كمال شوماني | زميل غير مقيم في مركز التحرير لسياسات الشرق الأوسط

أجل. سقط مسعود بارزاني ضحية تقديراته المخطئة حيال مدى قوة موقعه، حين فشل هو ومستشاروه في فهم الحقائق الإقليمية والدولية. إذ هو بالغ في مدى أهميته بسبب الزيارات المنتظمة التي قام بها قادة العالم خلال النزاع مع تنظيم الدولة الإسلامية. علاوة على ذلك، لم يمتلك مستشاروه أبدا الجرأة الكافية لجعله يفهم الكوارث التي تحيق به. لا بل هم حثّوه، بدلاً من ذلك، على إجراء الاستفتاء لحصد مكاسب شخصية له. وبدورهم، كان المستشارون الدوليون، يضغطون لإجراء الاستفتاء، لأنهم اعتقدوا أنه سيدر الأرباح على أعمالهم في كردستان العراق.

ثم أن بارزاني فشل في الاستشراف الدقيق لمدى الإنقسامات الكردية، أو لإدراك أن التنافس الذي يعود إلى أربعة عقود مع حزب الاتحاد الوطني لكردستان، يعني أن هذا الأخير لن يدعم الاستفتاء من ألفه إلى الياء. وربما هو ظنّ أيضاً أن معارضة حركة غوران والجماعة الإسلامية الكردستانية للاستفتاء لن تسفر سوى عن تهميشهما، كما أخطأ حين افترض أن قتال الأكراد للدولة الإسلامية سيترجم نفسه دعماً أميركياً له، ولم يعِ أن السياسة الأميركية في العراق لاتستطيع التآلف مع خطوة قد تسفر عن إنفراط عقد هذا البلد. والواقع أن الأميركيين وأطراف أخرى عديدة أطلّت على الاستفتاء بوصفه قضية محلية.

أساء بارزاني كذلك تقدير مدى قوة وحدات الجيش العراقي والحشد الشعبي، والدعم الإقليمي والدولي التي تحظى. إذ عنى التسليح والتدريب الأميركيين، وكذلك المساندة الإيرانية، أن هذه القوات تفوق البيشماركة عدة وعددا. بوجيز العبارة، كان هذا الاستفتاء قراراً مخطئاً اتخذه رئيس غير شرعي متعطّش للسلطة، وهو سيؤدي إلى انهمار الكوارث على رؤوس الجميع.


 

دنيس ناتالي | مديرة في مركز الأبحاث الاستراتيجية في مؤسسة الدراسات الوطنية الاستراتيجية في جامعة الدفاع الوطني، حيث تعمل أيضاً كزميلة أبحاث مُميّزة

كان الاستفتاء الكردي العراقي حول الاستقلال حصيلة سوء حسابات استراتيجية. إذ هو بدلاً من صقل وتلميع أوراق الاعتماد القومية لمسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان، وبدلاً من تعزيز نفوذ حكومة الإقليم لدى بغداد، أسفر عن عكس كل ذلك. فقد خسرت حكومة الإقليم السيطرة على بقعة أراضٍ شاسعة، بما فيها كركوك وحقول نفطها، وأجّجت الخلافات بينها وبين بغداد والدول الإقليمية، وزادت نفوذ إيران وميليشياتها، وسدّدت ضربات جديدة للاقتصاد الكردي الهش أصلا. وحين نتذكّر أن الإقليم يعتمد على نفط كركوك في توفير نحو نصف عائداته، سندرك أن خسارة هذه الأراضي ستفاقم ديون الإقليم، وتثضعف قدرته على دفع المستحقات لشركات النفط الدولية ولتجار البترول. علاوة على ذلك، بددت حكومة إقليم كردستان رصيد حسن النوايا الدولية إزاءها، وتجاهل بارزاني العديد من التحذيرات التي أطلقتها الولايات المتحدة، وشركاء التحالف، والحكومة العراقية، والدول الإقليمية، من مضاعفات إجراء الاستفتاء، خاصة في المناطق المتنازع عليها.

نتيجة لكل لذلك، سيكون على حكومة الإقليم الآن التفاوض مع بغداد من موقع قوة متناهي الضعف. وفي حين أن بعض القادة الأكراد اعترفوا علناً أن الاستفتاء هو "خطأ جسيم" وهم يدعون الآن إلى التفاوض مع بغداد، إلا أن بعض الاجنحة في حزب الديمقراطي الكردستاني الذي يترأسه بارزاني يواصلون لعب ورقة الضحية. والعديد من هؤلاء ينحون باللائمة على الولايات المتحدة لخيانتها الاكراد ويصفون خسارة كركوك بأنها حصيلة هجوم عسكري تم بإيعاز من إيران وميليشياتها.


