مساء 22-23 أيلول/سبتمبر 1997، بعد مرور ستة أعوام على اندلاع الحرب الأهلية الجزائرية، شنّت الجماعة الإسلامية المسلحة هجوماً على قرية بن طلحة الواقعة على بعد 20 كيلومتراً تقريباً من الجزائر العاصمة.

عندما لامست عقارب الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً، اقتحم حوالى 150 مسلّحاً القرية، بناءً لأوامر سليم محمّد، المعروف باسم "الأزراوي"، وهو أمير الجماعة الإسلامية المسلحة في المنطقة. في غضون ست ساعات، ارتكبت الجماعة الإسلامية مذبحة مروّعة قُتل فيها عددٌ من الرجال ثم أُخصيوا، واغتُصبت النساء أمام أزواجهن أو أبنائهن أو إخوتهن، ثم قُتلن وقُطعت رؤوسهن؛ كذلك تم اختطاف أجملهن ليُعثر على جثثهنّ بعد بضعة أيام مُلقاة في بئر بالقرب من بن طلحة.

وفيما أعلن المسؤولون عن سقوط 89 قتيلاً في المجزرة، تحدّثت مصادر في المستشفيات وفي أوساط الناجين عن 417 ضحية ومئات الجرحى. كان هدف الجماعة الإسلامية المسلّحة التعبير عن موقف ديني وسياسي وهُويّاتي من خلال هذه الإبادة. ومع دنوّ الذكرى العشرين على ارتكابها، لاتزال هذه المجزرة راسخة بعمق في الذاكرة الجماعية للجزائريين.

شكّلت بن طلحة آنذاك جزءاً من المنطقة السابعة (الجزائر العاصمة) الخاضعة إلى نفوذ الجماعة الإسلامية المسلحة، وكانت منضوية تحديداً تحت إمرة "كتيبة السابقون" التابعة للجماعة. وقد شكّلت هذه القرية أهمية استراتيجية للجماعة كونها تقع في سهل متيجة، بين الساحل من جهة وسلسلة جبال الأطلس من جهة أخرى، فكانت هي والبلدات المجاورة لها معبراً أساسيًّا يصل بين مدينتي الجزائر العاصمة والشريعة، التي كانت مقرّ الجماعة الإسلامية المسلحة.

بعد أن أيّدت بن طلحة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات المحلية والبرلمانية عامَي 1990 و1991، وقعت تحت سيطرة الجماعة الإسلامية المسلحة بين عامَي 1994-1995. كان النظام الجزائري آنذاك ينتهج سياسة سُمّيت بـ"استراتيجية التداعي"، حيث تعمّد ترك مناطق وبلدات بكاملها، من ضمنها بن طلحة، في قبضة الجماعة الإسلامية المسلحة كي تشكّل عبءاً يثقل كاهلها، مُفسحاً في المجال أمام نشوء ظروف سلبية قد تؤلّب السكان ضد الجماعة الإسلامية. ويبدو أن هذا الأمر نجح في بن طلحة، إذ باتت القرية قاعدة دعم للجماعة الإسلامية المسلحة التي فرضت عدالتها الخاصة، وأدارت شؤون القرية، وقدّمت مساعدات اجتماعية، ووضعت نظاماً لجباية الضرائب، وما إلى ذلك. لكن، بعد مرور ثلاث سنوات على حكم الجماعة، ضاق السكان ذرعاً بالتطبيق الصارم للشريعة الإسلامية وبالسلوك العنيف الذي مارسته هذه الأخيرة، فقرّروا الكفّ عن دعمها، وشكّلوا ميليشيا مدنية لحماية قريتهم.

في تلك المرحلة، سلكت العلاقة بين الجماعة الإسلامية المسلحة وسكّان بن طلحة منعطفاً آخر، إذ كثّفت القوى الأمنية انتشارها في القرية، إلا أنها لم تتمكّن من القضاء بشكلٍ تام على المجموعات المسلحة الناشطة في المنطقة، ما أدّى إلى تفاقم حالة العنف. وهذا أثّر على قرار الجماعة الإسلامية الخاص باتّخاذ إجراءات مشدّدة لإعادة فرض سيطرتها على القرية والمناطق المجاورة لها. كذلك، عاقبت الجماعة السكان لانحيازهم إلى الحكومة وبدأت بالتخطيط لارتكاب المجزرة.

