باربرا سلافين | مديرة مبادرة "مستقبل إيران" في المجلس الأطلسي

أرى أن التحذيرات التي وجّهها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى الشركات الدولية بعدم ممارسة أعمال تجارية مع الحرس الثوري الإيراني مبالغ فيها. فالأنظمة الأميركية القديمة تُثبط أساساً اندفاع الشركات إلى ممارسة أعمال تجارية مع المؤسسات التي يملكها أو يديرها الحرس الثوري. هذا فضلاً عن أن الشركات الأوروبية والآسيوية تكون دقيقة في ممارستها الحذر المطلوب قبل توقيع عقود جديدة مع الشركات الإيرانية.

مايتعيّن على تيلرسون فعله هو تشجيع الشركات الأجنبية على مزاولة أعمال تجارية مع القطاع الخاص الحقيقي في إيران. هذا القطاع صغير لكنه يسير قُدُماً إلى الأمام على قدم وساق، ويشمل شركات عائلية تستورد السلع الاستهلاكية ومستحضرات الصيدلة، فضلاً عن الشركات الناشئة المتخصصة بالتكنولوجيا. ثمة أيضاً سوق كبير في إيران للمعدات والبنى التحتية الغربية عالية الجودة، والتي جذبت شركات من بينها "سيمنز" الألمانية، و"ألستوم" الفرنسية، وعملاق صناعة الطائرات الأميركي "بوينغ".

لكن لسوء الحظ، تتعامل إدارة ترامب، من خلال مفاقمة عدم اليقين بشأن المدّة الزمنية للاتفاق النووي، كعامل مُثبط لهذا النوع من الأعمال الذي كان ينبغي عليها أن تشجعه مع إيران. كما أنها تقوّض جهود الإصلاح التي يبذلها الرئيس حسن روحاني، الذي يحاول بدوره تقليص دور الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني.


 

كورنيليوس أديباهر | زميل غير مقيم في مركز كارنيغي- أوروبا، يركّز في أبحاثه على السياسة الخارجية الأوروبية

تميل الشركات إلى اتخاذ قراراتها استناداً إلى التوجهات لا إلى الأقوال. لكن التحدي الذي يواجهها هو أن السياسة الأميركية إزاء إيران في عهد الرئيس دونالد ترامب كانت في جلّها مرتبكة ومُتبجّحة.

حتى الآن، وقّع الرئيس التنازلات الضرورية لإنفاذ العقوبات في كل حين تُطرح على بساط التجديد، بدلاً من قطع رأس خطة العمل المتشركة الشاملة، أي الاتفاق النووي مع إيران، وكان آخرها رفض "تأكيد" وفاء إيران بالتزاماتها في هذه الخطة. لكنه فعل ذلك بحذر شديد كي لايخرق بنودها، وفي الوقت نفسه رمى المسألة برمّتها على كاهل الكونغرس.

والآن، امتنع ترامب عن توصيف الحرس الثورة الإيراني على أنه منظمة إرهابية خارجية، فيما هو يزيد العقوبات الأميركية ضده ويصفه (في إطار إيماءة رمزية لقاعدته الشعبية) بأنه "قوة إرهابية وميليشيا". وفي الوقت عينه، سمح كلٌ من ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون بـ"كرم" ومن دون سابق تحضير للأوروبيين بمواصلة التبادل التجاري مع إيران بشكل أكثر عمومية.

والواقع أن التعامل مع الحرس الثوري الإيراني والشركات التي يمتلك فيها أغلبية الأسهم لايزال قيد العقوبات وفق القانون الأميركي، حتى بعد إبرام الصفقة النووية العام 2015، ولذا تحرص الشركات على عدم التورط معه. بيد أن المشكلة هي أنه في اللحظة التي بدأت فيها الحكومة الإيرانية، بدعم شعبي، بإثارة مسألة الدور الاقتصادي غير الشفّاف والمُبهم للحرس الثوري،

أدت خطوة ترامب إلى التفاف الرأي العام حول هذا الكيان الذي يحظى، عدا المسألة الاقتصادية، بالتقدير والإعجاب لدوره في مجال الدفاع الوطني.


