منى الطحاوي | صحافية مصرية-أميركية تعمل لحسابها الخاص، تتنقّل بين نيويورك والقاهرة.

الرئيسان المصري والأميركي مزيجٌ يقضّ مضجع النشطاء ويتسبّب لهم بأسوأ الكوابيس – إنهما شعبويان سلطويان شديدا الحساسية للانتقادات يكتسبان زخماً سياسياً من "حربٍ على الإرهاب" تُبرّر، في نظر أتباعهم، مجموعة متنوّعة من الانتهاكات.

مع عبد الفتاح السيسي، الجنرال العسكري الذي أصبح رئيساً، نتذكّر أن الجيش يحكم مصر بطريقة أو بأخرى منذ أكثر من ستة عقود. أما في حالة دونالد ترامب، فيؤدّي ثلاثة جنرالات – وزير الدفاع، وكبير الموظفين في البيت الأبيض، ومستشار الأمن القومي – فعلياً دوراً أشبه بحاضِنات الأطفال في علاقتهم مع القائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك في عرض غير مسبوق لسيطرة السلطة العسكرية على السلطة التنفيذية في التاريخ الرئاسي الأميركي الحديث. فضلاً عن ذلك، إخوتي في الوطن – المصريون والأميركيون على السواء – متيّمون إلى درجة مقلقة بقواتهم المسلّحة.

بما أنني أَقيم بين مصر والولايات المتحدة، المستقبل الذي أراه لهذين البلدَين اللذين أعتبرهما موطناً لي، هو أن الولايات المتحدة سوف تصبح أشبه بمصر، مايعني أنه لن يبقى هناك مجال لتوجيه انتقادات أميركية إلى مصر (مع أن الولايات المتحدة اكتفت تاريخياً في الحقيقة بالتشدّق في الكلام  اللفظي عن انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي النظام المصري). فلنتذكّر أن خمس إدارات أميركية متعاقبة – ديمقراطية وجمهورية – دعمت النظام الديكتاتوري للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي حكمَ البلاد طوال 29 عاماً.

عمدت الولايات المتحدة مؤخراً، شأنها في ذلك شأن السياسيين الذين يتكلّمون بلسانَين، إلى تعليق المساعدات إلى مصر، غير أن ترامب خفّف من وطأة تلك الضربة بإقدامه على الاتصال هاتفياً بالسيسي (الذي قال عنه الرئيس الأميركي إنه "رجل مدهش") في إطار مكالمة ودّية. سيبقى تعليق المساعدات خطوة غير سويّة طالما أن السيسي يدرك – وبحسب ماأوضحه له ترامب – أن الرئيس الأميركي لن يؤنّبه بشأن حقوق الإنسان. سيواصل نظام السيسي في قتل المصريين خارج نطاق القضاء – سُجِّلت 61 عملية إعدام خارج نطاق القضاء في شهر تموز/يوليو وحده، وهذا الرقم يفوق ضعفَي المجموع خلال الأشهر الستّة السابقة، وسيواصل المصريون الانضمام بالمئات إلى عداد المفقودين.

غالب الظن أن هذه الجرائم لن تشكّل مصدر قلق للجنرالات الذين يؤدّون دور الحاضنات في البلدَين اللذين أنتمي إليهما.


 

جون ألترمان | نائب رئيس أول، كرسي زبيغنيو بريجينسكي للأمن العالمي والجيوستراتيجية، ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

تمرّ العلاقات الأميركية-المصرية في خضم مرحلة انتقالية. وفي حين أن بعض المسؤولين المصريين واثقون للغاية من أن انتخاب الرئيس دونالد ترامب سوف يساهم في استعادة الروابط الوطيدة والوثيقة بين البلدَين، سيحمل المستقبل على الأرجح تطورات مختلفة. بُنيت العلاقات الأميركية-المصرية الوثيقة في السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تتمحور حول صدّ النفوذ السوفياتي في المنطقة والعمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام عربي-إسرائيلي. كانت مصر مكوِّناً حيوياً في المسألتَين معاً. أما الآن فتُركّز السياسة الأميركية في المنطقة على التصدّي للنفوذ الإيراني ومكافحة الإرهاب. وليست مصر محورية في أي من المعركتَين. 

هذا فضلاً عن أن الحروب الدائرة في الشرق الأوسط منذ عقود، مقرونةً بتراجع الاعتماد على النفط الشرق أوسطي، أفضت إلى انحسار الرغبة الأميركية في الانخراط العميق والمستدام في المنطقة. لاتقدّم مصر نموذجاً جيداً عن نتائج الانخراط المستدام، فالمساعدات السنوية بقيمة مليارات الدولارات التي تواظب الولايات المتحدة على تقديمها إلى البلاد منذ أربعة عقود، لم تساهم في بناء قوة قتالية فعّالة، أو في قيام اقتصاد حيوي، أو في توليد قدر كبير من مشاعر الودّ الشعبية تجاه الولايات المتحدة.