كانت الجماعة الإسلامية المسلحة آنذاك تحت حكم عنتر زوابري، الذي "نبذ" المجتمع الجزائري لعدم اكتراثه بتهديداته المطالبة بعدم التصويت في الانتخابات الرئاسية العام 1995. ونتيجةً لذلك، لحق العقاب بالسكان الذي عصوا التعليمات واتّهموا بـ"التخلي عن [الإسلام]، والامتناع عن القتال ضد الأعداء". وفي حين أضحت الجماعة معزولة بصورة متزايدة بسبب مواقفها المُتَعنّتة، وجدت نفسها في حالة اختناق لوجستياً. وفي خضم هذا الوضع، بات القتل الجماعي بالنسبة إليها وسيلة لفرض الطاعة في بيئة استراتيجية وتنافسية للغاية، والحصيلة: مجزرة بن طلحة.

بيد أن المجزرة كانت أيضاً جزءاً من سلسلة مأساوية من الفظائع المماثلة التي ارتُكبت في أماكن أخرى. فقبل ذلك ببضعة أسابيع، عشية 28 آب/أغسطس، شهدت قرية الرايس، الواقعة على بعد 20 كيلومتراً من مدينة الجزائر، هجوماً مروّعاً أسفر عن مقتل نحو 300 شخص. وبالمثل، في 7 و8 أيلول/سبتمبر، وقعت مجزرة في سيدي يوسف، أحد أحياء ضواحي العاصمة، بلغت حصيلتها حوالى 90 شخصاً. كانت الجماعة الإسلامية المسلحة تهدف إلى نقل عملياتها إلى مناطق قريبة أكثر من الجزائر العاصمة، في الوقت الذي ضعضعت فيه قوات الأمن وعمليات التطهير الداخلي صفوفها، مع ضمان وصولها إلى المناطق النائية حيث تتمركز قواعدها.

كانت مجزرة بن طلحة منظّمة ومنسّقة بعناية. فقد تقدّمت إحدى المجموعات لزرع القنابل على أبواب المنازل، لضمان عدم تمكُّن السكان من إطلاق النار على المجموعة الثانية من المسلحين لدى دخلولها القرية. كان برفقة المهاجمين امرأتان من القرية، يشير إليهما القرويون بأنهما "امرأتا جحا"، وكانت تسعى كل منهما إلى الانتقام لمقتل ابنها وشقيقها، وهو مقاتل من الجماعة الإسلامية المسلحة. كان في حوزتهم قوائم تحوي أسماء وعناوين الأسر التي يتعيّن إعدامها. وأعقب ذلك دخول مجموعة ثالثة، تُعرف باسم الذبّاحين، أو ضاربي الأعناق، وكان دورها ذبح السكان بالسكاكين. هذه المجموعة نفسها انقسمت إلى فئتين: الأولى تدخل المنازل وتقتل القاطنين فيها، والثانية تبقى في الخارج لمنع الضحايا من الفرار، والإجهاز على أولئك الذين قُذفوا من النوافذ ولم يلقوا مصرعهم.

حاول العديد من الأشخاص تفسير كلٍّ من وحشية مجازر بن طلحة والرايس وسيدي يوسف، وعدد الضحايا الذين سقطوا في كل قرية، وسبب عدم تدخّل قوات الأمن، ومحاولة المسؤولين تقليل أعداد الضحايا، على أنها خطوات متعمدة اتخذتها السلطات لإخفاء تورّطها في المجازر. وقد عكست الضبابية المحيطة بهذا الوضع إلى حد كبير ترسُّخ هذا الاعتقاد. ولئن كان صحيحاً أن قوات الأمن غالباً ما استخدمت العنف العشوائي ضد السكان، ما أسهم إلى حدّ كبير في بثّ التطرّف في عقول الشباب، إلا أنه مامن دليل مهما كان نوعه على تَورُّطها بهذه المجازر. وقد تمكّنت من التأكد شخصياً من ذلك بعد أن أمضيت عامين تقريباً في العمل الميداني في بن طلحة.

والآن، وعلى الرغم من مرور عقدين على مجزرة بن طلحة، إلا أنها لاتزال جرحاً نازفاً في ذاكرة الناجين. قال لي أحدهم ويدعى نبيل، وهو فقد والدته وأخواته وأبناء عمومته: "نجح الإرهابيون في مسعاهم تلك الليلة. لقد قتلونا جميعاً، حتى الناجين منا".