فريدريك ويري باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. صدر مؤخّراً عن منشورات هورست كتاب من تحريره، بعنوان "أبعد من السنّة والشيعة: جذور الطائفية في الشرق الأوسط المتغيّر" (Beyond Sunni and Shia: The Roots of Sectarianism in a Changing Middle East). يستشفّ هذا الكتاب العوامل الكامنة وراء انتشار الطائفية في الشرق الأوسط. ويري هو أيضاً مؤلّف كتاب بعنوان "السياسة الطائفية في الخليج: من حرب العراق إلى الانتفاضات العربية" (Sectarian Politics in the Gulf: From the Iraq War to the Arab Uprising)، وسيصدر له كتاب آخر في نيسان/أبريل 2018 بعنوان "السواحل المشتعلة: في رحى المعركة من أجل ليبيا الجديدة"(The Burning Shores: Inside the Battle for the New Libya).

التقت "ديوان" ويري في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر وحاورته حول كتاب "أبعد من السنّة والشيعة".

مايكل يونغ: ما الفكرة الرئيسة في فصول الكتاب الذي قمتم بتحريره وصدر مؤخراً بعنوان "أبعد من السنّة والشيعة: جذور الطائفية في الشرق الأوسط المتغيّر"؟

فريدريك ويري: تنطلق الدراسة من التحديات الضيّقة التي تواجه الإطلالة على الشدائد التي تعاني منها المنطقة من منظور صراع الهويات الدينية، وتنتقد على وجه الخصوص المدرسة الفكرية التي يمكن وصفها بـ"البدائية"، وهي رؤية جبرية تعتبر أن التوترات الدينية، خصوصاً بين الشيعة والسنّة، هي قدرٌ محتوم وعصيٌّ على التغيير. لاشك أن ثمة انقسامات كبيرة بين الطائفتين – حول مسائل تتعلّق بالسلطتين الدينية والسياسية، والشعائر، والفقه، وغيرها، لكن التصوّر القائل إنهما معسكران منطويان على ذاتهما بالكامل وعالقان في حمأة نزاع اليوم – والذي يشكّل استمراراً لصراع تاريخي قديم داخل الإسلام – هو زائف حتماً. ومع أن ثمة حفنة من الباحثين الجديّين الذين يتبنّون هذا النسق من التفكير، إلا أن هذا المنحى لايزال موجوداً كشرح متكاسل يطغى على التعليقات الإعلامية، وأيضاً من أسف، على الرؤى السياسية.

على المقلب الآخر من الطيف، ترفض الدراسة أيضاً مايمكن تسميته المقاربة المادية المفرطة أو المقاربة "النفعية الذرائعية" حيال الهوية الدينية، والتي ترى أن الطائفية هي ببساطة تعبير بوسائل أخرى عن تظلّمات اقتصادية أو سياسية، أو أنها حصيلة تلاعب النخبة بسائر فئات المجتمع من فوق إلى تحت. لابدّ أن نقرّ هنا أيضاً بوجود مثل هذه العناصر قيد العمل. فقد رأت الأنظمة السلطوية أن من المفيد تبنّي استراتيجية حكم تعزف على وتر الاختلافات الطائفية، وأذكى "روّاد الطائفية" إوار التوترات الطائفية من خلال العظات والخطب ومنصّات الإعلام الاجتماعي، كما أشعل انهيار الدولة والتوزيع غير المتكافئ للموارد الاقتصادية نيران العداوات الطائفية. لكن هذه التفسيرات الدنيوية محدودة أيضاً، إذ ينبغي التنبّه كذلك إلى الدور الذي تلعبه المعتقدات والهويات والعقائد على صعيدَي الفرد والمجتمع.

ينعكس مسعانا للإبحار بين هذين القطبين، في كل من مجالات اختصاص الأشخاص الذين ساهموا في هذه الدراسة، والمواضيع التي تتناولها فصولها. إذ يضمّ مؤلّفو هذه الدراسة علماء سياسة واجتماع وصحافيين وحتى خبيراً جنائياً، ومؤرخين قي الإسلام وعالماً في الفقه، وتستند المواضيع المطروحة إلى الجغرافيا وإلى البلد المعني (كدور السياسة الخارجية السعودية والإيرانية وعملية "تطييف" الحرب الأهلية السورية على سبيل المثال) وكذلك إلى تدارس دور وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والاقتصادات السياسية، والمؤسسات الدينية في نشر الهويات الطائفية وإعادة تشكيلها.

