قبل انتفاضة العام 2011 في سورية، اتّبعت محافظة دير الزور الشرقية نموذج المحور والفروع. فقد كانت مدينة دير الزور مركزاً لأربع مناطق محيطة بها، تفصل بين تجمّعاتها السكانية مسافات شاسعة. لكن سنوات الصراع حطّمت هذه العلاقة، تاركةً المناطق المحيطة بمدينة دير الزور منقطعة الأوصال عنها، ومستقلة إلى حدٍّ كبير عن بعضها البعض. لكن الطريقة التي ستنتهي بها الحرب ضد الدولة الإسلامية في شرق سورية ستعيد تشكيل الروابط والشبكات القديمة في دير الزور، في ما يتعلق بدمشق وداخل شرق سورية على السواء.

تتناقض تركيبة محافظة دير الزور مع محافظة الرقة المجاورة، التي هي في الأساس منطقة واحدة تتألف من بلدات صغيرة مرتبطة بشكل مباشر بمدينة الرقة. أما المناطق المحيطة بمدينة دير الزور، في المقابل، فهي مقسمة بحسب السكان على أساس محور يفصل الريف الغربي عن الريف الشرقي، وآخر يمتدّ على ضفّتي نهر الفرات ويمر عبر المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن المناطق الواقعة شمال نهر الفرات تُعرف باسم الجزيرة وتلك الواقعة جنوباً تُسمّى الشامية. ويقسم هذان المحوران محيط دير الزور إلى أربعة أرباع.

وقد أدّت الحرب ضد الدولة الإسلامية في هذه المناطق إلى تشرذم خطير، فبات كل ربع من هذه الأرباع يخضع الآن إلى قوى سياسية واجتماعية شديدة التباين. ففي جنوب غرب المدينة، يتوّسع نطاق سيطرة النظام على الريف، مع دحره مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية. علاوةً على ذلك، تربط قيادة القبيلة المهيمنة في المنطقة، البوسرايا، تاريخياً علاقات وطيدة بالنظام .

أما في الريف الشمالي الغربي، فتتقدم "قوات سوريا الديمقراطية" بالتعاون مع بعض القادة التقليديين في قبيلة البقارة المسيطرة في تلك المنطقة. بيد أن العديد من الشخصيات البارزة من قبيلة البقارة عمدت إلى الاصطفاف مع النظام وحشد أفراد القبيلة دعماً لخيارهم هذا .

في الوقت نفسه، كانت الموارد الطبيعية في الريف الشرقي لدير الزور أشبه بجائزة كبرى، إلا أنها أدّت إلى مزيد من التشرذم في المنطقة، وبخاصة مع انقسام قبيلة العقيدات إلى قبائل فرعية وعشائر مختلفة .

لكل طرف من الأطراف العديدة المنخرطة في شرق سورية أولوياته الخاصة. فمن جهة، يسعى النظام إلى استخدام السيطرة على المنطقة لإعادة ربط شرق البلاد بوسطها وجنوبها. وترى الولايات المتحدة، من جهة أخرى، أن محافظة دير الزور أساسية لتأمين السيطرة على مناطق عدة ضمن الأراضي الشاسعة وقليلة السكان الواقعة على طول الحدود العراقية. ويحاول العديد من أفراد الجيش السوري الحر المتحالفين مع قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في المقابل، إيجاد فرصة لاستعادة بلداتهم. وتسعى الوحدات الكردية، المتمركزة ضمن "قوات سوريا الديمقراطية"، إلى السيطرة على المزيد من الأراضي في دير الزور، لاستخدامها ربما كورقة ضغط للنهوض بأجندتها في منطقة الجزيرة شمال شرق البلاد .

ولأن القبائل المحلية لم تعد قادرة على حشد أفرادها من دون الحصول على دعم خارجي، يُرجّح أن يبقى معظمها بطريقة أو بأخرى رهينة الأجندات الخارجية، مايضمن أن تظل هذه المنطقة مجزأة جغرافياً.

