حسن حسن زميل رفيع المستوى في معهد تحرير لسياسات الشرق الأوسط، حيث يركّز على الإسلام المتشدد، وسورية، والعراق، ودول الخليج العربي. شارك في تأليف "الدولة الإسلامية: داخل جيش الرعب" (ISIS: Inside the Army of Terror )، الذي انضم إلى قائمة الكتب الأفضل مبيعاً التي تضعها صحيفة نيويورك تايمز، والذي اختارته أيضاً صحيفة تايمز اللندنية بين أفضل الكتب للعام 2015، وصحيفة وول ستريت جورنال بين أفضل عشرة كتب عن الإرهاب. هو من شرق سورية ويمكن متابعته على تويتر عبر: @hxhassan .

مايكل يونغ: بدأت المعركة للسيطرة على محافظة دير الزور. هل ولّد التقدّم الكبير الذي حققته قوات النظام السوري مؤخراً باتجاه مدينة دير الزور، انطباعاً زائفاً بأن المعركة في المحافظة بكاملها ستكون سهلة؟

حسن حسن: في هذه المرحلة، الحملات التي أعلن عنها النظام السوري والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة هي عبارة عن تموضع في الجزء الأكبر منها. كان الهجوم الذي شنّه النظام لكسر الحصار حول عاصمة محافظة دير الزور سريعاً، لكن القتال لايزال مشتعلاً في المناطق الصحراوية الواقعة بين تدمر ودير الزور. ينطبق الأمر نفسه على قوات سورية الديمقراطية المدعومة من واشنطن. لاتعني هذه المكاسب أن المعركة في باقي دير الزور ستكون سهلة. ليس أيٌّ من التحالفَين مستعداً بما يكفي لخوض معركة تعتبرها الدولة الإسلامية محورية.

من عوامل التعقيد الإضافية في المعركة على دير الزور أنه للمحافظة ثلاث ساحات معارك مختلفة. الأولى هي مدينة دير الزور والبلدات المجاورة، حيث يحتفظ النظام السوري بموقع عسكري منذ العام 2012، على الرغم من الضغوط الهائلة التي يمارسها عليه الثوّار والجهاديون. تمتد ساحة المعركة هذه جنوباً وصولاً إلى مطار دير الزور. وانطلاقاً من هناك، يصبح باقي المحافظة عبارة عن أراضٍ أشدّ وعورة. حتى عندما كان النظام لايزال قوياً في العام 2012، تخلّى بصورة مطردة عن قواعده في المحافظة لأنه لم يستطع الإبقاء على وجودٍ له في بيئة ريفية مناوئة.

تشكّل البوكمال، جنوب شرق دير الزور، منطقة قائمة بذاتها منفصلة إلى حد كبير عن باقي دير الزور. لقد فصلت الدولة الإسلامية البوكمال عن محافظة دير الزور، وربطتها بمدينة القائم العراقية لتشكيل ماأسمته ولاية الفرات، لأن المدينتَين أفضل ارتباطاً في مابينهما. ومايزيد من التعقيدات في دير الزور أنها محاطة بمناطق صحراوية وحدودية، مايعني أنه ثمة حاجة إلى تشكيلات عسكرية أكبر لاستعادة السيطرة عليها وإحكام هذه السيطرة والحفاظ عليها.

يونغ: لماذا ترتدي محافظة دير الزور هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلى نظام الأسد؟

