الأحداث تتلاهث بسرعة تخطف الأنفاس في كردستان العراق. ففي 25 أيلول/سبتمبر، أظهر الاستفتاء الذي أجرته حكومة إقليم كردستان في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، بما في ذلك مدينة كركوك المُتنازع عليها، أن غالبية كاسحة من الأكراد يؤيدون الاستقلال. بيد أن السيطرة الخاطفة للقوات الحكومية العراقية على كركوك والحقول النفطية الكبيرة قربها بعد ثلاثة أسابيع فقط من الاستفتاء، تشي بأن ثمن الاستقلال سيكون باهظاً للغاية، هذا إذا كان ثمة استقلال حقا.

يشكّل هذا التطور انقلاباً تامّاً في مجريات الأمور. فقبل حفنة سنوات، بدا أن حكومة إقليم كردستان واقتصادها يسجّلان أداءً معقولاً (هذا بالطبع بالمقارنة مع أداء الحكومة المركزية في بغداد وبقية أنحاء العراق)، وكذا الأمر بالنسبة إلى نظامها السياسي، حيث كانت تُعقد انتخابات بشكل دوري ويتوافر تمثيل متعدّد الأحزاب في البرلمان والسلطة التنفيذية. وحتى حين تدهورت أسعار النفط في العام 2014، والتي كشفت عن الضعف البنيوي الاقتصادي للإقليم وقذفت بماليته العامة إلى أشداق أزمة كبرى، جاء ضم حكومة الإقليم لكركوك كأمر واقع، ردّاً على التهديد الذي فرضه تنظيم الدولة الإسلامية، ليُعزّز الاعتقاد بأن الاستقلال بات قاب قوسين أو أدنى أكثر من أي وقت مضى.

ويُعتقد أن رئيس الإقليم مسعود بارزاني وقّت الاندفاعة نحو الاستقلال قبل أن تُلحَق الهزيمة بالدولة الإسلامية، ما سيجعل مساهمات القوات الكردية بعدها غير ضرورية وسيقلّص نفوذ حكومة الإقليم لدى الولايات المتحدة وبقية أعضاء التحالف الدولي. في هذا السياق، تبدو قفزة بارزاني للإمساك بتلابيب هذه الفرصة قبل أن تتبدّد، أمراً منطقيا. بيد أن التوقيت كان في الواقع سيئاً للغاية. لماذا؟ لأن الظروف الجيوسياسية كانت قاتمة، إن لم تكن نابذة بشكل فاقع، لهذه الخطوة، خاصة مع تصاعد حمى التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتفاقم النزاعات داخل مجلس التعاون الخليجي، وتزايد شكيمة واندفاعة السياسة الخارجية التركية، وتواصل الصراعات السياسية الحادّة في بغداد. وفي الداخل، كانت السياسات الكردية في أسوأ حال منذ انفجار النزاع المسلّح في أواسط التسعينيات بين الفصائل الكردية، ما أوقد مجدداً من تحت الرماد مخاطر التفتت المناطقي والاقتتال بين الإخوة.

بالطبع، رغبة الأكراد في تقرير المصير القومي وإقامة دولة هو حق مطلق. لكن هذا شيء، وإجراء الاستفتاء على رغم المعارضة الدولية، ناهيك عن الرفض التام للحكومة العراقية وعن غرق البيت الكردي في الفوضى، شيء آخر مختلف تماما. وهنا، يدان بارزاني بسوء الحسابات، الأمر الذي سيشكّل انتكاسة ستدوم سنوات لنضال الأكراد من أجل الاستقلال.

المثال الفلسطيني

ثمة سابقة مُقلقة لمثل هذا التحوّل الجذري في الحظوظ السياسية. فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة وصلت هي الأخرى إلى مستوى من الاستعداد المؤسسي اعتبر كافياً من قبل الجهات الدولية للتحرُّك نحو إقامة دولة ذات سيادة قبل نهاية العام 2000. بيد أن اندلاع لهيب الانتفاضة الثانية أحبط هذا المسعى. وسواء كان رئيس السلطة ياسر عرفات هو الذي أشعل عن قصد فتيل موجة العنف، كما يشتبه الإسرائيليون، أو أنه انتهز الفرصة لركوب هذه الموجة بهدف تحسين موقعه التفاوضي وتعزيز شرعيته المحلية الواهنة، كما يجادل آخرون، فإن فرصة الانتفاضة هذه لم تكن في الواقع فرصة. إذ أن الإسرائيليين حينها انحازوا إلى اليمين، وانتخبوا الصقر أرئيل شارون رئيساً للحكومة في شباط/فبراير 2001. وفي السنوات التي تلت ذلك، أشرف شارون على إعادة فرض الاحتلال العسكري على معظم الضفة الغربية، وهمّش على نحو منهجي السلطة الفلسطينية وظيفياً وماليا.

