زافيرس تزاناتوس | أستاذ ورئيس سابق لقسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت. وكان مستشاراً رفيع المستوى للعديد من المنظمات الدولية والحكومات، من ضمنها الحكومة اللبنانية.

ربما من الأدق الحديث عن "أزمة اقتصادية"، وبالتالي الإجابة عن هذا السؤال هي "نعم"، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة – وإن كانت الأزمة التي يعاني منها لبنان تعادل نصف أزمة اليونان. إذ يُتوقّع أن يبقى النمو الحقيقي للناتج المحلّي هزيلاً، بمعدّل يناهز 2 في المئة سنوياً (أي نصف متوسّط لبنان في مرحلة مابعد الحرب الأهلية وحتى العام 2014). ويترافق ذلك مع وضعٍ مالي هشٍّ للغاية، يتجلّى من خلال نسبة الدين العام المرتفعة إلى إجمالي الناتج المحلّي، والتي من المتوقّع أن تتضخّم أكثر، إضافةً إلى عجزٍ مالي يبلغ 10 في المئة. في غضون ذلك، سجّل تدفّق التحويلات المالية تراجعاً، في حين أن السلع المستوردة إلى ازدياد، وكذلك العجز الكبير أساساً في الحساب الجاري، والذي في الوقت الراهن يبلغ 20 في المئة.

ليست هذه المؤشرات الثلاثة (الدين والعجز المالي وعجز الحساب الجاري) كبيرة بحدّ ذاتها فحسب، بل هي أيضاً من بين الأكبر في العالم. وهذا يجعل حجم المشكلة ضخماً، كما يظهر في برامج التكيّف الهيكلي على الصعيد الدولي، حتى لو تجنّب المرء المخاطر الناشئة عن الاقتصاد المرتبط إلى حدّ كبير بالدولار، وغياب الديناميكية في بيئة أعمال تسيطر عليها الريعية والفساد.

ويمكن أن تتدهور الآفاق بشكل أكبر (وبسرعة) مع تغيُّر اتجاه أسعار النفط، وازدياد معدلات الفائدة العالمية، وارتفاع سعر صرف اليورو. وهذه عوامل كانت حتى الآن مواتية للاقتصاد اللبناني. ولا يمكن للمرء إلا أن يأمل في انحسار حالة عدم الاستقرار الإقليمي والحؤول دون عودة العملية السياسية إلى حالة المراوحة. لكن حتى في ظل أفضل السيناريوهات في هذين المجالين، تبقى التحديات الاقتصادية هائلة .


 

ديفيد باتر | باحث مشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية.

الاقتصاد اللبناني ليس سليماً البتة، لكنه ليس على شفير الإفلاس. لقد وصل الدين العام إلى 148 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي، لكنه بلغ معدّلات أعلى في السابق، وثمة آليات راسخة لإعادة تمويل الديون عند استحقاقها. كذلك، ارتفعت احتياطيات العملات الأجنبية في مصرف لبنان المركزي إلى 42 مليار دولار – وهذا يعود جزئياً إلى استبدال سندات دين بالعملة المحلية بسندات بالعملات الأجنبية (يوروبوندز) – مايكفي لتغطية أكثر من عامَين من الواردات. وقد هبط معدّل النمو الحقيقي للناتج المحلّي الإجمالي منذ العام 2010 إلى أقل من 2 في المئة، ماشكّل دلالة واضحة على حجم تأثير الأزمة السورية.

قد تقلب إعادة إعمار سورية وطفرة النفط والغاز بمحاذاة الساحل اللبناني الأمور رأساً على عقب، لكن هذا يتطلب بعض الوقت، إن كُتب له الحدوث أصلاً. على صعيد آخر، كانت عملية إحياء قطاع السياحة في لبنان إيجابية، لكن يمكن أن تقوّضها أزمات أمنية جديدة. يعتمد ضمان قدرة لبنان على إيفاء الديون على الحفاظ على ثقة الدائنين. ومن المستبعد أن يعجبهم فشل الحكومة في التحكّم بالسياسة المالية. ولابدّ من الإشارة هنا إلى الخلافات السياسية التي أعاقت إبرام الصفقة السياسية الأخيرة التي قضت برفع رواتب القطاع العام لقاء زيادة طفيفة في الضريبة على القيمة المضافة وبعض الضرائب الأخرى؛ كما أن العجز في الموازنة يكاد يبلغ 10 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي.