شكّلت دير الزور مركزاً للنشاط الاقتصادي والسياسي في منطقة شرق سورية منذ حقبة التنظيمات العثمانية في سبعينيات القرن التاسع عشر. فبحكم موقعها على الطرقات التجارية الحيوية، اضطلعت بدور سياسي بارز، إذ غدت النخبة المحلية من رجال الأعمال والسياسة، في الكثير من الأحيان، جزءاً من النخبة الوطنية في سورية. كذلك، منحت الدولة دير الزور دوراً تعليمياً تربوياً، تجلّى عبر تأسيس جامعة الفرات في العام 2006، والتي تحتضن في كنفها طلّاباً من جميع أنحاء شرق سورية.

حافظ نظام الأسد على وجود عسكري لايُستهان به في دير الزور. إذ تضم هذه المحافظة أكبر قاعدة عسكرية في شرق سورية، ناهيك عن أنها مقر المخابرات الجوية النافذة لمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور. وطوال فترة الصراع الحالي، دافع النظام بشراسة عن القاعدة الجوية العسكرية المجاورة لمدينة دير الزور، حيث تمركز قادة من قوات الحرس الجمهوري النخبة، ماسلّط الضوء أكثر على الأهمية التي يوليها النظام لهذه المنطقة.

حتى في أيامنا هذه، تحصد الجهة التي تنجح في بسط نفوذها على منطقة شرق سورية منافع اقتصادية كبيرة. فهي تقع على الحدود مع العراق، ويمكنها بالتالي الإفادة من التجارة العابرة للحدود، كما أنها تضم احتياطيات كبيرة من النفط، إذ تحتوي على 68 بئراً نفطية من أصل 114 بئراً في أرجاء سورية. قبل الحرب، كانت تُستخدم إيرادات هذه الآبار النفطية للمساهمة في تمويل قوات الحرس الجمهوري المكلَّفة أساساً بحماية النظام، وبالتالي يركّز نطاق عملها بشكلٍ شبه حصري على دمشق. قد تفسّر المكانة التي تحظى بها دير الزور لماذا بادر النظام إلى إرسال وحدات اللواء 104 من قوات الحرس الجمهوري إليها للدفاع عن القاعدة الجوية العسكرية في أولى فصول الصراع السوري، ولماذا حافظ على وجوده فيها حتى بعد أن فلتت الحقول النفطية من قبضته. لقد اتّضحت منافع هذه المقاربة الآن.

ستنتهي الحرب ضد الدولة الإسلامية عاجلاً أم آجلاً، لكنها في غضون ذلك ترسم واقعاً جغرافياً جديداً سيغيّر مكانة دير الزور باعتبارها مركز الشرق السوري. وفي مرحلة مابعد الدولة الإسلامية، لن تبقى دير الزور مرتبطة بكلٍّ من الرقة والحسكة كما كانت تاريخياً، لكنها ستحافظ على ارتباطها بدمشق من خلال طريق تدمر. والسبب هو أن الرقة والحسكة لن تكونا على الأرجح تحت سيطرة النظام، بل جهات أخرى، كحال مناطق دير الزور التي سيطرت عليها "قوات سوريا الديمقراطية". وهذا قد يشكّل تحوّلاً كبيراً في الديناميكيات الاقتصادية والسياسية في شرق سورية، ويقلب النظام الاقتصادي والسياسي في المنطقة رأساً على عقب، ما سيؤدّي إلى مضاعفات جمّة تلقي بظلالها على مستقبل سورية.

تاريخياً، حكم حزب البعث والنظام السوري شرق سورية من خلال شخصيات أمنية وصفقات محلية مع الوجهاء والنخب التابعة للدولة. فكانت دمشق من هذا المنظور حامية دير الزور. واليوم، أعادت الحرب تشكيل هذه المنظومة كليّاً فتمخّضت عن ذلك منظومة جديدة، تشرذمت معها منطقة شرق سورية وباتت ترزح تحت سيطرة مروحة متنوّعة من الجهات الفاعلة المحلية والدولية. ومع استعادة النظام سيطرته على مناطق عدّة في دير الزور، يعمد راهناً إلى إعادة دمج المناطق الخاضعة إلى نفوذه في هذا الإطار الجغرافي الجديد للإفادة من المكانة الاستراتيجية التي تحظى بها دير الزور، بغضّ النظر عن وضعها الاجتماعي والسياسي. فعلى حدّ قول إحدى الشخصيات الموالية للنظام: "نحن نتصالح مع الأرض، وليس مع الشعب".