في عالمٍ مضطرب يسوده التطرف العنفي، أصبحت السلفية مصطلحاً جامِعاً يُستخدَم لتوصيف العقيدة غير العقلانية والتعصّب العنفي اللذين لايمكن إعادة تأهيلهما ولا استيعابهما. حتى في السياقات المستقرّة حيث جرى دمج المجموعات المقصيّة والهامشية، يُثير صعود السلفيين الخوف.

على سبيل المثال، لايزال الحضور العام المتنامي للسلفيين في المغرب، الذين تبنّوا الخط السياسي السائد في البلاد، يثير الذهول والقلق لدى عدد كبير من الأشخاص. في العام 2016، أطلق القرار الذي اتخذه حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل بتعيين حماد القباج، السلفي حتى العظم، رئيساً لقائمته الانتخابية في مراكش، سجالاً واسعاً، مادفع بوزارة الداخلية إلى إبطال ترشّحه. لقد اعتبر البعض أن اختيار القباج إما يفضح الانتماءات الإيديولوجية الفعلية لحزب العدالة والتنمية أو يظهر أن السلفية تتسلّل إلى الإسلام السياسي المعتدل. بيد أن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً بكثير مما يوحي به هذا التوصيف.

تُقدّم التحوّلات المتناقضة التي عرفتها السلفية في المغرب، صورة تساعد على فهم هذه التعقيدات. طوال عقود، ظلّ التيّار المتمسّك بالتقاليد في الحركة السلفية متشبِّثاً برؤية فرضت الحفاظ على نقاء العقيدة والطقوس، وحظرت مختلف أشكال الحراك الديني. لكن ذلك تغيّر في ظل ضغوط الأحداث المحلية والإقليمية. فقد أحدث الهجوم الإرهابي في الدار البيضاء في أيار/مايو 2003 وظهور حركة 20 شباط/فبراير المؤيّدة للديمقراطية في العام 2011، هزّةً في صميم التيار المتمسّك بالتقاليد، ماطرح تساؤلات أساسية عن مدى قدرة التيار على تكييف أنشطته والأساليب التي يلجأ إليها في حراكه.

أثارت الواقعة الأولى، التي دُمغت بالحملة المكثّفة التي شنّها النظام ضد الأنشطة والمؤسسات السلفية، ولاسيما المدارس القرآنية، ردوداً مختلفة بحيث بات السلفيون الشباب المتمسِّكون بالتقاليد أكثر استجابةً بصورة تدريجية للحساسيات والمصالح السياسية، على الرغم من تمسّكهم المتواصل، قبل أي شيء آخر، بنقاء العقيدة ونشرها بطريقة سلمية. لقد ولّد ذلك تشنّجات وتناقضات في الفكر السلفي، زادت من حدّتها الانتفاضات العربية التي اندلعت في العام 2011 وتداعياتها الفوضوية. وقد كانت النتيجة تشرذم التيار السلفي المتمسك بالتقاليد إلى معسكرٍ عاد إلى الامتثال للعقيدة التقليدية، وآخر ثابر على المضي قدماً بمسار إصلاحي، محاوِلاً التوفيق بين القيود السلفية والانخراط السياسي.

يتجلّى هذا التصدّع الكبير داخل السلفية التقليدية في شكل خاص من خلال المسار الذي يسلكه اثنان من أبرز شخصيات التيار المتمسّك بالتقاليد، ومن خلال المراحل الأساسية التي كان لها تأثيرها في المقاربة الإيديولوجية لكلٍّ منهما، وفي علاقاتهما مع النظام وقدرتهما على التأقلم مع التغييرات المحلية والإقليمية.

يُعَدّ محمد المغراوي، منذ عقود، الشخصية الأكثر سيطرة ونفوذاً في السلفية المتمسّكة بالتقاليد في المغرب. وقد اكتسب حماد القباج حضوره على الساحة من كونه نائباً للمغراوي، قبل استقالته من هذا المنصب مؤخراً اعتراضاً على موقف رئيسه من الانقلاب في مصر. ويُعرَف عنه في شكل خاص أنه يؤمّن العمود الفقري الفكري والديني لتطوير السلفية المتمسّكة بالتقاليد، كي تتحوّل إلى مزيج من الدعوة السلفية والحراك السياسي والاجتماعي.

بيد أن مسارَيهما المتباعدَين يكشفان عن التحوّلات والمفارقات وأوجه التكيّف في إطار السلفية المتمسّكة بالتقاليد. والسبب هو أن الانتفاضات العربية شكّلت حافزاً للتيار السلفي التقليدي كي يخطّ لنفسه مساراً أقل التباساً بكثير نحو الانخراط السياسي. ماخلا عدد قليل من المعارضين، ولاسيما في صفوف التيار المدخلي، الذي سُمّي تيمناً بالشيخ السعودي ربيع المدخلي الذي ندّد بالاحتجاجات في الشوارع في العام 2011 واصفاً إياها بأنها أعمالٌ تُحرّض على الفتنة، رحّب سلفيو التيار الغالب بنسيم الانفتاح العليل الذي جلبته الثورات معها.

