من أكثر الأمور التي تثير حنق القادة أن يُلقي عليهم رئيس دولة أجنبية محاضرة حول مايعتبره الأفضل لمصلحتهم.

نستذكر في هذا الصدد النصيحة غير المرغوب بها التي قدّمها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في تشرين الأول/أكتوبر 2015 إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان قد أصدر أوامره بشن حملة ضد المتمردين السوريين المعارضين للرئيس السوري بشار الأسد. فقد قال أوباما في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: "إن محاولة روسيا وإيران تدعيم الأسد وتهدئة السكان سوف تودي بهما إلى التورّط في مستنقع، ولن يكون مصيرها النجاح".

بعد عامَين، بإمكان روسيا وإيران أن تنفرج أساريرهما لأن تدخّلهما تكلّل بالنجاح، ولأنهما، وحتى إشعار آخر، لاتتخبّطان في مستنقع. من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن أوباما تعهّد بعدم التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط، ينتشر، كما أُفيد، نحو أربعة إلى ستة آلاف جندي أميركي في سورية والعراق لمحاربة الدولة الإسلامية، وهو عددٌ مرشّح للارتفاع في السنوات المقبلة، انطلاقاً من التركيز الجديد على احتواء إيران.

من المناسب القول بأن تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط كان من نتائج الاجتياح الأميركي في العراق في العام 2003. ذلك التدخّل وضع حداً للانحياز الأميركي، طوال عقود، للأمر الواقع في المنطقة، غير أن قرار الرئيس جورج دبليو بوش البقاء في العراق حمل في طيّاته، حتى في نظر العرب الأشد انتقاداً له، مؤشراً بأن الولايات المتحدة لاتنوي الانكفاء في المنطقة، على الرغم من انتكاساتها الأولى الخطيرة. وكان ذلك مصدر اطمئنان للأنظمة العربية.

أما أوباما فكان أمراً آخر تماما. لقد كان مقتنعاً بشدّة بأن الشرق الأوسط استنفد الكثير من وقت بلاده منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، فكان إعلانه الكبير بأنه سيحوّل أنظاره عن المنطقة، ويتّجه للاستدارة إلى آسيا. بدا وكأن لسان حاله يقول، لو أن كل منطقة تدرك وضعيتها في جدول المواعيد الأميركي، لكنّا جميعنا على أفضل حال. غير أن العالم العربي لم يكن مدركاً لهذه الوضعية، وفي العام 2011 شهدت المنطقة اضطرابات حملت بذور الثورة، ولم يتفاعل معها أوباما مطلقاً بأسلوب مبتكر، لأنه كان شديد الاقتناع بأنها عبءٌ على تركيزه.

في أعقاب ذلك، بدأت الولايات المتحدة تشهد شيئاً فشيئاً تآكل تحالفاتها الإقليمية الأساسية. فهي تخلّت عن الرئيس حسني مبارك لمصلحة المعارضة الديمقراطية لحكمه، في خطوةٍ أغضبت الكثيرين من حلفائها الإقليميين. ورفض أوباما اتخاذ أي إجراءات في سورية، حتى بعد الهجوم الكيميائي في الغوطة في آب/أغسطس 2013، ماأثار استياء السعودية، إنما أيضاً تركيا، ونتيجةً لذلك، أشاحت الدولتان بأنظارهما بعيداً عن الولايات المتحدة مع ظهور مزيد من المجموعات المتشدّدة لمحاربة الأسد.

بعبارة أخرى، تعلّم أوباما، من رصيده الخاص، أنه يمكن أن تتسبّب الولايات المتحدة بضرر واسع بمجرد وقوفها مكتوفة اليدَين. وتفاقم ذلك لاحقاً من خلال تلهّف الإدارة الأميركية لإبرام اتفاق نووي مع إيران ، ما ادى إلى رسمَ وتحديد معالم نظرتها إلى الملف السوري، وبرّر ضمناً تسليم حصّة من سورية إلى إيران. فالرئيس أوباما هو  مَن صرّح لجيفري غولدبرغ من مجلة "ذي أتلانتيك"، عن حاجة السعودية وإيران إلى "تشارُك الجوار". يُعتقَد أن أوباما قصدَ أنه في ظل هذا الترتيب، تحتفظ إيران بسطوتها على سورية، ماجعل كلامه السابق عن "مستنقع" روسي وإيراني في ذلك البلد أشد إرباكاً وتشوّشاً.