حسن: لطالما اعتُبِر احتفاظ النظام بموقع عسكري في دير الزور، على الرغم من كل العوائق، طريقةً لتأكيد نوع من السيادة على كامل الأراضي السورية، حتى فيما كان النظام يفقد السيطرة على الجزء الأكبر من البلاد. بيد أن التهافت الأخير لاستعادة السيطرة على المدينة وتحقيق مزيد من التقدم غير مرتبط بتلك الحسابات. السبب الأساسي وراء تحويل النظام أنظاره نحو دير الزور هو الحشد العسكري الذي تلجأ إليه الولايات المتحدة في شرق سورية وشمالها. شكّلت المعركة في الرقة الشرارة لتجدّد اهتمام النظام السوري وإيران بتلك المنطقة. وقد أثار اتّساع رقعة الوجود الأميركي التوتّر لدى إيران، إذ أوحى توسيع انتشار القوات المدعومة من الولايات المتحدة عند الحدود التركية والعراقية والأردنية، بأن واشنطن تعمد إلى بناء نوعٍ من المحميّة، وهو مانفاه المسؤولون الأميركيون مراراً وتكراراً.

بدأت دلائل المواجهة بين القوى المنضوية في صفوف الولايات المتحدة وتلك المنضوية في صفوف إيران، في الظهور بعدما استعادت القوات الموالية للنظام السيطرة على تدمر في أيار/مايو الماضي، على الرغم من أن الولايات المتحدة ساهمت بطريقة غير مباشرة في ذلك المجهود عن طريق الضربات الجوية. فقد تصادمت القوات الموالية للجانبَين في الصحراء السورية، إنما تم في نهاية المطاف احتواء الأوضاع. ثم تمكّنت القوات الموالية لإيران من الوصول إلى الحدود العراقية، وأقرّت الولايات المتحدة بأن المنطقة الممتدّة من التنف، على مقربة من تقاطع الحدود السورية-العراقية-الأردنية وصولاً إلى دير الزور، تقع ضمن دائرة النفوذ التابعة للنظام السوري.

قضت تلك الواقعة على أي آمال لدى فصائل دير الزور التي تنشط في منطقة القلمون والصحراء السورية، بمهاجمة الدولة الإسلامية انطلاقاً من المحور الغربي الأساسي حيث تقع المراكز المدينية الكبرى الثلاثة في المحافظة. بصرف النظر عن معركة دير الزور، أصبحت هذه الفصائل أقل أهمية إلى حد كبير بالنسبة إلى داعميها، ماأدّى إلى نشوب توترات بينها وبين داعميها الأميركيين والأردنيين.

ربما كان تركُّز حقول النفط والغاز في دير الزور أحد محرِّكات الحملة المتواصلة، لكنني لاأعتقد أنه المحرّك الأساسي كما لمّح البعض.

يونغ: ماهو الدور الذي سيلعبه الوضع القبلي في المحافظة بالنسبة إلى النظام؟

حسن: القبائل هي دائماً بمثابة ورقة جوكر بالنسبة إلى أي قوة في وادي نهر الفرات. أعتقد أن الشخصيات القبلية التقليدية سوف تتعاون مع النظام. لكن ذلك لايعني أنها تمتلك السلطة لفرض إرادتها على أبناء القبائل الذين هم في سن الشباب والمتمرّسين في القتال. لقد أدّى شيوخ القبائل دوراً ناشطاً في المرحلة الأولى من الانتفاضة السورية عبر سعيهم إلى منع الشباب من تنظيم احتجاجات ضد النظام. لكن منذ ذلك الوقت، إما جُرِّدوا من مصداقيتهم وإما انكفأوا، ماأتاح لقوى آخرى تأدية دور أكثر حسماً في رسم معالم الأحداث خلال الأعوام الستة الماضية.

لاتخوض القبائل حروباً، ولاتمتلك آلية للقيادة والتحكّم. لكنها تشكّل شبكات فعّالة للتواصل الاجتماعي. ومن هذه الناحية، لاغنى عنها. سوف تتوقّف قدرة شيوخ القبائل على تأدية دور فعال بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، على شرعية الحكّام الجدد. وفي حين أن شيوخ القبائل قد يرحّبون بالنظام، أو أيضاً بالقوات المدعومة من الولايات المتحدة، غالب الظن أن دورهم سيكون محدوداً في حال نظرت قاعدتهم الناخبة المفترَضة إلى الحكّام الجدد بأنهم عبارة عن قوى احتلال.

