عُيِّنَ طارق شوقي وزيراً للتعليم في مصر في شباط/فبراير الماضي، وانضمّ بذلك إلى كوكبة من التكنوقراط في حكومة لاتتميّز بنزعة الشجاعة والإقدام. ومنذ ذلك الحين، كان الرجل يتحدّى كل شيء في نظام التعليم المصري، فينتقد المعلمين، والامتحانات، وأصول التربية والتدريس والكتب المدرسية (ليس الكتب المُقررة الراهنة فقط في مرمى انتقاداته، بل حتى أيضاً فكرة الكتب المُقررة ذاتها). ومع كلقنبلة لفظية يلقيها، كان يتحدّى ليس الممارسات المتجذرة منذ أمد بعيد وحسب بل أيضاً قوىً راسخة وحصينة.

استهدافه الأول كان نظام الامتحانات الذي يقوم عليه النظام التعليمي المصري. فالامتحانات الدورية والشهادات تُتوّج بامتحان الثانوية العامة الذي يُختبر فيه الطلاب بسيل حاشد من المواضيع. والعلامة التي يحصلون عليها لاتُحدّد فقط ما إذا كانوا سينجحون أو يرسبون، بل أيضاً المواضيع التي قد يدرسونها في نظام الدولة الجامعي. الامتحان (وماقبله من امتحانات كتلك التي تُجرى في نهاية الصف السادس)تقف في وجهه جحافل من النقاد الذين يدينونه لكونه يقوم على مجرد الاستظهار المُتكرر، ويفرض ضغوطات هائلة وغير مناسبة على الفتية اليافعين، ويشجّع التلاميذ على دراسة المواضيع في المستوى الجامعي استناداً إلى مستوى الدرجة التي نالوها في الامتحان، لا انطلاقاً من اهتماماتهم وقدراتهم.

علاوةً على ذلك، ولّد التوتر من الامتحانات فساداً أيضا. فالمعلمون يؤجّرون أنفسهم خارج المدارس لتقديم الدروس الخصوصية، مقابل بَدَلْ، حيث يُدربون التلاميذ على الاختبار، ويحوّلون بذلك التعليم من الصفوف المدرسية التي تدعمها الدولة إلى سوق ضبابي سيء التنظيم، تشعر العائلات في خضمّه بأنها مُجبرة على إنفاق المال لضمان نجاح أولادها.

في المقابل، تدعو رؤية شوقي للتعليم إلى تزويد الشباب بمهارات الابتكار والإبداع والتفكير النقدي. ويعتقد أنه بإلغائه شهادة المدرسة الابتدائية ونظام امتحانات الثانوية العامة، ستنشأ صفوف لايركّز فيها الطلاب والمُربون فقط على الدرجات النهائية، بل كذلك على تعلّم وتعليم المعرفة والمهارات الضرورية لتحقيق الانضمام الناجح إلى المجتمع، والمساهمة في بناء الاقتصاد المصري.

يعترف شوقي بمدى الجهد الكبير والعمل والزمن المطلوب لوضع هذه السياسات موضع التطبيق، فيما يتوجّس الكثيرون من طبيعة رؤيته للنظام التعليمي. فأعضاء لجنة التعليم في البرلمان يسِمُون رؤية شوقي باللاواقعية ويقولون إنها تستند إلى سياسات لاتوجد إلا "في أحلامه"، وبالتالي "لايمكن تطبيقهاعلى كوكب الأرض". كما انصبّت الانتقادات على شوقي نفسه قائلة إنه غير مناسب لتبوؤ هذا المنصب، نظراً إلى أنه يفتقد إلى الخبرة في وزارة التعليم. ثم أن نقّاده يشدّدون على أن شخصاً من داخل الوزارة سيكون أقدر منه على إدارة شؤونها (وهو موقف شائع في مصر، حيث يأتي الوزراء عادة من البيروقراطيات والهياكل نفسها التي يُطلب منهم ترؤسها). أما شوقي فهو أمضى حياته المهنية خارح نظام الدولة التعليمي، وعمل في مؤسسات على غرار اليونيسكو والجامعة الأميركية في القاهرة.