 

جيمس دورسو | مدير Corsair LLC، وعضو بارز في كلٍ من 2005 Defense Base Closure and Realignment Commission and the Commission on Wartime Contracting in Iraq and Afghanistan

أساء بارزاني بدعوته للاستفتاء تقدير الولايات المتحدة. إذ أن الأميركيين لطالما دعموا "الاستقلال" في شكله المجرّد، لكن ليس هذه المرة. كان على بارزاني ان يتساءل: "إلى أي مدى أميركا مستعدة للدفع في مقابل استقلال كردستان"؟ الجواب: دفعنا 5000 جندي قتيل و2 تريليون دولار.

لقد فشل بارزاني في إدراك أن الولايات المتحدة، بكونها دولة عظمى، تعمل أحياناً كدولة عظمى. وهي فعلت ذلك حين وضعت الأكراد تحت حماية منطقة حظر الطيران بعد حرب الخليج العام 1991؛ وعندما قادت التحالف الذي أطاح صدام حسين؛ وحين سنّت سلطة التحالف المؤقتة قانون الإدارة الانتقالية الذي كان أساس دستور العراق العام 2005 الذي ضمن للأكراد درجة من الحكم الذاتي وتشاطر عائدات النفط؛ وأخيراً حين أرسلت جنودها لمساعدة العراق على مقارعة الدولة الإسلامية.

وهكذا، تمتّع بارزاني بكل هذا "الأخذ"، لكنه نسي أن هناك دوماً "العطاء". كل تفكيره تمحور حول ذاته.

صحيح أن لدى العراق مؤسسات مُبلبلة، لكن الديمقراطية الحقيقية بدأت تتجذّر فيه، فيما الانتخابات في كردستان تأخرت سنيتن. حتى الرئيس السوري بشار الأسد يتذكّر مواعيد الانتخابات!

كان على بارزاني أن يُنصت إلى مواطنيه الأكراد الذي نصحوه بالحذر والتروّي، وإلى العراقيين والأميركيين الذين يريدون عراقاً موحّدا. لقد قذفت تقديراته البائسة الأكراد إلى مأزق الموقع الضعيف، والآن بات عليه أن يتصرّف بطريقة أكثر ذكاء وفطنة.


 

هشام ملحم | محلل سياسي في صحيفة "النهار" اللبنانية، وباحث غير مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن

جوابي على هذا السؤال قد يكون مجلجلاً ومُنذراً بالسوء، وهو ببساطة: "أجل". فما سيترتب على سوء التقدير الفادح هذا هو أنه سيعرقل المسار البطيء والمتهالك لقطار الاستقلال الكردي الذي غادر بغداد المركزية منذ سنوات إلى إربيل. وكانت الأسئلة المطروحة دوماً هي كيف، ومتى، وبأي حال سيصل هذا القطار إلى وجهته النهائية. أما كارثة الاستفتاء فلا يمكنها سوى جعل الرحلة أكثر عُرضة للانتكاسات.

قد لاتُتاح لبارزاني، الذي اعتبر نفسه قادراً، على خلفية تاريخه ونسبه، على أن يكون المهندس المطلوب لقيادة القطار نحو الاستقلال، مثل هذه الفرصة مرة أخرى. والمثير للدهشة أنه سعى جاهداً إلى إجراء الاستفتاء قبل انقشاع سحابة "الشرعية" التي تحوم فوق رأسه لكونه رئيساً منتهية ولايته. فعجزه عن توفير الوحدة الكردية والحصول على البركة الأميركية يُعتبر تقصيراً مأساوياً في أداء واجبه. بيد أن هذا الخطأ لايبرّر رد فعل أميركا اللاهب، الذي وفّر الغطاء لطهران وبغداد وأنقرة ليحرم مرة أخرى الأكراد من حلم الاستقلال.

كان من الواضح أن المنزل الكردي لم يكن لديه سقف لحمايته من العاصفة الحتمية. هذا الضعف الهيكلي كان المدخل الذي استغلّه "نائب الملك" الإيراني القوي في بغداد، اللواء قاسم سليماني، عندما دفع بافال طالباني، منافس بارزاني، إلى السماح للقوات الحكومية العراقية وقوات الحشد الشعبي بالسيطرة على كركوك. لقد قُدّم إلى طالباني عرضٌ لم يستطع رفضه.