يونغ: كيف يميل مؤلّفو الكتاب إلى تعريف الطائفية؟

ويري: تتبنّى كل فصول هذه الدراسة تعريفاً ضمنياً للطائفية، مفاده أنها مجموعة من المعتقدات والمواقف والأفعال التي تستبعد أو تشيطن من ينتمي إلى دين "آخر". ويستند هذا التعريف إلى طيف واسع ينطلق من التمييز الناعم وصولاً إلى المجازر التي يرتكبها تنظيم الدولة الإسلامية. علاوةً على ذلك، لم يحاول مؤلّفو هذه الدراسة نفي الاختلافات الطائفية أو نكرانها، بل سعوا فقط إلى استشفاف الأسباب التي حدت بهذه الهويات إلى الانزلاق نحو لُجج خطيرة وعنيفة، وتبيان كيف تمّ ذلك. بدا لنا من المجدي للغاية في هذا الصدد اعتماد مقاربة مقارنة: فأحد المساهمين في الدراسة خبير في شؤون حل النزاعات في إيرلندا الشمالية. وأخيراً، ومع أن هذه الدراسة تركّز على الاختلافات الشيعية-السنيّة، إلا أنها تقرّ بوجود علاقات أخرى قائمة على أسس طائفية – ولاسيما في لبنان – وتتطرّق كذلك إلى التصدّعات التي تعتمل داخل التيارات السنيّة (بين السلفية والصوفية والإخوان المسلمين مثلاً). وفي مايتعلّق بهذه النقطة الأخيرة، تبنّى أحد مؤلّفي الدراسة، كول بانزل، إطاراً جديداً يتمثّل في النظر إلى العداوة بين تنظيم الدولة الإسلامية والمملكة العربية السعودية على أنها تعبيرٌ عن الخصومة المشتعلة داخل الطائفة السنيّة والناجمة عن "التنافس على روح الوهابية".

يونغ: ماذا كان الدافع الأساسي وراء النزاع السنّي-الشيعي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة؟

ويري: هنا، لايسعني سوى أن أستعرض، وبإيجاز، الأبحاث الممتازة التي أجراها مؤلّفو هذا الكتاب. أولاً، اسمح لي أن أتحدّث عن اعتقاد واسع الانتشار في الشرق الأوسط، ولاسيما في العالم العربي السنّي، مفاده أن الثورة الإيرانية التي اندلعت في العام 1979، وما أفرزته من تبدّل في السلوك الإيراني، يشكّلان الدافعين الأساسيين للطائفية. بالطبع، حلول عهد الخميني أسفر عن تداعيات بعيدة المدى من خلال تسييس الهوية الشيعية، ودعم المجموعات المسلحة الشيعية في مختلف أرجاء المنطقة، وهزّ أركان الأنظمة السنيّة، مع التعهّد بإطاحة الممالك الخليجية. لكن لابدّ من الإشارة إلى أن الثورة ادّعت أيضاً أنها عالمية وغير طائفية، وهي بالفعل شكّلت مصدر إلهام للعديد من الإسلاميين السنّة. واليوم، يحاول النظام الإيراني، وإن بشكلٍ غير مقنع، الحفاظ على هذه الديباجة الخاصة في تصريحاته وبياناته الرسمية. ينجح بشكل رائع الفصل الذي خطّه أفشان أستوار في التقاط هذا التوتر في السياسة الخارجية الإيرانية التي تتقاذفها طموحات إيران العالمية، من جهة، والوقائع الخاصة، من جهة أخرى. ويجادل أستوار بأن المصلحة الخاصة، لا النزعة الشيعية، هي التي تحكم السياسات الإيرانية في نهاية المطاف، ويتجلّى ذلك من خلال علاقات إيران المديدة مع مجموعات سنيّة مثل طالبان وحماس والقاعدة. وفيما يُنحي أستوار بقدرٍ لابأس به من اللائمة على إيران في أنها تُذكي إوار الطائفية – خصوصاً من خلال دعمها لجماعات مسلّحة غير دولتية في العراق وبلاد الشام - يقرّ أيضاً بأنها تعمل في بيئة طائفية بعمق.

