سيطرح قرار الإدارة الأميركية المُرتقب حول المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران خياراً استراتيجياً حول كيفية استخدام العقوبات للضغط على طهران. وقد تكشف مفاعيل ذلك اللثام عن تناقض راسخ في طريقة تصميم هذه العقوبات.

بحلول 15 تشرين الأول/أكتوبر، يتعين على الإدارة الأميركية المصادقة للكونغرس على ما إذا كانت إيران ملتزمة بالكامل بالاتفاق، وما إذا كان تجميد العقوبات الذي ينص عليه الاتفاق متناسباً مع الخطوات التي اتّخذتها إيران، وأساسياً لضمان مصالح الأمن القومي الأميركي. تشي تصريحات صادرة عن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى بأن الإدارة قد ترفض المصادقة على الاتفاق، ماقد يفسح المجال أمام النظر في وضع آلية سريعة لسنّ تشريع يرمي إلى إعادة فرض العقوبات المرتبطة بالأنشطة النووية والتي تم تجميدها بموجب الاتفاق – مايرمي فعلياً الكرة في ملعب الكونغرس.

سيكون على الكونغرس عندئذ اعتماد خيار استراتيجي. ويتمثّل الاحتمال الأول في إمكانية استخدام الآلية التشريعية السريعة لإعادة فرض بعض أو كل العقوبات التي تمّ تجميدها. وسيكون الهدف الاستراتيجي لمثل هذه الإجراءات ــ ولاسيما فرض عقوبات ثانوية على الجهات التي تربطها علاقة تجارية مع القطاع المالي الإيراني وقطاعَي الطاقة وصناعة السيارات، وعلى عمليات شراء النفط الإيراني ــ هو دفع إيران إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي عبر توجيه ضربات موجعة إلى اقتصادها. لقد نجحت هذه العقوبات في السابق لأن الشركات والدول الأخرى التزمت بها عموماً، خوفاً من فقدان إمكانية النفاذ إلى النظام المالي الأميركي، وأيضاً لاقتناعها بأن البرنامج النووي الإيراني يطرح تهديداً حقيقياً، وأن طهران نبذت كل الجهود الصادقة الرامية إلى التفاوض.

لكن، في حال أُعيد فرض مثل هذه العقوبات الآن، في ظل غياب أدلّة موثوقة على أن إيران قد انتهكت الاتفاق على نحو سافر، سيحاول العديد من الدول والشركات غير الأميركية عرقلة هذه الإجراءات، أو التملّص منها، أو تقويضها. وواقع الحال أن الاتحاد الأوروبي بدأ يلوّح باستعداده لمنع شركاته من الامتثال للعقوبات الأميركية الثانوية التي يعتبرها غير شرعية، تماماً كما فعل في الماضي. ومن البديهي أن هذه الخطوة ستدق المسمار الأخير في نعش الاتفاق النووي ومعه جهود التعاون الأوروبي-الأميركي للتصدّي إلى البرنامج النووي الإيراني.

أما الخيار الثاني فهو أن يقرّ الكونغرس عقوبات ثانوية جديدة تستهدف اختبارات الصواريخ البالستية الإيرانية، فتعيق بالتالي أنشطة وكلاء إيران في المنطقة، وتحدّ من دعم الإرهاب، إلخ. إذاً، يتمثّل الهدف الاستراتيجي لمثل هذه العقوبات الموجّهة في إضعاف الجهات التي تمارس هكذا أنشطة. ففرض عقوبات على كلٍّ من الأشخاص المنخرطين في أنشطة كهذه، والشركات التي تتعامل معهم، يجعلهم منبوذين من النظام المالي العالمي – أي يحدّ من قدرتهم على جني الأموال، ونقل الأصول، وممارسة أنشطة أخرى مماثلة.

هذا هو المسار الذي سلكه الكونغرس في وقت سابق من هذا العام في إطار قانون مواجهة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار. وتشكو الجمهورية الإسلامية من أن هذه العقوبات تنتهك الاتفاق النووي، لكن من الواضح أن هذه المزاعم غير صحيحة. فكما أن الاتفاق النووي لم يُرغم إيران على الحدّ من أنشطتها غير النووية، كذلك لم يُلزم الولايات المتحدة بالامتناع عن فرض عقوبات عليها. وستواجه هذه العقوبات الموجّهة الجديدة أيضاً تحديات تتمثّل في مدى استعداد الدول للالتزام بها. لكن بما أنها ستكون أضيق نطاقاً وغير مرتبطة بالأنشطة النووية، قد يكون من الأسهل إقناع الأوروبيين وغيرهم بتبنّيها، خاصة إذا كان البديل إلغاء الاتفاق النووي.