أعرب الوزير الجديد عن قناعته بأن مصر تحتاج إلى بذل الاهتمام بالمُربين على المستويين النوعي والكمّي، وقال إن البلاد لاتحتاج فقط إلى المزيد من المُدرسين، بل أيضاً إلى التركيز على عمليات التدريب وأصول التربية والتعليم. وكجزء من رؤيته لتحسين التعليم في السنة الدراسية 2017-2018، التي سيلتحق خلالها زهاء 22 مليون تلميذ مدارس الدولة، طوّر شوقي مبادرة على الشبكة العنكبوتية أطلق عليها اسم "المعلمون أولا". تهدف هذه المبادرة إلى تدريب المعلمين على استخدام تكنولوجيات الكومبيوتر في التعليم، واختار القيّمون عليها 10 آلاف معلّم لتدريبهم. ويأمل شوقي أن يصل بذلك إلى مليون متعلم وطالب.

لكن، في حين يصف الوزير مبادراته على أنها داعمة للمعلمين، إلا أنها لاتُعتبر دوماً هكذا. ففي مقابلة، نُسِبَ إلى شوقي قوله إن نحو نصف المعلمين في وزارته "مُحتالون" والنصف الآخر "غير أكفاء". وعلى الرغم من أنه نفى أن يكون قال ذلك، إلا أن هذا أشعل إوار الجدل والمساجلات. والواقع أن عدداً من المعلمين أعربوا عن إحباطهم وفكّروا برفع دعاوى قضائية على الوزير.

حمل شوقي أيضاً على الكتب المقررة، وقال إنه يمكن تعليم مواضيع مهمة من دون تزويد الطلاب بالكتب المجانية التي كانت قوام الحياة المدرسية وأصول التربية والتعليم في مصر لعقود عدة. بدلاً من ذلك، يمكن للمدارس أن تتحوّل نحو الموارد والنصوص على الإنترنت. وأوضح الوزير أن هدفه هو تقليص الكتب المقررة بنسبة 70 في المئة في السنة الدراسية التالية، لتشجيع دمج التكنولوجيا المُتقدمة بوسائل التعليم وتقنياته. هذا علاوة على أن الانتقال إلى الكتب على الإنترنت، يعتبر أيضاً ضرورياً لتشجيع الاستثمار في المداخل العامة والخاصة إلى الإنترنت في المناطق النائية في البلاد. لكن الطريف هنا أن هذه الحاجة موجودة حتى في مسألة تكنولوجيا الكومبيوتر، حيث يُدرَّب الآن الطلاب على كيفية استخدام العقل الإلكتروني عبر كتب مُقررة مطبوعة، وبالتالي فهم غير قادرين على وضع هذه الدروس التي يتلقونها موضع التطبيق على الأجهزة الفعلية.

هذا الاقتراح له أنصاره بالتأكيد، لكنه واجه كذلك انتقادات مبدئية. ذلك أن الدخول إلى الموارد على الإنترنت ليس شائعاً في مصر، وينتاب القلق البعض من أن المدارس التي تخدم المناطق الريفية أو الطلاب الفقراء ستقع ضحية هذه القسمة الرقمية. كما أنه (الاقتراح) يتناقض مع بعض المصالح المادية، إذ تُعتبر طباعة الكتب المدرسية المُقررة من الصناعات الكبرى. وهكذا، يوازن من يخشون سحب البساط من تحت أقدام المطابع المدعومة من الدولة أولئك الذين يتطلّعون إلى تحقيق توفير كبير. ففي البرلمان، أعلن هاني أباظة نائب رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي، أن المدارس لايمكنها العمل على المدى القصير من دون الكتب المُقررة، وأنه لتحقيق دمج ناجح للتكنولوجيا في التعليم، يجب أن يكون هذا الانتقال تدريجياً لا سريعاً أو مفاجئا.