يُعتبر الدور الذي يلعبه خصم إيران الجيواستراتيجي حاسماً في هذا الصدد. فواقع الحال أن ردة الفعل المضادّة التي صدرت عن السعودية تجاه الثورة الإيرانية، وتجلّت من خلال حشد وتعبئة السلفية المناهضة للشيعة في الثمانينيات والسنوات التي تلتها، كان لها تأثيرٌ حاسم أكثر على مسار الطائفية. إذ لاتزال عظات ومناشير تلك الحقبة قيد التداول حتى اليوم، كما أنها باتت مُنغرسة في إيديولوجيا العديد من المجموعات الجهادية السنيّة. واليوم، نرى القيادة السعودية الجديدة تتعهّد بكبح جماح وضبط الإدانات الطائفية العنيفة، لكن ما إذا كان بالإمكان إعادة إدخال هذا الجنّي إلى القمقم لايزال موضع شكوك. وهنا بالتحديد تكمن أهمية فصل ألكسندرا سيغل حول مشهد الإعلام الاجتماعي والطائفية. قبل عقدين من الزمان، كان يمكن للمرء أن يجادل بأن الأنظمة في المنطقة، ولاسيما السعودية وإيران، تستطيع ضبط الخطاب الطائفي عبر وسائل الإعلام الحكومية وسيطرتها على رجال الدين، مصعدةً النبرة تارةً ومخفضةً إياها تارةً أخرى مثل ضابط الحرارة. لكن الوضع لم يعد هكذا في البيئة الراهنة التي تسود فيها وسائل إعلام واسعة الاتصال والانتشار، كما تُظهر سيغل. فتويتر وفيسبوك ويوتيوب، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي توفّر منصات للأصوات الطائفية الأكثر تطرُّفاً، وتخلق أصداء واسعة تتجاوز الحدود الوطنية، وتتفلت من السيطرة الحكومية.

تكشف فصول أخرى في الدراسة عن أسباب تجذُّر الطائفية بعمق في المنطقة، على الصعيدين المحلي والداخلي، وليس فقط لكونه حصيلة المنافسة السعودية-الإيرانية. يستخدم جاستن غنغلر استطلاعات رأي من الخليج لإظهار كيف استغلت الأنظمة الملكية الطائفية لتوزيع الموارد الاقتصادية المحدودة وتحقيق أقصى قدر من الولاء السياسي في صفوق قواعدها الشعبية الأساسية. أما ستايسي ستروبل فتؤكد أن الطائفية هي سمة متأصلّة بعمق في الحياة اليومية للنظام الأمني في البحرين، وهي آفةٌ تمتدّ جذورها إلى ما هو أبعد من الثورة الإيرانية، أي إلى الإدارة الاستعمارية البريطانية.

يونغ: يبدو أن الناس في الشرق الأوسط باتوا يدركون بشكل أفضل الدمار الذي أحدثته الطائفية العنيفة خلال السنوات الأخيرة. فهل توافقون على ذلك؟ إذا كان الأمر كذلك، ما الذي فعلوه استجابةً لهذا الإدراك؟

ويري: أعتقد أن شعب المنطقة يدرك تمام الإدراك أن الصراعات الإقليمية ناجمة عن السلطوية، وعجز الدول عن تلبية احتياجات مواطنيها، والحوكمة غير الشاملة. الطائفية ليست سوى عامل مساهم وحصيلة ثانوية. الإجابة على سؤالك، هي نعم. على أحد المستويات، لقد تعلموا من الماضي واتخذوا بعض الخطوات. يوضح فصل جوزيف باحوط حول نموذج الطائف كيف حاول اللبنانيون إضفاء الصبغة الرسمية على الهويات الطائفية الوطنية الفرعية والعمل على تلطيفها، وهو نموذج غير كامل، على حدّ قوله، لكنه حتى الآن بمثابة حاجز يمنع امتداد الفوضى التي تجتاح جارته سورية. غير أن باحوط يشكّك في ما إذا كان بالإمكان اعتماد هذا النموذج في مكان آخر. فنحن نشهد على حالات معزولة من الصمود الطائفي في بعض المدن والمواقع في سورية والعراق، والتي غالباً ما تنبع من الجهود الشجاعة لقادة المجتمع والناشطين وشيوخ القبائل. وعلى المستوى الجيوسياسي، نرى بروز بعض الخطوات الإيجابية في الخليج مع انطلاق محادثات مؤخراً بين العراق والسعودية، مايدلّ مرة أخرى كيف أن الهوية الطائفية تحتلّ أهمية ثانوية عندما يتعلق الأمر بمصلحة الدولة.