في دير الزور على وجه التحديد، من شأن استعادة النظام السيطرة أن تفتح الباب على الأرجح أمام عودة تنظيم القاعدة إلى المحافظة حيث كان يمتلك المعقل الأكبر له داخل سورية. وعلى النقيض مما جرى في الرقة والحسكة، ظلّ فرع القاعدة في دير الزور متماسكاً، ولم ينشق أعضاؤه ويلتحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية. تضم هذه المجموعة مئات الأشخاص من دير الزور، وشبكة أوسع نطاقاً تستطيع استخدامها للعودة كقوّة ملتزِمة في مواجهة النظام. إنه سيناريو واقعي جداً، في نظري، مع الإشارة إلى أنه من شأن غير الجهاديين حتى أن يرحّبوا بمثل هذا الحليف السابق المخيف في المعركة ضد النظام في دير الزور. لو كانت دير الزور خاضعة إلى سيطرة القوات المحلية المدعومة من الولايات المتحدة، لكان احتمال حدوث ذلك أقل – إنما لاتزال السياسة الأميركية تعاني من شوائب خطيرة.

يونغ: مامدى واقعية السيناريو بأن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ويقاتل من أجل السيطرة على الرقة، يمكن أن يتحوّل نحو الجنوب بعد تلك المعركة للمشاركة في المعركة على محافظة دير الزور؟

حسن: تشدّد الولايات المتحدة على أن التحالف الدولي أكثر قدرة على محاربة الدولة الإسلامية في المدن على غرار الميادين والبوكمال، وكلتاهما تقعان على الضفة الغربية للنهر. في الوقت نفسه، ليس باستطاعة القوات المدعومة من الولايات المتحدة شنّ حملة انطلاقاً من المحور الغربي لأنها غير قادرة على الوصول إلى المناطق الواقعة غرب دير الزور، لذلك تتقدّم نحو المحافظة من الجهة الشمالية.

فكرة إنشاء منطقة منزوعة التوتر على ضفاف نهر الفرات غير منطقية في حالة دير الزور. تخطّط الولايات المتحدة لشنّ هجوم بقيادة قوة منضوية في صفوفها من أجل استعادة السيطرة على ضفتَي النهر جنوب معاقل النظام في مدينة دير الزور وجوارها. لقد أسفر غياب خطوط نزع التوتر عن حدوث تشنّجات، وحتى مواجهة، على مقربة من المدينة. وتسبّب وجود القوات المدعومة من الولايات المتحدة شرق المدينة بتعقيد الأمور لأنه كان يُعتقَد أن البلدات الكائنة شرق النهر هي معاقل محتملة للنظام، نظراً إلى أن اثنتَين منها كانتا تضمّان سكاناً من الطائفة الشيعية قبل وصول الدولة الإسلامية. المناطق التي تطرح الإشكالية الأكبر بالنسبة إلى الطرفَين هي البلدات الواقعة قرب مدينة دير الزور والمنشآت النفطية شرق الميادين. أما المناطق الواقعة نحو الجنوب فعلى الأرجح أن الولايات المتحدة سوف تتمكّن من حسم الأمور فيها من دون مقاومة تُذكَر.

أبعد من ذلك، لاتمتلك قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، العديد البشري والموارد اللازمة لإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية في دير الزور. الإخفاق الأكثر إثارة للاستغراب في السياسة الأميركية هو أن الفصائل النافذة من دير الزور – التي تعرف الأرض حق المعرفة، والتي حاربت الدولة الإسلامية على امتداد أربع سنوات، حتى قبل أن تبدأ الولايات المتحدة بشن حملتها ضد التنظيم – ليست جزءاً من القتال. ومايثير الاستغراب أكثر في هذا المجال هو أن اثنتَين من هذه المجموعات تحظيان بالدعم من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) والبنتاغون.

