كريم إميل بيطار | استاذ مساعد للعلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف في بيروت، وزميل أول في المؤسسة الفرنسية للعلاقات الاستراتيجية والدولية

لاشك أن لدى روسيا كوكبة مهمة من الدبلوماسيين والخبراء بشؤون الشرق الأوسط الكفوئين للغاية، والمُتمرسين باللغة العربية، والمُتمتعين بمعرفة معمّقة بالملف السوري. لكن، وبعد الدعم الحاسم الذي قدّمه الرئيس فلاديمير بوتين لنظام الأسد في غضون السنوات القليلة الماضية، جنباً إلى جنب مع تدخله العسكري ثقيل الوطأة في سورية واستخدامه المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، بات من الصعب أن نرى كيف يمكن لروسيا أن تكون وسيطاً مستقلاً في هذا النزاع، خاصة حين نضع في الاعتبار الاستقطاب الحاد السائد الآن في أوساط الأطراف السورية. وبالتالي، ومن منظور خصوم الأسد، أن تكون روسيا بوتين وسيطاً أميناً في سورية اليوم أمر لا معنى له البتة، تماماً كما القول أن الولايات المتحدة وسيط أمين في الملف الفلسطيني- الإسرائيلي.

على أي حال، لاتزال عملية جنيف، على رغم كل مثالبها، المسار الشرعي الوحيد من وجهة نظر القانون الدولي. ولذا، يُرجّح في الغالب ألا يتمكّن مؤتمر سوتشي من تحقيق أي مصالحة حقيقية وشاملة للجميع. لا بل ربما هو (المؤتمر) يستهدف تقويض جهود الأمم المتحدة وتعزيز مواقع الأسد وشرعيته، من خلال إعطاء الانطباع أنه يتفاوض مع المعارضة الحقيقية، هذا في حين أن معظم الأطراف التي تقبل بأن تُمثَّل في سوتشي هي جزء من معارضة "مُدجّنة".

لكل ذلك، وبغض النظر عن مدى مواهب دبلوماسييها، طالما استمر دعم روسيا غير المشروط للأسد، سيواصل المتشددون في المعارضة السورية المجادلة بأن روسيا تحاول أن تكون في آن القاضي وهيئة المحلفين وسلطة إنفاذ القانون.


 

سارة لياه ويتسون | المديرة التنفيذية لدائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة "هيومان رايتس ووتش"

تبدو محاثات سوتشي اليوم مجمّدة وعالقة في سلسلة العقد السياسية التي يُسببها العديد من الحروب بالواسطة في هذا النزاع. لكن، إذا ماكانت روسيا جادّة حقاً في السعي إلى تحقيق عملية سلمية ناجحة، ستكون في حاجة إلى معالجة القضايا الرئيسة التي تُبقي البلاد في حالة انقسام.  قد يكون هناك مزيّة في جهودها للسعي إلى تحقيق انفراج في الحوار، خاصة حين نتذكّر المحاولات الفاشلة في جنيف، بيد أن موسكو لن تكون قادرة على محض "مؤتمر شعوب سورية" صدقية ما، من دون كسب ثقة الشعب السوري.

كي تقوم بذلك، من الضروري للغاية أن تلتزم روسيا بحزم بوضع حد لكلٍ من الغارات الجوية المتواصلة وغير الشرعية ضد المدنيين ولعمليات الحصار، وأن تحل معضلة آلاف المعتقلين (وبعضهم مفقود منذ سنوات عدة الآن)، وأن توفّر ولو قدرٍ من المحاسبة، على الأقل من خلال عملية محلية للإفصاح عن الحقيقة؛ هذا علاوة على ضمان خطة متساوية لإعادة البناء الوطني. كما يتعيّن على روسيا التأكد من أن حليفيها، أي سورية وإيران، لن يسعيان إلى نسف هذه الجهود.