ثم جاءت تحولات جيوسياسية كبرى لتدعم هذه النقلة: فقد ساعدت هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية إسرائيل على تمكين تحالفها أكثر مع الولايات المتحدة في "الحرب العالمية ضد الإرهاب"؛ وهي الحرب التي أطلقت في خضمّها حركة حماس الإسلامية موجة هجمات انتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين. ثم أن الغزو الأميركي للعراق فاقم المخاوف العربية من الهيمنة الإيرانية ومما يُفترض أنه "هلال شيعي"، ما قذف المسألة الفلسطينية بعيداً عن شاشة رادار الاهتمامات الإقليمية. صحيح أن عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية استمرت، لكنها كانت احتفالية أكثر منها بحثاً في المضمون، وتعرّضت خلالها الدبلوماسية الفلسطينية إلى الشلل منذ ذلك الحين. هذا فيما كانت السلطة الفلسطينية تتشظى في العام 2007 إلى إداراتين متنافستين تحكمان الضفة الغربية وغزة، الأمر الذي قوّض أكثر آفاق وفرص ولادة الدولة.

بيد أن أفدح الأضرار كمنت في تآكل الالتزام الدولي بإقامة دولة فلسطينية. ففي العام 1999، أعلن الاتحاد الأوروبي أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك خيار الدولة، هو أمر جازم ومطلق و"غير خاضع لا إلى أي فيتو" و"لاهو مشروط بالتوصّل إلى تسوية متفاوض عليها" مع إسرائيل. كما أيّد جورج دبليو بوش قيام دولة فلسطينية بعدها بسنتين، فكان بذلك أول رئيس أميركي يفعل ذلك، ثم أتبع ذلك برعاية قرار في مجلس الأمن بجعل هذه الخطوة هدفاً للأمم المتحدة في آذار/مارس 2002.

لكن في نيسان/أبريل 2003 تراجعت اللجنة الرباعية الدولية حول الشرق الأوسط، وجعلت الدولة مشروطة بتحقيق أهداف وُضعت في "خريطة طريق السلام". وقد انضّم إلى الولايات المتحدة في هذا التوجّه كلٌ من الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا، التي سبق أن دعمت قيام دولة فلسطينية بلا قيد أو شرط. وهكذا تُرك العنان لإسرائيل كي تُحدد ما إذا كانت السلطة الفلسطينية تفي أم لا بالتزاماتها الأمنية، ما منحها عملياً حق النقض (الفيتو) على الاستقلال الفلسطيني، حتى وهي تقوم بمواصلة استعمار الأراضي المحتلة وتنزع بذلك محادثات السلام أهميتها.

بيت كردي مُنقسم

تختلف القضية الكردية عن القضية الفلسطينية من نواحٍ عدة، ليس أقلها أن حكومة إقليم كردستان هي شريك ضروري للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأنها لم تمتشق السلاح ضد الحكومة العراقية التي يُشترط موافقتها على أي انتقال سلمي إلى الاستقلال. بيد أن كلاً من الأكراد والفلسطينيين اكتشفوا مدى هشاشة الدعم الدولي لقضية الدولة المستقلة، حين أساؤوا تقدير مسألة التوقيت ووسائل اختباره.

والحال أنه لم يكن على بارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني أن يؤخذا على حين غرة بسبب المعارضة الدولية للاستفتاء، ولا باتساع الهامش لدى جيران حكومة الإقليم لاتخاذ الإجراءات المضادة. فالقرار بالمضي قدماً على رغم كل ذلك، تسبّب في دفع حكومة الإقليم إلى تجاوز مفترق الطرق قبل أن تقوم بما في وسعهما القيام به، أي إعادة ترتيب البيت الكردي أولا.

التحدي هنا كان سياساً كما هو بنيوي. فالمنحى الذي تطوّرت بموجبه حكومة إقليم كردستان بعد العام 2003، أعاد إنتاج الاعتماد الإشكالي على عائدات النفط لبناء الزبائنية السياسية والدعم الاجتماعي. وهذا أسفر عن تضخّم بالتوظيف في القطاع العام، وتضاؤل التمويل للبنى التحتية والاستثمارات العامة، وانتشار المحسوبيات الاقتصادية داخل الحكومة والنخب الحزبية. وبدلاً من رتق الفجوات والانقسامات الحزبية والمناطقية داخل كردستان العراق، أدى هذا النظام الريعي إلى تجذير وترسيخ القسمة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الاتحاد الوطني الكردستاني. كما أنه مكّن بارزاني من تنحية البرلمان جانباً ومن الاحتفاظ بالرئاسة من دون موافقة الأحزاب الرئيسة منذ آب/أغسطس 2015.