قوات سورية الديمقراطية هي الأداة التي تستخدمها الولايات المتحدة في القتال ضد الدولة الإسلامية، وترغب الفصائل من دير الزور في خوض القتال بصفة قوى مستقلة وليس كقوى مصطفة إلى جانب الأكراد. غير أن المبرِّر لعدم استخدام هذه الفصائل يحمل في ذاته إدانة للسياسة الأميركية، نظراً إلى أن القوة البرية الوحيدة التي تستعملها واشنطن في القتال ضد الدولة الإسلامية أخفقت في الحصول على التأييد الضروري من السكّان المحليين الذين يُعرَف عنهم بصورة واضحة أنهم يكنّون مشاعر عداء للجهاديين ويمتلكون إمكانات مناوئة لهم. غالباً مايشتكي المسؤولون الأميركيون من صعوبة العمل مع المعارضة ضد الجهاديين، بيد أن هذا الواقع في دير الزور هو مثالٌ واضح عن أن المسؤولية في الإخفاق تقع على كاهل السياسة الأميركية القصيرة النظر والمشوبة بالعيوب. نظراً إلى أن الولايات المتحدة تمتلك زخماً في مواجهة الدولة الإسلامية، لايقرّ المسؤولون بهذه الشوائب.

يونغ: هل تشكّل دير الزور جزءاً حيوياً في جسر برّي إيراني ممتد من إيران إلى لبنان؟ وفي هذه الحالة، ماهو وضع تلك الجبهة راهناً؟

حسن: لقد نجحت إيران في توسيع نفوذ النظام عند الحدود العراقية، من التنف إلى البوكمال. نظرياً، أتاح لها ذلك امتلاك جسر بري على طول طريق عام دمشق- بغداد. ليست إيران في حاجة إلى السيطرة على دير الزور للحصول على هذا الرابط. وتؤمّن مدينة الميادين طريقاً آخر يربط دمشق بدير الزور وصولاً إلى العراق. قد تجد إيران سهولة أكبر في استخدام هذا الطريق نظراً إلى أنه من الأسهل تنظيف الطرف الآخر من الحدود والسيطرة عليه بالمقارنة مع الأجزاء الجنوبية في محافظة الأنبار العراقية.

سوف تحرص إيران على العمل من أجل سيطرة الميليشيات التابعة لها على الحدود من الجهتَين. يبدو أن مصدر القلق الأساسي بالنسبة إلى إيران وحلفائها في سورية هو السؤال عما تخطّط له الولايات المتحدة في مايتعلّق بوجودها في سورية. وقد بدأت عوارض هذا القلق بالظهور في شرق سورية، على غرار الأعمال الحربية التي تندلع من حين لآخر بين النظام وقوات سورية الديمقراطية الخاضعة إلى سيطرة الأكراد.

يونغ: مامدى جدّية الولايات المتحدة في العمل على قطع الرابط البري بين إيران ولبنان عن طريق سورية؟

حسن: تريد كل من بغداد وواشنطن أن يسيطر الجيش العراقي على الجانب العراقي من الحدود من الأنبار إلى سنجار. تتضمن الاستراتيجية الحدودية السعي إلى تشكيل قوات محترفة تستطيع الولايات المتحدة العمل معها لفرض الأمن عند الحدود، في العراق كما في سورية. عموماً، وانطلاقاً مما يردّده على مسامعي مسؤولون كبار، تعتبر الولايات المتحدة أن التحالف الدولي مع حلفائه على الأرض في موقع أفضل لمحاربة الدولة الإسلامية وبسط الأمن عند الحدود.