يونغ: هل هناك تبصّر كبير حول الطائفية في المنطقة؟

ويري: لسوء الحظ، لايزال هناك غياب لأي تقكُّر حاسم حول الطائفية مع إنحاء اللائمة بشكل كبير على الآخرين، وخاصة في وسائل الإعلام الخاضعة إلى سيطرة الخليج، لكن أيضاً على المستوى الشعبي. كما ذكرتُ سابقاً، ثمة سردية مهيمنة تتمثّل في وضع الطائفية كلياً على كاهل إيران، إضافةً إلى اعتبارها مشروع "هيمنة" أميركياً، أي استراتيجية "مزّق تسد" المتأتية من غزو العراق واحتلاله في العام 2003، وهو افتراض دحضه فنار حداد في فصله عن العراق. فالنخب الحاكمة ليست مستعدّة للنظر في المرآة، لفهم كيف أن أوجه القصور في الحكم - وفي كثير من الحالات سياساتها المدبّرة سلفاً - قد رسّخت الطائفية. ولاتزال مساحة الحركات المدنية العابرة حقاً للطائفية أو اللاطائفية تتضاءل بشكل سيئ في المنطقة، وذلك لأن النخب تريد إبقاء الحال على هذا المنوال.

في المقابل، تتمثّل إحدى النتائج التي توصّلت إليها دراستنا في أنه حتى أكثر الجهات الطائفية المتصّلبة تستجيب للتغيرات في السياقات والفرص السياسية. ويستخدم فصل ستيفان لاكروا حالة حزب النور السلفي المصري لإظهار هذه الديناميكية، ويُظهر فصل حسن حسن عن تنظيم الدولة الإسلامية كيف أدّت انتكاسات المعارك إلى نشوء مروحة من المناقشات القانونية الداخلية حول الطائفية، وعلى وجه التحديد تلك المتعلقة بتطبيق التكفير.

يونغ: هل تتوقّعون انبعاث القومية في بعض الدول كترياق للاستقطاب الطائفي؟ أم أن الطائفية متأصلة بعمق في مجتمعات المنطقة؟

ويري: لا أرجّح، مع بعض الاستثناءات القليلة بالطبع، ظهور سياسات تعدديّة وحوكمة شامل من شأنها أن تسمح بترسيخ قومية سليمة. وقد صوّرت مشاريع قومية عديدة في المنطقة، بما في ذلك القومية العربية، والبعثية، فضلاً عن "حداثة" الضباط العسكريين ومايسمى بالأنظمة الجمهورية، نفسها كعلاج للطائفية، إلا أنها باتت دائماً حامية المجموعات الضيقة التي بدورها استخدمت الطائفية للحفاظ على سيطرتها على السلطة. ففي الأنظمة الملكية الخليجية اليوم، وبخاصةٍ البحرين، نرى تعزيزاً لقومية إقصائية مشوّهة ومشوبة بمكوّن طائفي قوي - وحساسية شديدة إزاء النقد. إن الغالبية العظمى من المعارضين الشيعة الذين يشجبهم النظام الملكي البحريني خارج المشروع الوطني - وغالباً ما يجردون من جنسيتهم عقاباً لهم- هم في الواقع وطنيون إلى أبعد حدّ ويطالبون بإدخال إصلاحات على النظام الراهن بدلاً من إلغائه.

يونغ: كيف ينبغي للدول الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة، أن تتصدّى للطائفية في الشرق الأوسط، بالنظر إلى أن إحدى منتجاتها الثانوية، تنظيم الدولة الإسلامية، صوّبت هجماتها نحوها؟

ويري: تماماً كما يجب على الولايات المتحدة أن تنأى بنفسها عن الترويج لشكل "صحيح" من الإسلام لمواجهة التطرّف، يتعيّن عليها أيضاً النأي بالنفس عن الجهود الهادفة إلى المصالحة الطائفية. وبدلاً من التطرّق إلى الطائفية بحدّ ذاتها، يمكن للولايات المتحدة أن تحاول تعزيز الحوكمة الرشيدة والشاملة في المنطقة والمجتمع المدني، وكلاهما يمكن أن يقوّضا الطائفية.

وسيكون هذا في نهاية المطاف صراعاً جيلياً تُجبر شعوب المنطقة على خوضه، وينبغي أن تكون الولايات المتحدة على دراية تامة بسلطتها المحدودة. لكن على الأقل، يمكن لواشنطن أن تتجنّب السردية المختصرة المتمثّلة في رؤية صراع سنّي-شيعي مستعصٍ على أنه في جذر كل علل المنطقة.