ما لم يحدث كل ذلك، لن يتم تحقيق أي تقدم ذي معنى، وستنتهي المحادثات حول الدستور الجديد وعملية الإصلاح إلى لاشىء، تماماً كما المحادثات السابقة.


 

ديمتري ترينين | مدير مركز كارنيغي- موسكو

التأجيل الأخير لاجتماع أطراف المعارضة السورية في سوتشي، هو دليل آخر على مدى الصعوبات التي تعترض مسار المصالحة في حقبة ما بعد انتهاء النزاع في سورية. معروف أنه خلال السنوات الخمس الماضية من الحرب، طرأت نكسات عدة وكانت أكثر من النجاحات في حمل أطراف النزاع على التفاوض، وليس التناحر والتقاتل فقط. ومع ذلك، ومع اقتراب نهاية الحرب على مايظهر، بات نوع من التسوية قاب قوسين أو أدنى كأمر واقع. ومعروف أن الدبلوماسية، كما الحرب، تصبح أكثر نشاطاً حين يزف موعد المحصلات النهائية.

كانت روسيا من البداية تشن الحرب والسلام معاً في سورية. فهي دعمت الحكومة في دمشق بالقوة العسكرية، فيما كانت تُبقي أقنية الاتصال مُشرعة مع الجماعات المعارضة. كما أنه أدركت منذ البداية أيضاً أن حكم آل الأسد المنفرد للبلاد أضحى شيئاً من الماضي في العام 2011، وهي تواصلت مع أولئك الذين عارضتهم في ساحات المعارك، عبر قصفهم لحملهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

هدف روسيا هو أن تكون سورية دولة موحَّدة، على أن تكون متوازنة داخلياً بدقة وعناية بين مختلف الأطراف المعنية غير المتساوية. بيد أن مثل هذا الهدف صعب للغاية وعصي على التحقق، لأنه  يتطلّب موافقة اللاعبين الإقليميين الرئيسيين، من تركيا إلى إيران إلى السعودية. ومع ذلك، لاتزال موسكو تحاول. وبعد أن تعرّضت إلى العديد من النكسات في خضم مشوارها هذا، قد تصل في يوم ما إلى هذه الحصيلة المرجوّة.


 

بول سالم | نائب رئيس أول للبرامج والأبحاث في مؤسسة الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة

الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. لكن في السياق السوري، تبدو الصورة معكوسة. فالأن، وبعد أن شعر نظام الأسد وحلفاؤه بأنهم ضمنوا نصراً أساسياً في الحرب السورية، يحرص الروس على ترجمة الهيمنة على الجبهات العسكرية إلى "تسوية" سياسية تضفي الشرعية على حكم بشار الأسد، في مقابل تنازلات محدودة وشكلية للمعارضة.

في حين أن سورية تحتاج بالفعل إلى "مؤتمر وطني سوري" لإعادة التفاوض على الميثاق الوطني السوري، إلا أن شيئاً من هذا لايبدو مطروحا. فنظام الأسد منذ السبعينيات لم يقم على أساس الشمولية للجميع وتشاطر السلطة، وهو لايبدو مستعداً لتحقيق ذلك الآن. وعلى رغم أن البعض حاول تعلّم بعض الدروس من كيفية إنهاء لبنان المجاور لحربه الأهلية المديدة، وبغض النظر عن مزايا هذه الحالة، إلا أن محادثات سوتشي لن تُسفر عن أي شىء كاتفاق طائف سوري. ذلك أن حكومة لبنان كانت تستند منذ عقود عدة إلى مبدأ مشاطرة السلطة، وكانت المفاوضات في الطائف محاولة حقيقية من جانب كل الأطراف للاتفاق على ترتيبات جديدة حول الحوكمة. هذا في حين أن الروس والأسد، في المقابل، لايريدون في الواقع سوى ورقة تين سياسية.

وهكذا، وحتى لو حقّق  نظام الأسد وحلفاؤه الهيمنة كأمر واقع في المستقبل المنظور، إلا أن التسوية السياسية الحقيقية في سورية لاتبدو في الأفق.