لم تساهم الشراكة مع الولايات المتحدة في دفع مصر في طريق النجاح، وعلى الأرجح أنها غير قادرة على ذلك. فالبلاد كبيرة المساحة وتحدّياتها شديدة التعقيد، ويقع على عاتق المصريين أنفسهم بناؤها. لكن عندما تكون مصر ناجحة، من شأنها أن تمتلك حظوظاً أكبر بكثير لاستقطاب شراكة أكثر جدوى مع الولايات المتحدة. في التفكير الأميركي، يتطلب ذلك جيشاً رشيقاً وفعالاً، وقطاعاً خاصاً متيناً، ومجتمعاً مدنياً نابضاً بالحياة. ليست هذه حال مصر اليوم، ولاحال المجتمع الذي يبدو القادة المصريون مصمّمين على بنائه.


 

عمرو حمزاوي | باحث أول في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد.

مما لاشك فيه أن التشنّجات الراهنة سوف تستمر بين الولايات المتحدة ومصر. هذه التشنجات، التي تجلّت في الخفوضات الأخيرة في رزمة المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تقدّمها الولايات المتحدة إلى مصر، نابعة من ثلاثة عوامل.

أولاً، لم تبادر الحكومة المصرية إلى قطع علاقاتها العسكرية والتجارية مع كوريا الشمالية، على الرغم من تعرّضها للانتقادات، كما أُفيد، من جانب إدارة ترامب.

ثانياً، شهد سجل الحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان تدهوراً شديداً منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدّة الحكم. في مواجهة هذه الانتهاكات غير المسبوقة لحقوق الإنسان، ضغطت وزارة الدفاع الأميركية ومجموعة نافذة من السناتورات الأميركيين المنتمين إلى الحزبَين الجمهوري والديمقراطي من أجل فرض خفوضات في رزمة المساعدات العسكرية والاقتصادية. وجاءت خطوة السيسي عبر إقدامه قبل بضعة أشهر على إقرار قانون قمعي حول المنظمات غير الحكومية، وُضِع خصيصاً من أجل إحكام الخناق على المجتمع المدني المصري، لتصبّ مزيداً من الزيت على النار.

ثالثاً، كانت للخلافات بين إدارة ترامب والحكومة المصرية حول الحرب الدائرة في كل من ليبيا وسورية، مساهمتها أيضاً في التشنّجات الراهنة. تدعم الحكومة المصرية اللواء الليبي خليفة حفتر والديكتاتور السوري بشار الأسد، في حين أن إدارة ترامب، وهذا أقل مايُقال، لاتثق بالاثنين معاً.


 

ديفيد شينكر | زميل Aufzien ومدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن

مما لاشك فيه أن قيام إدارة ترامب بتجميد ثلاثمئة مليون دولار من المساعدات الخارجية المخصصة لمصر، شكّل صدمة للقاهرة، نظراً إلى أنه جاء في أعقاب الاجتماع الممتاز ظاهرياً الذي عُقِد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في أيار/مايو الماضي في البيت الأبيض. لكن في الحقيقة، كان النباح أسوأ من العضّة: غالب الظن أن مصر ستحصل في نهاية المطاف على حصة الأسد من هذا التمويل، وقدرها 195 مليون دولار. بيد أن القرار يعكس نظرة سائدة في الكونغرس الأميركي، وفي أوساط عدد كبير من الأشخاص في وزارة الخارجية، والذين يُبدون انزعاجهم من الوضع المزري لحقوق الإنسان في مصر.

في حين أن النشطاء الحقوقيين وبعض أعضاء البيروقراطية في واشنطن لازالوا يرغبون في استعمال المساعدات بمثابة ورقة ضغط أو في معاقبة القاهرة على سجلها في مجال حقوق الإنسان، بات صنّاع سياسات آخرون معتادين على الأمر، وأذعنوا لاستحالة التغيير في مصر التي تبدو عصيّة إلى حد كبير على الرضوخ للضغوط الأميركية. ونظراً إلى الأوضاع في المنطقة، هل تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمّل في الوقت الراهن تدهوراً في العلاقات مع مصر؟ في مختلف الأحوال، وعلى ضوء مدّ الإدارة الأميركية يدها إلى السيسي والرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليست حقوق الإنسان أولوية قصوى بالنسبة إليها.

لاتسعى الإدارة الراهنة إلى الدخول في صِدام مع مصر. وليس لدى مصر، بدورها، مكانٌ آخر تقصده. غالب الظن أن الولايات المتحدة ومصر، الصديقتَين المخضرمتين، وأحياناً "الصديقتَين العدوّتَين"، ستشهدان حالة من الستاتيكو في العلاقات بينهما.