أثارت تقارير مفادها أن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قام بزيارات عديدة إلى كردستان العراق خلال الأيام التي سبقت تقدّم الجيش العراقي في 16 تشرين الأول/أكتوبر في كركوك نوبات ذعر جديدة في واشنطن. وقد بدأت إدارة ترامب في خضم المخاوف من تقهقر أميركي ودور إيراني متضخّم في العراق، تتكلّم لغة "وقف الاندفاعة".

لا ريب أن لدى إيران تأثيراً كبيراً في العراق. وليس بالمفاجئ أن تُطّل هاتان الدولتان ذي الغالبية الشيعية، اللتان تتشاطران حدوداً طولها 1500 كيلومتر وذكريات حرب مؤلمة دامت عقداً من الزمن، على علاقتهما بصفتها تتمتّع بأهمية استراتيجية. كما ليس مفاجئاً رغبة إيران في الاستفادة من – والمساهمة بشكل دوري في - الخلل السياسي، وإضعاف المؤسسات، وإثارة التوتّرات الطائفية في العراق. حتى وقت ليس ببعيد، استفاد هذا النهج بشكل كبير من قيام معظم الدول العربية السنّية بعزل العراق .

لكن تجارب المؤلّفين في العراق، بما في ذلك سفر أحدنا مؤخراً إلى بغداد، تشير إلى العلاقات الإيرانية-العراقية تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً.

واقع الحال أن الثقل الموازن الأكبر لنفوذ إيران لازال الهوية الوطنية العراقية. فخارج المناطق الكردية، يختبر العراق لحظة وطنية، وذلك بعد الانتصارات العسكرية التي حققتها الحكومة على تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل واستعادتها كركوك. وعلى الرغم من جميع التحديات العميقة التي تواجهها البلاد، تتحدث الشخصيات السياسية العراقية غير الكردية باطراد من زواية الهوية الوطنية. فبعد الهزيمة الأكثر شمولاً التي لحقت بالسياسة الرفضية العراقية، بدأت الفصائل العربية السنّية، على الأقل في بغداد، تعكس مايمكن وصفه بأنه "واقعية سنّية جديدة"، في الوقت الذي تدرس كيفية إحياء المجتمعات المدمّرة التي تعتبر نفسها أولى ضحايا الدولة الإسلامية.

حتى المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، أو ربما على وجه الخصوص، تنظر إلى التدخل الإيراني نظرة شاحبة. فبتوجيه من آية الله العظمى علي السيستاني، ظلّت النجف وفية لتقاليدها اللاسياسية، كاشفةً عن مفهوم عراقي واضح لـ"الدولة المدنية" ومتخليةً عن نظرية ولاية الفقيه المُعتمدة في قم والتي تمنح عملياً الزعيم الديني الأرفع سلطة سياسية عليا. وهذا لا يشكّل استخفافاً بمقولة ولي الفقيه هذه بل باعتبارها أيضاً شذوذاً تاريخياً. بالطبع قد تستسيغ إيران بالتأكيد وجود بديل أكثر طواعيةً من السيستاني، لكن حين أرسلت المؤسسة الدينية في قم مؤخراً مبعوثاً لهذا الغرض فقط، حظي كما قيل باستقبال فاتر.

منذ توليه السلطة في العام 2014 في أعقاب استيلاء الدولة الإسلامية على الموصل، جَهد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للحفاظ على توازن دقيق بين طهران وواشنطن، اللتين تُعتبران بنظر العراقيين شريكتين أساسيتين في الحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية. لكن يبدو أن تحسُّن العلاقات السعودية-العراقية، الذي بدأ مؤقتاً بعد إطاحة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في العام 2014، وتطوّر بوتيرة سريعة خلال الأشهر القليلة الماضية، يحظى بتأييد شعبي واسع.

فالرياض، وبدلاً من إدّعاء الهيمنة على السنّة داخل العراق، بدأت بحكمة باستمالة الفصائل الشيعية أيضاً، موحيةً بأنها تسعى إلى إيجاد شركاء وطنيين لا وكلاء محليين. وقد أعرب قادة عراقيون شيعة، بمن فيهم عناصر من الجناح الموالي لطهران في حزب الدعوة، بشكل غير علني عن تأييدهم لتواصل حكومتهم مع السعودية. وإذا ما تم المضيّ قدماً بهذا الجهد، وظلّ في منأى عن المنافسة السعودية-الإيرانية ذات الحصيلة الصفرية، فهذا قد يحفّز العراقيين السنّة الساخطين على العودة مجدّداً إلى كنف المشهد السياسي، ليشكّلوا رصيداً مهمّاً في عملية إعادة الإعمار وتحقيق الاندماج الإقليمي.

