مخيمر أبو سعدة | محلّل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة

يشكّك كثرٌ داخل فلسطين وخارجها في إمكانية تحقيق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، نظراً إلى الإخفاقات العديدة السابقة، بدءاً من اتفاق مكة في شباط/فبراير 2007 ووصولاً إلى اتفاق مخيم الشاطئ في نيسان/أبريل 2014. وثمة أيضاً عدد من القضايا العالقة بين الطرفين، والتي يمكن أن تزرع ألغاماً على طريق المصالحة الفلسطينية، ومن بينها مستقبل 45 ألف موظف من موظفي حماس في غزة، وهي المسألة التي تسببت بتعثُّر اتفاق مخيم الشاطئ. ومن القضايا الحسّاسة الأخرى هوية الجهة التي ستكون مسؤولة عن حفظ الأمن في غزة، مع وجود عشرات الآلاف من مقاتلي المقاومة المنتمين إلى الجناح العسكري لحماس وفصائل فلسطينية أخرى. أما القضية العالقة الثالثة فتتمثّل في ما إذا كان ينبغي دمج حماس في منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن على الرغم من هذه الشكوك، ازدادت فرص نجاح المصالحة الفلسطينية لأسباب عدة. أولاً، بذلت مصر الكثير من الجهد والوقت لإقناع حماس بحل اللجنة الإدارية التي كانت تعمل كحكومة أمر واقع في غزة، وأبدت استعدادها لإرسال وفد أمني مصري لمراقبة عملية تطبيق بنود التفاهم، ما يُعتبر أساسياً لنجاحه في المستقبل. ثانياً، أجبرت الظروف المعيشية المتدهورة في غزة حماس على المساومة، وبخاصة بعد أن اتّخذ الرئيس محمود عباس إجراءات صارمة بحق حماس، ولم تتمكن قطر، بسبب الأزمة التي تواجهها مع دول خليجية أخرى، من مساعدة الحركة الإسلامية في مجابهة الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة. أخيراً، تمارس الولايات المتحدة أيضاً ضغوطاً من أجل تحقيق المصالحة الفلسطينية، وذلك لتمهيد الطريق أمام إبرام الرئيس دونالد ترامب "صفقة كبرى" بين الفلسطينيين والإسرائيليين.


 

غسان الخطيب | وزير سابق في حكومة السلطة الفلسطينية، ومحاضر في الدراسات العربية المعاصرة والدراسات الدولية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية

قد لا تكون التطوّرات الإيجابية المتمثلة في إعلان حماس عن حل حكومتها في قطاع غزة، ودعوة حكومة السلطة الفلسطينية إلى تولّي مسؤولياتها، كافية لتحقيق المصالحة ووضع حدّ لانقسام النظام السياسي الفلسطيني الدائر منذ أحد عشر عاماً . والسبب الرئيس هو أن حماس لن تُشرك فتح في حكم غزة ما لم توافق هذه الأخيرة أولاً على إشراك حماس في القيادة السياسية للشعب الفلسطيني المتمثلة في منظمة التحرير. بدورها، لن تسمح فتح بإشراك حماس في منظمة التحرير ما لم توافق حماس على برنامج المنظمة السياسي والتزاماتها الأمنية والسياسية.

كذلك، لاتملك حماس حافزاً يدفعها إلى إشراك فتح في حكم غزة، لأن فتح لا تستطيع أن تعاملها بالمثل وتُشركها في حكم الضفة الغربية، ذلك أن إسرائيل التي تحكم الضفة لن تسمح بذلك على الأرجح. لذلك، تُعتبر خطوة حماس الأخيرة نحو المصالحة تكتيكية فحسب، وتهدف بشكل أساسي إلى التخلص من عبء الحكم الذي أدّى إلى تقويض شعبيتها، من دون أن تتخلّى عن دورها المتمثّل في حفظ الأمن والمقاومة. وبالتالي، يبدو أن  حماس تحاول رمي كرة النار إلى حضن الطرف الآخر. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سيقع رئيس الوزراء رامي الحمد الله في هذا الشرك؟