بالفعل، أكّد المغراوي، الذي رفض سابقاً مختلف أشكال الحراك في الشارع واصفاً إياها بأنها تعدٍّ غير مبرّر على الامتيازات الملَكية، شرعية الجزء الأكبر من المطالب التي رفعتها حركة شباب 20 فبراير الاحتجاجية – وهي عبارة عن ائتلاف فضفاض من اليساريين والليبراليين والإسلاميين المغاربة. مما لاشك فيه أن الحركة الاحتجاجية لم تطالب يوماً بإسقاط الملك، كما جعلت مبادرة هذا الأخير إلى الاستجابة بصورة سريعة وإيجابية للاحتجاجات التي وقعت في 9 آذار/مارس 2011 الردّ الملَكي أكثر استساغةً من قبل الرأي العام، كما رتّبت كلفة أقل على السلفيين التقليديين للتأقلم بسهولة مع الوقائع الجديدة.

برزت غزوة السلفيين للساحة السياسية من خلال دعمهم لمرشّحي حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011. وفي سياق متقلّب من الاضطرابات الشعبية، بدا أن التقارب مع حزب العدالة والتنمية، أقلّه في المراحل الأولى للربيع العربي، عبارة عن صيغة رابِحة للطرفَين. لم تنبع هذه الانعطافة المدروسة في السلفية التقليدية من أي توجيهات عقيدية واضحة. وكان المغراوي سبق أن حاول تقديم حجج فقهية لتبرير الحِراك السياسي المحدود، غير أن المنطق الذي اعتمده خلّف العديد من التساؤلات، مثلاً: متى يُسمَح بتنفيذ الاحتجاجات ومتى لايُسمَح بها، ومادورها في تعزيز رسالة الإسلام الصحيحة.

هذا الالتباس الإيديولوجي منحَ المتمسّكين بالتقاليد، سواءً عن سابق تصوّر وتصميم أم لا، المرونة اللازمة للتراجع دائماً عن مواقفهم وإعادة ضبطها وفقاً لتطوُّر الوضع السياسي في المغرب. ففي اللحظة التي أصبح فيها دعم حزب العدالة والتنمية رهاناً خاسراً، بات الصمود متوقِّفاً على الاصطفاف بالكامل خلف تفضيلات النظام.

تجدر الإشارة إلى أن مشاركة الإسلاميين في الحكومة لم تحل دون إغلاق المدارس القرآنية المرتبطة بالمغراوي وجمعية الدعوة إلى القرآن والسنّة التي يرأسها، في العام 2013. وزاد النظام الضغوط على تيار المغراوي بُعيد تحوّل التقارب بين السلفيين المتمسّكين بالتقاليد وحزب العدالة والتنمية إلى دعم انتخابي للحزب، ماأرغم المغراوي في نهاية المطاف على العودة إلى الإذعان المطلق للنظام. بيد أن هذه الانعطافة أفضت إلى تصدّعات خطيرة في صفوف المتمسكين بالتقاليد.

اللحظة المفصلية التي فرضت إجراء إعادة تصوّر للسلفية المتمسكة بالتقاليد تمثّلت في الانقلاب العسكري في مصر في العام 2013. فالتأييد الذي أظهره المغراوي للإطاحة العسكرية بأول رئيس إسلامي منتخَب ديمقراطياً في البلاد، محمد مرسي، دفع بالعديد إلى الانشقاق، ومنهم القباج. ومنذ ذلك الوقت، عمد هذا الأخير إلى صقل الحجج الفقهية التي تُجيز الحراك السياسي ضمن أطر العقيدة السلفية. فقدرة تيار القباج – الذي يستمدّ قوته من مجموعة من الشباب المتعلّمين والمنتمين إلى الطبقة الوسطى الذين انضموا إلى المغراوي في تسعينيات القرن الماضي – على المضي قدماً في هذا المسار ليست مضمونة على الإطلاق.

وعلى ضوء ماكشفته التطورات داخل تيار المغراوي، لاتسلك عملية تسييس السلفية مساراً سلساً. لاتزال تجربة القباج في تكييف العقائد السلفية مع السياقات السياسية-الاجتماعية المتبدِّلة، بحاجة إلى النضوج. لكن، وفيما يستمر هذا المجهود في التبلور، سيواجه تحدّيات عدة، منها الممانعة المستمرة من السلفيين اللاسياسيين وحذر النظام من السلفية الناشطة.