منذ أنشأت تركيا العام الماضي منطقة آمنة في شمال سورية من خلال عملية درع الفرات، لعب التركمان المحليّون، من مدنيين وعسكريين، دوراً أساسياً في الإدارة وعمليات الإغاثة، ما أثار سخط بعض المواطنين العرب هناك، وسط شكاوى من انحياز أنقرة إلى التركمان في توزيع المساعدات والمشاريع التنموية. رغم ذلك، تُركّز التصريحات التركية والتركمانية على ضرورة الحفاظ على وحدة سورية في وجه النزعة الانفصالية الكردية، ولا تتطرّق الى أسلوب الحوكمة محلياً.

بعض هذا الاستياء، ولاسيما من أكراد المنطقة، ناجم عن ارتباط التركمان في الوعي الجماعي بحقبة الحكم العثماني في سورية حيث لعبوا دوراً ريادياً في حكم المنطقة آنذاك. ويشكّل التركمان جزءاً من النسيج المجتمعي السوري والمشرقي منذ أيام الحقبة العثمانية على أقل تقدير، على رغم أن البعض يرى أن أصولهم ترقى إلى زمن الامبراطورية السلجوقية، حينما تمت الاستعانة بهم لمجابهة غزوات المغول خلال القرن الثالث عشر. لكن جُلّ هجرات التركمان إلى سورية سُجِّل في أواخر القرن التاسع عشر تقريباً، لأنهم كانوا "المستوطنين الأقدر على تعزيز الوجود العثماني في المناطق الحدودية السورية"، على حدّ تعبير المؤرّخ البريطاني يوجين روغان. أما اليوم، فالأقلية التركمانية مبعثرة جغرافياً في أرجاء سورية، من مرتفعات الجولان إلى عشرات القرى والبلدات في محافظة حلب الشمالية.

بعد مَقدم الدولة العربية الحديثة، وخصوصاً في ظل حكم البعث في سورية والعراق، تردّى الوضع الاجتماعي-السياسي للتركمان، وانزلق العديد منهم إلى لُجج الفقر، وحُرموا من الحقوق اللغوية والثقافية، واضطرّ بعضهم إلى الانصهار في الثقافة العربية. وهذا يفسّر جزئياً أسباب انضمام التركمان إلى الثورة السورية في العام 2011، ومشاركتهم في مظاهرات حمص وحماه ودمشق، ثم التحاقهم بمجموعات المعارضة المسلّحة للقتال في شمال سورية.

تحمّلت البلدات التركمانية في محافظة حلب الشمالية العبء الأكبر من القصف الروسي في العام 2015، وكانت في قلب الأزمة التركية-الروسية بعد إسقاط طائرة حربية روسية من طراز سوخوي 24 في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام. آنذاك، أدلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريح لـ"سي أن أن أن" مفاده أن النظام السوري يرمي إلى "تطهير المنطقة بأسرها من التركمان"، ووصف هؤلاء بأنهم "إخواننا وأخواتنا" مضيفاً أن لديهم روابط قوية مع تركيا التي ستبذل مافي وسعها لحمايتهم. وجاء هذا التصريح في أعقاب فرار آلاف التركمان من المعارك الدائرة في سورية، ولاسيما في دمشق وحمص، وباتوا لاجئين في لبنان وتركيا، ثم انضم بعضهم لاحقاً إلى الميليشيات التركمانية الناشطة في منطقة درع الفرات، ولاسيما مجموعة السلطان مراد التي تُعدّ أكبر هذه الميليشيات.

بدأ الدعم التركي لتركمان سورية في الفصول المبكّرة للصراع السوري، قبل انطلاق عملية درع الفرات وإسقاط الطائرة الحربية الروسية. سياسياً، ساعدت تركيا في تنظيم المجتمع التركماني، فشكّل المجلس التركماني السوري في 29 آذار/مارس 2013 خلال اجتماع عام عُقد في أنقرة بحضور أردوغان ووزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود اوغلو. وعسكرياً، كانت الميليشيات التركمانية متحالفة على نحو وثيق مع تركيا، خصوصاً ألوية السلطان مراد والسلطان سليمان شاه، والسلطان عثمان، التي باتت اليوم موحّدة تحت إمرة الفرقة الأولى.

أثّرت العلاقة الوطيدة بين تركيا والتركمان على مُدركات العرب في المنطقة. فالعديد من السكان العرب عجزوا عن التفرقة بين القوات التركية والتركمانية، وفقاً لما ذكره صحافيان تمّ التواصل معهما في جرابلس والباب. وهكذا، غالباً ما كان بعض العرب يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن التركمان بوصفهم "العلويين الجدد"، في إشارة إلى الأقلية التي يتحدّر منها الرئيس السوري بشار الأسد، والتي يُنظر إليها على أنها تتمتّع بامتيازات خاصة. وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، أثارت صور لقوات درع الفرات، يظهر فيها المقاتلون التركمان وهم يضعون ربطات يد زرقاء ترمز إلى علمهم الإثني، في حين يضع المقاتلون العرب ربطات يد حمراء، المزيد من التساؤلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول التمييز التركي لصالح التركمان.