لقد أظهرت موسكو وطهران، لسوء حظ الشعب السوري، إدراكاً أفضل بكثير لجوهر النفوذ بالمقارنة مع باراك أوباما، "الواقعي" المزعوم، ووعياً أوضح بكثير لمسارٍ معقول نحو الحسم في سورية، بالمقارنة مع واشنطن. اليوم، يؤيّد الروس، كما أُفيد، هيكلية فيدرالية في سورية، مشابهة للاتحاد الروسي، ويُقال إنهم ناقشوا هذا الأمر مؤخراً في اجتماعٍ عُقِد في موسكو مع سيفان هيمو، رئيس وحدات حماية الشعب الكردية. يُبدي النظام السوري معارضته للفيدرالية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعارضة السورية، بيد أن روسيا تدرك أنه مع سيطرة الأكراد السوريين على ثلث الأراضي السورية، بحسب التقديرات، قد تكون هذه النتيجة، أو أقلّه مناقشتها، أمراً محتوماً.

يسلّط ماتقدّم الضوء على أن الروس دخلوا سورية مع إدراك أساسي بأنه يجب استخدام جيشهم لفرض حل سياسي يعود بالفائدة على موسكو ويحافظ على حليفهم السوري. قد ينجح هذا الحل أو لاينجح، لكن في الوقت الراهن، أرسى الروس آلية في الأستانة قد تساهم في تسهيله، عبر الجمع بين اثنَين من الأفرقاء الإقليميين الأساسيين، تركيا وإيران، اللتين تطالهما تداعيات مايجري في البلاد. لقد أحرزت روسيا، بغض النظر عن وقاحتها، تقدّماً حقيقياً. أما الولايات المتحدة فتجنّبت، بدورها، السعي جدّياً لتحقيق أي نتيجة سياسية تذهب أبعد من هدفها في محاربة الدولة الإسلامية. قصر النظر الأميركي الصاعق – لأن السياسة ستحدّد إذا كانت ستظهر من جديد في المستقبل تنظيمات مشابهة للدولة الإسلامية – مرتبط بأوباما بقدر ارتباطه بإدارة دونالد ترامب. في تموز/يوليو الماضي، تحدّثت تقارير عن أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قال لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إن مصير الأسد "هو الآن في يدَي روسيا". بعبارة أخرى، ليست للأميركيين استراتيجية سياسية خاصة بهم في سورية، أبعد من دعم إطار جنيف الذي تقوده الأمم المتحدة، والذي دفعهم فشله الفعلي إلى التحوّل نحو الروس.

لقد أتاح وضوح الهدف لروسيا تحقيق مكاسب في المنطقة، في حين أن المقاربة الأميركية الملتبسة والضيّقة أفضت إلى تدهور العلاقات مع تركيا، وإلى اضطراب العلاقات الأميركية-السعودية. حتى أعداء الأسد استشفّوا إيجابيات في التعامل مع روسيا، وفق ما أظهرته الزيارة التي قام بها العاهل السعودي الملك سلمان إلى موسكو مؤخراً، مع العلم بأن سورية كانت مجرد بندٍ واحد في جدول أعمال أوسع يتضمن العديد من المسائل المطروحة على النقاش. يُنظَر إلى روسيا، على الرغم من دعمها لنظام الأسد وإقدامها على قتل أعداد كبيرة من المدنيين، بأنها تعرف ماتريد، وهذه ميزةٌ يمكن أن تحظى حتى بالتقدير من أعدائها.

إذن، بعد عامَين من التحذير الذي وجّهه أوباما بكل ثقة إلى روسيا من مغبّة دخولها الرمال المتحرّكة السورية، استخدمت موسكو نجاحاتها في سورية لتحقيق المكاسب الأكبر من عودتها إلى الشرق الأوسط. هذا ليس مبهجاً على الإطلاق لأعداء الأسد، لكن أوباما لم يكترث قط لهم. بل إن الرئيس السابق أدرك مخاطر الغطرسة عندما كان أداؤه يبرّر التواضع وحسب.