لكنها تُمثّل تغيّراَ حاسماً في موقف السعوديين السابق، حيث كانوا يرفضون إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع العراق بحجة أن السلطات في بغداد تنتهج سياسات طائفية.

سايمون هندرسون | مدير برنامج سياسات الخليج والطاقة في معهد واشنطن.

أجد نفسي أغيّر رأيي، استناداً كلياً تقريباً إلى أي يوم هو من أيام الأسبوع، حول ما إذا كان يجب أن أعتبر أن الشرق الأوسط بات أكثر أم أقل قابلية للتوقّع. ما عليك سوى تحديد المسألة، فأستطيع أنا أن أجادل بالشيء ونقيضه: هل سيكون هناك أبداً سلام فلسطيني- إسرائيلي؟ هل ستصبح سورية أبداً دولة- أمة فاعلة وفعّالة مجددا؟ هل الانقسام السنّي- الشيعي قوة دافعة بشكل دائم؟ 

السؤال حول المصالحة السعودية- العراقية هو عنوان فرعي من هذا النمط من الأسئلة. وهكذا، فإن مشهد مقتدى الصدر وهو يتجاذب أطراف الحديث في جدة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أصابني بصدمة. وعلى رغم أني اعتبر كليهما غيّاباً وتهكمياً للغاية، إلا أن هذه الحقيقة لم تكن كافية لتوضيح هذا الذي يجري. لاريب هنا أن صدام حسين يتلوى الآن في قبره.

بالطبع، من السهل التهّكن بدوافع السعودية: إبعاد بغداد عن طهران، أو على الأقل إضعاف الروابط بينهما. أما الهدف العراقي (وهنا ثمة شخصيات أخرى غير الصدر لها علاقة بالموضوع) فهو حصدُ مقبولية أوسع في العالم العربي، وربما أيضاً جني بعض الأموال من أجل التنمية وإعادة الإعمار. لكن العامل الرئيس في هذا السياق هو ما إذا كانت إيران ستتسامح مع الاستقلالية الفكرية والعملية للعراق. والحال أن الجمهورية الإسلامية تُمارس لعبة بعيدة المدى، ونحن لن نعرف على المدى القريب ماذا تنوي أن تفعل. 

ريناد منصور | زميل أكاديمي في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية.

صيف 2017 لم يكن له مثيل في مجال العلاقات العراقية- السعودية، خاصة حين نتذكّر أن بغداد والرياض لم يكونا دوماً على وفاق. ففي العام 1990، غزا الرئيس صدام حسين، وهو سنّي، الكويت ما دفع السعودية القلقة إلى البحث عن حماية، فدعت القوات الأميركية إلى دخول أراضيها. وفي العام 2003، وبعد إطاحة صدام حسين، تسنّمت السلطة في العراق قيادة يُسيطر عليها الشيعة وتتمتع بدعم إيران، الأمر الذي أثار مخاوف الرياض من ولادة "هلال شيعي" في المنطقة.

لكن مؤخراً، بدأت القيادة الشيعية تتخبط في لجج أزمات داخلية، تتعلّق جزئياً بمسألة نفوذ طهران في بغداد. فقد سعى رئيس الحكومة حيدر العبادي إلى الحدّ من الهيمنة الإيرانية على البلاد، من خلال انتهاج سياسة خارجية مستقلة والانخراط مع دول أخرى، بما في ذلك دعوة الولايات المتحدة للمساعدة على محاربة مايسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. كما تموضع أيضاً رجل الدين الشيعي الشعبوي مقتدى الصدر كوطني عراقي مُحترس من النفوذ الإيراني الذي يُمارس عبر قادة عراقيين معيين، خاصة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

الأرجح أن السنة المقبلة ستكون محورية للعراق. فمع إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية، ومع الانتخابات البرلمانية المُقبلة التي سيليها تشكيل حكومة جديدة، يطرح كل القادة رؤاهم الخاصة حيال مستقبل العراق في حقبة مابعد الدولة الإسلامية. وبالنسبة إلى الصدر والعبادي، وعلى رغم أن كليهما قد يعترضان على السياسات الإقليمية السعودية وعلى المداميك الإيديولوجية الوهابية، إلا أن هدفهما الرئيس هو أن يتبنى العراق سياسة خارجية يصبح بموجبها قوة إقليمية تتفاعل بنشاط مع جيرانها، بما في ذلك السعودية.