لكن في الوقت الراهن، لاتنعكس الاستراتيجية المفترَضة على أرض الواقع. تتحرك الميليشيات التابعة لإيران عند الحدود على مقربة من سنجار، وعلى الأرجح أنها ستنضم إلى الجيش العراقي في القتال الدائر في القائم ونحو الجنوب. لقد تخلّت الولايات المتحدة عن أراضٍ في الصحراء السورية، وليس واضحاً حتى الآن مَن سيذهب إلى هذه المنطقة أو تلك في محافظة دير الزور. يقول المسؤولون الأميركيون إنه سيجري تقييم الوضع واتخاذ القرار وفقاً لحجم التقدّم الذي سيحققه النظام السوري ضد الدولة الإسلامية في دير الزور، مايعني أنه في حال تمكّن النظام من الوصول إلى الحدود والتقدّم نحو الجنوب في وادي نهر الفرات، قد لاتعترض الولايات المتحدة طريقه. كذلك أعلنت قوات النظام في عطلة نهاية الأسبوع الماضي عن شنّ هجوم باتجاه البوكمال، على الرغم من أنها تبدو خطوة طموحة جداً.

يونغ: هل تعتقدون أن أبو بكر البغدادي لايزال حياً؟ وفي هذه الحالة، أين يُعقَل أن يكون؟

حسن: ليس هناك مايدعو لاعتقاد العكس. على الأرجح أن الدولة الإسلامية كانت لتعلن عن وفاته لو أنه قُتِل، أو كانت لتبدأ بتحضير شخصية أخرى، بطريقة من الطرق، للحلول مكانه. لم نشهد على أي خطوات من هذا القبيل حتى الآن. تولي الدولة الإسلامية أهمية كبيرة لوجود شخصية قيادية تتمتع بـ"الكاريزما" كي تكون وجه المجموعة. لابل إنه شأن وفاة أبو بكر البغدادي قبل الانهيار الكامل للخلافة التي أسّسها، أن تساهم في تثبيت إرثه في صورة الرجل الذي أسّس خلافة، وسيطر على ثلث العراق ونصف سورية، وأنشأ ولايات تابعة للدولة الإسلامية في نحو 24 بلداً أجنبياً، فحوّل تنظيمه بالتالي من مجموعة عراقية محلية إلى تنظيم عابر للأوطان يتنافس مع القاعدة على الجهاد العالمي.

بحسب المعلومات الصادرة عن السلطات العراقية، يختبئ أبو بكر البغدادي في المناطق الحدودية عند الحدود السورية-العراقية، حيث لايزال التنظيم يمتلك ملاذات آمنة. وسوف يستمر في امتلاك مثل هذه المخابئ في الصحراء المجاورة في حال جرى طرده من البلدات.

يونغ: وضعتم، بالاشتراك مع مايكل ويس، كتاباً عن الدولة الإسلامية انضم إلى قوائم الكتب الأفضل مبيعاً. هل سيبقى كتابكم آنياً ووثيق الصلة بالموضوع بعد سقوط دير الزور، أو في حال سقوطها؟

حسن: إلى جانب التقارير التي اشتملت على أحاديث مع عناصر في الدولة الإسلامية ومع أشخاص من السكان المحليين كانوا يعيشون في ظل التنظيم، يتطرق جزء كبير من الكتاب إلى كيفية ظهور الأشكال السابقة للدولة الإسلامية إبان حرب العراق، ثم انحسارها لتعود فتظهر من جديد في العام 2014. التاريخ، شأنه في ذلك شأن الدروس المستمدّة منه، وثيق الصلة بالموضوع الآن تماماً كما كان قبل ثلاث سنوات. حتى إن هذه الدروس قد تكون أكثر صلة بالموضوع في حال أراد العالم أن يتفادى تكرار الأنماط نفسها. لسوء الحظ، يبدو أن قصر النظر هو من السمات الأساسية في السياسة الأميركية. تكرّر الولايات المتحدة أنماطاً متشابهة، لاسيما على ضوء الهاجس الذي يسكن المسؤولين ويدفعهم إلى التركيز على جعل الأمور تبدو أكثر إيجابية مما هي عليه في الواقع. يتستّر المسؤولون على الشوائب الواضحة في السياسات التي تتسبب بقدر أكبر من النزاعات في سورية والعراق بالمقارنة مع ماكان الوضع عليه قبل ثلاث سنوات.