 

سامي نادر | مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية، وخبير اقتصادي، وأستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف في بيروت.

لايختلف الوضع المالي الراهن في لبنان كثيراً عمّا شهدته اليونان في العام 2009. فلبنان يواجه عجزاً متنامياً في الموازنة يعادل 11 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي، مايُترجَم في بلوغ الدين العام مستويات خطيرة، في ظل ارتفاع معدّلات الفساد وغياب النمو. في الواقع، يشهد لبنان للسنة السادسة على التوالي منذ اندلاع الانتفاضات العربية، ولاسيما الأزمة السورية، ارتفاعاً في الدين العام بوتيرة أسرع بخمس مرّات من نموّه الاقتصادي، والذي يبلغ متوسّطه نسبة 1.2 في المئة.

وقد استطاع مصرف لبنان المركزي حتى الآن استيعاب عبء الدين من خلال لجوئه المتكرّر إلى الهندسة المالية، معتمداً على العملات الأجنبية في المصارف التي تعاني من فائض في أذونات الخزينة. بيد أن هذه السياسة غير مستدامة ولن تعوّض عن غياب التخطيط الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية. وما لم يتمّ إحداث تغييرات جذرية لإعادة احتواء عجز الموازنة، على غرار خصخصة مرفق الكهرباء الوطني، أي مؤسسة كهرباء لبنان المسؤولة عن جزء كبير من العجز، وتعزيز نمو سريع، فسيتّجه الوضع في لبنان حتماً نحو الانهيار.


 

سامي عطالله | خبير اقتصادي والمدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات في بيروت.

نعم، يبدو أن لبنان يسير نحو الإفلاس الاقتصادي. فالعجز المزمن في موازنته، والعجز في ميزانه التجاري يكشفان حاجات البلاد التمويلية. ومع أن لبنان نجح لسنوات كثيرة في اجتذاب رؤوس الأموال الخارجية لسدّ هذا النقص من خلال معدّلات الفائدة السخيّة للغاية المقدّمة إلى المصارف المحليّة، يبدو أن هذه الممارسة على وشك الانتهاء. وبسبب تراجع ريع النفط في دول الخليج، الذي أسفر عن انخفاض التحويلات المالية، وزعزعة الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الحرب في سورية، وعدم استعداد الحكومات الخليجية للهبوب إلى نجدة لبنان، لجأ مصرف لبنان إلى الهندسة المالية لضخّ رؤوس الأموال في النظام المصرفي من أجل تمويل الاستهلاك.

مع ذلك، لايبدو أن النخبة السياسية مستعدّة للقيام بخطوات فعلية لإصلاح النظام الذي يخدم مصالحها عبر الإنفاق المفرط والتمويل بالدين. بل سيلجأ السياسيون إلى حيل أخرى لكسب الوقت، وسيحاولون تحقيق المنفعة من أزمة اللاجئين السوريين من خلال عقد مؤتمر دولي آخر لجمع الأموال، لأن أي انهيار اقتصادي قد يكبّد أوروبا عواقب جيوسياسية. وفيما قد يثني البعض عندئذ على قدرة النظام الاقتصادي على الصمود، سيظلّ هشّاً وعاجزاً بشكلٍ كبير عن خلق فرص العمل وتعزيز إنتاجية القطاع الخاص.

وفي حين قد يتجنّب لبنان الانهيار نتيجة هذه التدابير المؤقتة، ثمة أمر واحد مؤكّد: إن صنّاع السياسة في البلاد مفلسون أخلاقياً وفكرياً عندما يتعلق الأمر ببناء نظام اقتصادي يحقّق نمواً منصفاً لمواطنيه.