كان يمكن تبنّي استراتيجية حصيفة تقضي بأن يسعى بارزاني ومعه الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تحقيق المصالحة مع الاتحاد الوطني الكردستاني وسائر الأحزاب الرئيسة الأخرى مثل حركة التغيير (گۆڕان) والاتحاد الإسلامي الكردستاني، قبل الدعوة إلى الاستفتاء حول الاستقلال بفترة طويلة. لكن واقع أنهما لم يسعيا إلى المصالحة، يسبغ مصداقية على الحجة القائلة بأن بارزاني طرح الاستفتاء على الطاولة أساساً لتحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب خصومه. ومايعزّز هذا الاعتقاد هي العيوب الجسيمة التي شابت عملية تنظيم الاستفتاء وتنفيذه.

حرم بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، عبر انتهاج هذا المسار، نفسيهما من فرصة تشكيل جبهة داخلية موحّدة قادرة على الصمود في وجه الضغوط الاقتصادية والمالية الخارجية التي كانت ستواجهها حتماً حكومة إقليم كردستان. وحتى قبل الأزمة الأخيرة، كانت حكومة إقليم كردستان، التي توظّف 50 في المئة من اليد العاملة في الإقليم، تعتمد على التحويلات التي تتلقّاها من بغداد لتمويل 85 في المئة من موازنتها، وفق الخبير الاقتصادي العراقي وليد خدّوري. ومع اندلاع الأزمة، كانت ديون حكومة إقليم كردستان قد وصلت إلى 20 مليار دولار، ولم تكن قادرة على مدى العامين الماضيين سوى على دفع رواتب جزئية للبيشمركة وموظفي الخدمة المدنية. ومع استعادة الحكومة المركزية سيطرتها على حقول النفط في كركوك، التي كانت تؤمّن نصف العائدات المحلية لحكومة إقليم كردستان، وفي ظل توعّد تركيا بإغلاق حدودها أمام الصادرات النفطية الكردية، ستكون حكومة إقليم كردستان أحْوَج من أي وقت مضى للحفاظ على التماسك السياسي في جبهتها الداخلية.

في ضوء ذلك، لايمكن الإطلالة على إعلان بارزاني عن إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في 1 تشرين الثاني/نوفمبر بأنه يقدّم إلى سائر الأحزاب الكردية غصن زيتون ذا صدقية. فواقع أنه والحزب الديمقراطي الكردستاني أنحيا باللائمة على الاتحاد الوطني الكردستاني لسقوط كركوك في قبضة القوات الموالية للحكومة المركزية العراقية من دون إراقة دماء (تقريباً)، لن يؤدّي سوى إلى تعميق هوة فقدان الثقة المتبادلة بين الفريقين. الانتخابات لن تُجرى حتماً، لكن المُقلق أكثر هو أن محاولة التملّص من مسؤولية الأحداث تمهّد الطريق عملياً أمام تكريس وتصليب الحدود غير الرسمية الفاصلة بين المناطق الخاضعة لكلٍّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، كما أنها ستشرّع الأبواب والنوافذ أمام المزيد من التدخّل العسكري في المناطق الكردية. ولن يخرج الحزب الديمقراطي الكردستاني من هذه المعمعة سالماً، لأنه يعاني من تشرذم صفوفه على نحو مطّرد، حسبما أشارت مجموعة الأزمات الدولية مؤخّراً.

مسارٌ مُختلف لكردستان؟

بعد ساعات من إحكام القوات الحكومية قبضتها على كركوك، دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الأفرقاء إلى إقامة "شراكة وطنية" مع حكومة إقليم كردستان استناداً إلى روحية دستور العام 2005. ومجرّد قبول حكومة الإقليم بهذه الشراكة يُعدّ إقراراً فعلياً بالهزيمة، على الأقل مقارنةً مع فيض الآمال المبالغ فيها التي ولّدها الاستفتاء.

على نحو مماثل، ينفر الأكراد - وهذا مفهوم – من الاعتماد مجدّداً على الرهان بأن تؤدي السياسات الداخلية للحكومة العراقية في نهاية المطاف إلى تطبيق أحكام الدستور بحسن نية في مايتعلق بإيجاد حلّ لوضع كركوك. فكل الاقتراحات تقريباً التي تم تقديمها إما نصّت على إدارة مشتركة لكركوك ونفطها مع بغداد، أو على عملية ترسيم للأراضي لم تلبّ بتاتاً تطلّعات بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني والعديد من الأكراد. كذلك، من غير المؤكّد البتة، حتى لو حُلّ النزاع حول كركوك، أن حكومة إقليم كردستان ستكون قادرة على إقامة دولة ذات سيادة، سواء كانت مستقلة بالكامل أو ضمن كونفدرالية عراقية.

لقد قاد بارزاني حكومة إقليم كردستان باستفتائه إلى مفترق طرق، واختار مساره. لذا، ومع أن مناورته قد تؤدّي أخيراً إلى تدشين مفاوضات فعلية في نهاية المطاف، إلا أن أكلاف ذرائعيته السياسية النفعية ستكون باهظة.