لاتزال الدولة الإسلامية، وعلى الرغم من أنها أُضعِفت بشدّة منذ سيطرتها على الموصل في صيف 2014، أقوى وأكبر مما كانت عيه قبل السيطرة على الموصل. وحتى بعد خسارتها الموصل والرقة، ستبقى تشكّل تهديداً قوياً في العراق وسورية وخارجهما. وعلى مدار الأعوام الثلاثة الماضية، لم نشهد على مثال واحد عن قيام قوى محلية بطرد الدولة الإسلامية من معقل أساسي للسكان من دون تدخّل كثيف من سلاح الجو الأميركي الجبّار ودعم لوجستي أميركي على الأرض. تبقى هذه النقطة من النواقص المحرجة في الحملة البرية ضد التنظيم.

ليس المقصود بذلك أن صعود الدولة الإسلامية من جديد هو أمرٌ محتوم. حجم التهديد الذي يمكن أن تشكّله الدولة الإسلامية في المستقبل يتوقّف إلى حد كبير على ماإذا كانت الولايات المتحدة تستوعب أن الجهادية وُجِدت لتبقى، وأنه يجب إنشاء بدائل عنها. الاستراتيجية الراهنة القائمة على "القضاء على الدولة الإسلامية" قصيرة النظر، وتدمّر أكثر مما تبني، بغض النظر عما يُردَّد في عناوين وسائل الإعلام وعلى ألسنة المسؤولين. إنه قصر النظر عينه الذي أتاح صعود التنظيمات السابقة للدولة الإسلامية بعدما كانت قد أصيبت بالضمور في العام 2007. بالفعل، المسؤولون أنفسهم الذين أدّوا دوراً في إفساح المجال أمام صعود التنظيم، يعملون الآن من أجل إلحاق الهزيمة به. إنه أيضاً قصر النظر نفسه الذي أتاح لتنظيم القاعدة أن يتحوّل إلى تهديد أكبر مما كان عليه قبل 16 عاماً عندما بدأت الحرب على الإرهاب.

يونغ: هل ربح بشار الأسد الحرب في سورية، وفي هذه الحالة، إلى أي حد يمكن اعتباره نصراً كاملاً؟

حسن: لقد انتصر بشار الأسد في الجانب الأهم من الحرب. ليست لدى أي بلدٍ في العالم اليوم رغبة جدّية في إخراجه من السلطة أو إسقاط نظامه. حتى بعض الجهات الأكثر تفانياً في دعمها للمعارضة لاترغب الآن في دعم أي قوى تتحدّى حكمه. على سبيل المثال، تركيا هي من المساهِمين الأساسيين، ولو بطريقة غير مباشرة، في سياسة النظام في الشمال. وأنقرة هي إحدى الجهات الراعية الثلاث لعملية الأستانة التي ركّزت على نزع التصعيد العسكري. لقد انطبعت العملية السياسية في جنيف إلى حد كبير بما تُحقّقه آلية الأستانة، على الرغم من أنه يسود في العواصم الغربية نوعٌ من النكران لما يمكن تسميته "أستَنَة جنيف". لايزال المسؤولون الأميركيون والأوروبيون يصرّون على عدم المساس بعملية جنيف، وعلى أنها ستكون الأداة الوحيدة لعملية سياسية انتقالية في سورية. قد يكون ذلك صحيحاً لناحية أن روسيا ستُبقي على عملية جنيف بمثابة القناة التي ستقود في المستقبل إلى التوصّل إلى حل سياسي، غير أن طبيعة النقاش ستكون قد تطوّرت إلى حد كبير عندما تحين تلك اللحظة.