 

سنام فاكيل | أستاذة محاضرة في دائرة دراسات الشرق الأوسط في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في بولونيا- إيطاليا، وزميلة مساعدة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، المعهد الملكي للشؤون الدولية

لم يكن تحذير وزير الخارجية الأميركي تيلرسون للشركات الدولية من مغبة التعامل مع الحرس الثورة الإيراني بالأمر المُستجد. إذ لطالما كانت الحكومة الأميركية تنبِّه هذه الشركات إلى ضرورة تجنّب العمل مع الحرس الذي يخضع إلى عقوبات كثيفة في القانون الأميركي. وبالتالي، بيان تيلرسون ليس أكثر من تذكرة للشركات الدولية والحلفاء الأوروبيين بأن إدارة ترامب تنوي انتهاج توجُّه أقوى ضد النفوذ الاقتصادي والسياسي للحرس الثوري في الشرق الأوسط. وفي خاتمة المطاف، تسعى الإدارة إلى الحصول على دعم أوروبي أكبر لاستراتيجيتها الجديدة إزاء إيران، والتي تستهدف تعزيز الاتفاق النووي الإيراني واحتواء النفوذ الإقليمي الإيراني الماكر.

بيد أن أوروبا لاتتّفق مع واشنطن حول كيفية حماية الاتفاقية النووية متعدّدة الأطراف مع إيران، فيما يجري التصدّي للهموم الإقليمية الأوسع. فالأوروبيون يعتقدون على نطاق واسع بأن الصفقة النووية هي إنجاز إيجابي، ويجب أن تكون نقطة انطلاق لتنسيق أكبر مع طهران، هذا ناهيك عن أنها فرصة للضغط على الجمهورية الإسلامية. وهذا الاختلاف حيال الاستراتيجية سيعمّق الانقسامات داخل التحالف الأطلسي ويضعضع قدرة واشنطن على تشييد جبهة موحّدة ضد إيران.

في مثل هذه المجابهة، تجد الشركات الدولية نفسها بين المطرقة والسندان. وإذا ما تحرّكت الحكومات الأوروبية لحماية الصفقة، ستتواصل الاستثمارات في إيران، وإن بدرجة أقل. بيد أن هذه النقاشات والضغوطات ستجعل الصفقة النووية عرضة إلى حملات النقد السياسي الحاد في طهران. وفي حين أن الصفقة ستبقى على قيد الحياة في المدى القصير، إلا أنها من دون وحدة أكبر والتزام أوضح من الموقعين عليها، خاصة الولايات المتحدة، ستبقى هشّة ولن تصمد أمام اختبار الزمن أو الضغوطات الأوسع من إدارة ترامب.


 

بولينا إزويكز | زميلة باحثة في برنامج منع الانتشار والسياسة النووية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

عملياً، يُرجّح أن تكون ردود فعل الشركات الدولية محدودة، هذا إذا ما برزت أي ردود فعل على الإطلاق. إذ أن الحرس الثوري الإيراني كان خاضعاً للعقوبات منذ العام 2007، وكانت هذه الشركات تعمل في مثل هذه البيئة منذ ذلك الحين. بالطبع، وَجْه الصعوبة في العمل الاقتصادي والتجاري مع إيران يكمن في كون الحرس الثوري يسيطر على حيّز شاسع من الاقتصاد، بما في ذلك قطاعاته الرئيسة. وبسبب هيكليات الملكية الغامضة فيه، لايتّضح كليّاً من الأطراف التي تنخرط في المبادلات. ومع ذلك، لدى الشركات حوافز مهمة للاحتراز. فبسبب المخاطر المتضمّنة في هذه المبادلات ثمة دوماً احتمال، حين تبرز الشكوك، بأن تُخطى الشركات في مقاربتها لمسألة الحذر. وبالتالي، ومرة أخرى من الناحية العملية، لن تغيّر التحذيرات الأميركية من التعامل مع الحرس الثوري شيئاً يُذكر من العمليات اليومية لهذه الشركات. لا بل الواقع أن نظام العقوبات الحالية شاملٌ للغاية إلى درجة أن توصيف الأمر التنفيذي الرقم 13224 الحرس الثوري على أنه داعم للإرهاب، لم يفعل شيئاً سوى استنساخ القيود القائمة الآن، على رغم كل نوايا وأهداف هذا الأمر.