لم يحن الأوان بعد لمعرفة ما إذا كان العراق، الذي يعاني من كونه محطّ نوايا الدول الأخرى منذ الغزو الأميركي في العام 2013، قد بدأ يحتلّ أخيراً مكانة خاصة في حدّ ذاتها كلاعب إقليمي. لكن يبدو واضحاً أن بغداد ترى فائدة من نسج علاقات إقليمية أكثر توازناً، كوسيلة لإثبات استقلاليتها والدفاع عن سيادتها.

مع ذلك، لايزال إخضاع قوات الحشد الشعبي في العراق إلى سلطة الدولة تحدّياً أمنياً وسياسياً حاداً. ونظراً إلى استقلالية النجف عن إيران، ترتدي هذه المجموعات أهمية أكبر لأنها تتيح لطهران بسط نفوذها في العراق. لكن في هذه المسألة أيضاً، يرسم العراقيون صورة مختلفة. ففيما يعتبر الأميركيون قوات الحشد الشعبي "ميليشيات مدعومة إيرانياً"، يصفها العديد من العراقيين– من السنّة والشيعة على السواء – على أنها تتألف من شباب عراقيين لم يتوانوا عن القتال، والموت أحياناً، في سبيل تحرير وطنهم من الدولة الإسلامية. هم يقرّون بالتحدّي بعيد المدى الذي يطرحه النفوذ الإيراني وبتأثيره الخطير على بعض المقاتلين، لكن عوضاً عن مجابهة التحديات بشكلٍ مباشر (فعبء هذه الأزمة أثقل مما يستطيع العبادي تحمّله)، تسعى حكومة العبادي إلى استلحاق واستتباع الميليشيات وترويضها وتخفيض عديدها تدريجياً، لضمّها إلى كنف الدولة العراقية.

قد تثبت الأيام أن هذه المقاربة العراقية الأكثر حذراً هي الأكثر حكمةً، على الرغم من أنها ليست مثالية البتة. ولسخرية القدر، دعا الجيش الأميركي إلى انتهاج المقاربة نفسها للتعامل مع الميليشيات السنيّة المُتململة - أبناء العراق – إلى أن حلّتها حكومة المالكي، ما أسهم في صعود تنظيم الدولة الإسلامية.

ليس الهدف الاستخفاف بالمشاكل الكُبرى التي يرزح العراق تحت وطأتها. فالدولة الإسلامية خسرت خلافتها، إلا أنها لاتزال قادرة على إثارة الخراب والفوضى. والسياسات الكردية، بعد سنوات من الوهن، انتابتها حالة من الجيشان الحادّ. وقد ضرب الوضع المتفجّر بين أربيل وبغداد عُرض الحائط بالمحور السياسي الشيعي-الكردي المُهيمن، وهو يتطلّب الآن قيادة براغماتية وضبط النفس من قبل الطرفين وانخراطاً أميركياً نشطاً وفعّالاً. قد تستغرق عملية إعادة إعمار القرى والبلدات السنيّة المنكوبة شمال غرب العراق في مرحلة مابعد تنظيم الدولة الإسلامية عقداً أو أكثر من الزمن. وتتوارى خلف النزاعات الإثنية والطائفية التي تمزّق العراق حاجة ماسّة إلى إعادة تحديد العلاقات التي تربط المواطن بالدولة، والتصدّي إلى الفساد المُستشري الذي حوّل هذه الدولة ذات المكوّنات الكثيرة إلى دولة متسوّلة تطرق باب صندوق النقد الدولي لاستجداء المساعدات. ويُعدّ التاريخ الحافل لحزب البعث العراقي بمثابة تذكرة هامّة بالتجاوزات التي ارتكبتها النزعة القوميّة.

لاشكّ أن إدارة ترامب تستسيغ البعد البلاغي الذي تنطوي عليه الاستراتيجية المعادية لإيران والمتمثّلة في "وقف اندفاعتها". لكنها كسياسة عملية تبدو منقطعة تماماً عن الواقع السياسي في العراق، وهي تُقحم إلى المعادلة قادة عراقيين موالين للغرب لايرغبون في تحويل وطنهم إلى ساحة صراع مفتوحة أمام واشنطن أو طهران أو أيٍّ كان. فتبنّي استراتيجية متغطرسة ذات حصيلة صفرية هو بمثابة دعوة لإيران إلى التصعيد، ما قد يقوّض التقدّم السياسي الهشّ الذي تم إحرازه في الأشهر الأخيرة. وهذه بيئة تألفها إيران، التي لطالما أثبتت أنها قادرة على تسخير زعزعة الاستقرار في العراق لصالحها. لكن ثمة ما يدفعنا إلى الاشتباه بأن طهران، التي يعتبر العديد من العراقيين أنها مجبولة بالغطرسة الإمبريالية، قد تكون أقلّ قدرةً من السابق على التلاعب مع عراقٍ بات أكثر ثقة بالنفس من أي وقت مضى.

تُفسح التطوّرات الأخيرة الفرصة أمام العراق كي يشقّ لنفسه مساراً مستقلّاً. ويتعيّن على واشنطن أن تدعمه في مسعاه هذا.