بيد أن التحدي الأكثر صعوباً يتمثّل في تجريد القوة الاقتصادية من أصعب أهدافها. إذ تزاول منظمات مثل حزب الله والحرس الثوري الإسلامي الإيراني أعمالاً واسعة النطاق في قطاعات مشروعة من الاقتصاديْن الإيراني واللبناني، إلى جانب أنشطتهما الخطيرة الأخرى. وفي مثل هذه الحالات، ينبغي أن تحفّز العقوبات الشركات الدولية التي تفكّر في إمكانية مزاولة الأعمال في هذه القطاعات على إجراء دراسة تقصّي دقيقة نافية للجهالة لتجنّب أي تعاملات مع جهات خاضعة إلى العقوبات، لكن ذلك لن يكون كافياً.

علاوةً على ذلك، ينبغي أن تتيح هذه العقوبات للشركات الدولية أن تتعامل تجارياً مع شركات إيرانية تتحلّى بالمسؤولية ولاتكون خاضعة إلى العقوبات، إذ إن الفرص الإضافية للانخراط في الأعمال التجارية والاستثمارات والشراكات الأجنبية المنتجة ستعزّز هذه الشركات الإيرانية النظيفة مقارنةً مع منافسيها التي تستهدفها العقوبات. وبالتالي فإن اعتماد هذه الاستراتيجية فعلياً يعني على سبيل المثال وضع حدّ للحظر المفروض على المعاملات التي تُجرى عبر طرف ثالث (U-turn) والتي تمنع عملياً الشركات من عقد صفقات مع إيران بالدولار الأميركي، ورفع الحصار الأولي الذي يمنع الشركات والأفراد الأميركيين من التعامل مع الجمهورية الإسلامية. وبالإضافة إلى تشجيع رجال الأعمال الإيرانيين الذين يفضّلون التعامل مع شركاء دوليين بدلاً من الحرس الثوري، سيكون لرفع الحظر فائدة إضافية تتمثّل في السماح للشركات الأميركية بالبحث عن فرص لها في إيران بنفس شروط نظرائها الأوروبيين والآسيويين.

إلا أن هذا المسار لن يكون سهلاً. فأولئك الذين يرون العقوبات على أنها عصا لضرب الاقتصاد الإيراني بدلاً من مبضع لاستئصال الأورام، سيقفون في وجه الجهود الرامية إلى رفع أي نوع من العقوبات. ولمنع الشركات الخاضعة إلى العقوبات من الاستفادة من الأعمال التجارية الجديدة، لابدّ من العمل على تعميم العقوبات الثانوية المفروضة على التعامل مع أهداف إيرانية محدّدة، وتحديثها باستمرار، وتطبيقها بدقة.

ويكتسي الحفاظ على العقوبات أهمية خاصة لأنه يصعب في العديد من القطاعات حلّ ملكية الشركات والتحكّم بالهيكليات والعلاقات المالية، ولاسيما أنها قد تتغير بسرعة. والواقع أن مخاطر تطبيق العقوبات قد تكون مرتفعة جدّاً بحيث قد تتردّد الشركات الغربية في الانخراط في القطاعات المشوبة من الاقتصاد الإيراني، حتى لو تمّ رفع الحظر عن المعاملات التي تُجرى عبر طرف ثالث (U-turn) والحصار الأولي.

ومن الممكن أيضاً إقامة شراكات دولية منتجة قد تحفّز رواد الأعمال الإيرانيين على تأسيس شركات مسؤولة وشفافة. ومع مرور الوقت، قد یضع ذلك ضغوطاً حقیقية علی مصادر الإيرادات الرئیسة للأطراف المستهدفة في إیران، الأمر الذي لايقلّص فقط الموارد المتاحة لتمویل أنشطتها، بل أيضاً يحدّ من نفوذها السیاسي المحلّي.

* تعبّر وجهات النظر الواردة في هذا المقال عن آراء كاتبها (وهو راهناً في إجازة من عمله في وزارة الخارجية)، ولاتعكس بالضرورة موقف الولايات المتحدة أو وزارة الخارجية الأميركية.