 

هاني البسوس | أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس في عُمان، ومستشار سياسي لعددٍ من المؤسسات الفلسطينية

تبدو حظوظ نجاح الجهود الأخيرة المبذولة لتحقيق لمصالحة بين حماس وفتح وفيرة، إذ إن مصر تمارس الكثير من الضغوط على كلا الطرفين في محاولة لحفظ الأمن على حدودها مع قطاع غزة واستعادة سيطرة فتح على الأراضي. فالنظام المصري عازم على تشجيع الفلسطينيين على استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل. ويتطلّب ذلك وحدة في صفوف الفلسطينيين من حيث عملية صنع القرار وحصر التمثيل بمنظمة التحرير الفلسطينية. ويتناغم الموقف المصري مع رفع الفيتو الأميركي والإسرائيلي السابق عن المصالحة الفلسطينية، كما ذكر كبار مسؤولي حماس وفتح .

وقد أدّى استعداد حماس للتخلّي عن سلطتها في غزة، كما ظهر جلياً في موافقتها على حل لجنتها الإدارية هناك، إلى ازدياد فرص نجاح المصالحة. فقد بات حكم حماس لغزة مكلفاً، في ظل تشدید الحصار، وتوقف الدعم المالي الخارجي، وفرض السلطة الفلسطینیة مؤخراً عقوبات على القطاع. دفع كل ذلك حماس إلى التنازل عن سلطتها، إلا في الشق المتعلق بالأمن الداخلي. مع ذلك، ثمة عقبات تقف في وجه المصالحة وتتمثّل في إصرار حماس على دمج أكثر من 40 ألف موظف من موظفيها في جهازَي الحكومة والأمن في السلطة الفلسطينية، والحاجة إلى معالجة البنية التحتية المدمّرة في غزة. الجدير ذكره هنا أن السلطة الفلسطينية لا تملك لا القدرة المالية ولا الخبرة اللازمة لمعالجة مثل هذا الوضع.


 

محمود جرابعة | باحث في "مركز إيرلانغن للإسلام والقانون في أوروبا"، ومقرّه ألمانيا

إن تحرك حماس لحل اللجنة الإدارية، التي كانت تعمل بمثابة حكومة أمر واقع في قطاع غزة منذ آذار/مارس الماضي، قد يتيح بدء عملية مصالحة مع حركة فتح مجدّداً. لكن المصالحة أصبحت الآن أكثر تعقيداً بعد انقسام سياسي وجغرافي استمر لعشر سنوات. قبل أشهر، اتّخذ الرئيس محمود عباس إجراءات عقابية لإخضاع حركة حماس والسيطرة عليها. صحيحٌ أن تلك التدابير ربما أدت إلى تليين موقف حماس، إلا أنها حوّلت أيضاً التنافس بين الحزبين إلى منافسة جماعية بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. ويعود السبب في ذلك إلى أن خطوات عباس العقابية ضد غزة أدّت إلى تدهور غير مسبوق في القطاع، في وقت تشهد فيه البطالة والأزمات الإنسانية ارتفاعا حادّاً. أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها مؤخراً المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أن شعبية فتح في غزة قد انخفضت إلى 28 في المئة، مقارنةً مع 40 في المئة قبل ثلاثة أشهر.

والجدير بالذكر أن أولئك الذين لايزالون يدعمون فتح هم أقرب إلى محمد دحلان، زعيم فتح المطرود منها وأبرز منافسي عباس. فقد ارتفعت شعبيته في غزة إلى 23 في المئة، خصوصاً بعد التوصل إلى اتفاق مع حماس في تموز/يوليو الماضي، مقارنةً مع 9 في المئة قبل تسعة أشهر. وهذا يعني أن المصالحة أصبحت الآن أكثر تعقيداً، وأن فشل المفاوضات بين الجانبين أكثر احتمالاً، مايعكس نتائج مماثلة في جولات ماضية من المفاوضات بين الجانبين.