غير أن هذا الاتهام، بالنسبة إلى التركمان، تحريضي إلى حدّ كبير، إذ يؤكدون أنهم يعامَلون على قدم المساواة. وأكدّ أحد السياسيين التركمان، الذي يتنقّل كثيراً بين المنطقة وغازي عنتاب في تركيا أنه "حتى في التعليم، نُعامل سواسية من دون استثناءات". بيد أن العرب الذين تحدثتُ معهم وهم في الغالب من أصول قبلية، يشدّدون على أنه، نظراً إلى اللغة المشتركة والقرابة العرقية مع الأتراك، أخذ التركمان زمام المبادرة في سوق العمل الصغيرة في المنطقة، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على المساعدات، ومعظمها من تركيا.

على سبيل المثال، تحولت بلدة الراعي، وهي بلدة تركمانية قريبة من الحدود، إلى مركز للخدمات المُقدّمة للمنطقة، لتحل محل مراكز سكانية أكبر مثل الباب. وقد ساعدت تركيا على بناء وتجهيز معبر حدودي جديد في الراعي، مع مرافق تخزين جديدة مخصصة للمساعدات الإنسانية، ووضعته تحت سيطرة فرقة السلطان مراد التي يقودها التركمان. وسرعان ما قامت السلطات التركية برفع تصنيف المعبر من الفئة "ب" إلى الفئة "أ"، في إشارة إلى أنه سيلعب دوراً أساسياً في المنطقة، ما أدّى إلى تفاقم التوترات بين التركمان والجماعات المسلحة العربية التي تسيطر على المعبرين الحدوديين في جرابلس وباب السلامة، اللذين يُعتبران مصدر التمويل الرئيس لهذه الجماعات. يشار هنا إلى أن اشتباكات اندلعت بين جماعة مسلحة هي الجبهة الشامية وفرقة السلطان مراد خلال الأسابيع الأخيرة حول السيطرة على هذه المعابر.

مع ذلك، كان للقادة التركمان من المنطقة رأي مختلف حيال هذه المسألة، فقد قالوا إن البلدات والمدن العربية تحظى باهتمام مماثل، إن لم يكن أكبر، ويَظهر ذلك على شكل مساعدات ومشاريع تنموية. كما ذكروا أن سماح تركيا للحكومة المؤقتة للمعارضة السورية، بقيادة رياض سيف، بلعب دور في إدارة المنطقة، يوضح الاهتمام الخاص الذي توليه تركيا لوحدة سورية. غير أن الأكراد يرون أن هذه السياسة موجّهة ضد المناطق الكردية المجاورة المتمتعة بحكم ذاتي، بدلاً من أن تكون منشغلة حقيقةً بوحدة البلاد.

ينظر الأكراد إلى التركمان على أنهم مظهر من تمظهرات العثمانية الجديدة في السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. وتهدف هذه السياسة إلى إعادة بسط نفوذ أنقرة في المنطقة، مشدّدة على الروابط بين الإسلاميين، ومحافظةً على السردية القومية المتمثّلة في الدفاع عن الأقليات التركية في الخارج. وتفاقم هذه الرمزية العثمانية المخاوف الكردية، خاصة مع تزامن إطلاق أنقرة لعملياتها في سورية مع ذكرى الغزو العثماني لهذا البلد في القرن السادس عشر. ويطلق التركمان أيضاً على ميليشياتهم أسماء السلاطين العثمانيين. وتتحدث شائعات عن وجود خطط تركية لنقل مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني الأويغوري وعائلاتهم، الموجودين حالياً في محافظة إدلب، إلى مناطق أكثر أماناً خاضعة إلى سيطرة تركيا في سورية. وعلى الرغم من أن هؤلاء مرتبطون بهيئة تحرير الشام، إلا أنهم ينظرون إلى الأتراك على أنهم إخوة العرق. ومع ذلك، لاتزال أخبار انتقالهم المقبل غير مؤكدة.

الأكراد محقّون في قلقهم، فالخطاب المناهض لهم الذي يُسمع في المناطق الخاضعة إلى سيطرة تركيا في شمال سورية لاينفكّ يتصاعد، فضلاً عن التصعيد العسكري الحاصل حالياً. وبالنسبة إلى الأكراد، لاتتمثّل المسألة في ما إذا كان الصراع مع الميليشيات التركمانية سيحدث، بل بالأحرى متى.