في حين أن تُعتبر الاختبارات، والمعلمون، والكتب، أهدافاً ضخمة، إلا أن ثمة مساحات أخرى مثيرة للجدل يتعيّن على شوقي مواجهتها. وهذه تشمل الاشتباكات حول المبادرة التعليمية اليابانية، والتنظيمات الخاصة بالمدارس الدولية، وحتى العلم المصري.

ففي إطار مبادرة الشراكة المصرية اليابانية، كان يفترض أن يُطبّق نظام التعليم الياباني (توكاتسو بلس) في 45 مدرسة، بدءاً من السنة الدراسية 2017-2018. لكن في أواسط تشرين الأول/أكتوبر، أعلن وزير التعليم المصري أنه سيتمّ تأجيل هذه المبادرة لعام آخر. هذا التأجيل، وفق شوقي، استهدف توفير مزيد من الوقت للقيام بتقييم أكثر تعمّقاً للطلاب والأساتذة، وكذلك لوضع اللمسات الأخيرة على بناء وتأثيث المدارس. وقد ندّد شوقي بالشائعات التي تحدثت عن أن سبب التأجيل كان في الواقع بروز خلافات بين مصر والسلطات اليابانية، وشدّد على أن المُبتغى كان تحسين نوعية المدارس التي يجري بناؤها.

علاوةً على ذلك، فرضت وزارة التعليم عقوبات على نحو 47 مدرسة دولية لارتكابها مخالفات قانونية مختلفة. وعزّز شوقي هذه الخطوة بوقف منح التراخيص لأي مدرسة دولية جديدة، قبل أن تُسوّى القضايا مع المدارس الراهنة.

نشبت مشكلة خلافية أخرى بعد أن صدر أمر وزاري في أوائل تشرين الأول/أكتوبر، يتطلّب من طلاب المدارس "احترام العلم المصري، وإلا قد يمضون وقتاً في السجن". وينص هذا الأمر على أن التهكّم على العلم المصري ستكون عقوبته السجن أو دفع غرامة قدرها 30 ألف جنيه (نحو 1700 دولار)، من دون أن يعرّف الأمر السلوكيات المُحددة التي تشكّل عدم احترام للعلم.

كل هذه القضايا المثيرة للجدل جذبت الاهتمام نحو الوزير الجديد. فتصريحاته اخترقت التعهدات الغامضة والمُبتذلة التي كانت تغشى سابقاً الخطاب الوزاري، كما أنها شجبت بشكل لادبلوماسي، لا بل لاذع أيضاً، الوقائع القائمة. لكن شوقي لم يبرز في خضم هذه العملية كرجل شجاع وصريح وحسب، بل أيضاً بوصفه شخصية تسعى إلى زعزعة أسس الطرائق المعتادة لتنفيذ الأمور، مثيراً بذلك حفيظة أصحاب مصالح بارزين.

لكن في نهاية المطاف، لن تكون المصالح الراسخة هي من يدفعه إلى ارتكاب الأخطاء، بل الحقائق الصلدة. فنظام التعليم المصري شُيٍّدَ لخدمة حاجات قطاعات واسعة ومتزايدة من السكان في بلد مُفقَر. لكن، مثله مثل معظم خدمات الدولة، يفتقر هذا النظام بشدة إلى الموارد، وهو تطوّر في بيئة تفرض التضحية بالنوعية على مذبح الكمية.

ثم، هناك على حوافيه مروحة واسعة من الآليات الخاصة التي برزت لخدمة أولئك القادرين على السعي- والحصول على- تعليم أفضل لأولادهم، على غرار الدروس الخصوصية، والمدارس الخاصة، التي تسبّب كلها مجتمعة كوكتيلاً من المتاعب. فالوزارة تسيطر بشكل متباين على مثل هذه الأمور، وأي وزير يتخذ خطوات للدخول إلى هذه المجالات، يخاطر بالإخلال بهذه الحلول المؤقتة، ويُحمّل مسؤولية الأجزاء في النظام التي تكون فيها أدواته محدودة الفعل والفعالية.

هناك بعض الإجراءات التي يستطيع شوقي القيام بها بنفسه، وهو فعل. فبسبب طرائق التعليم غير المناسبة في مواضيع التربية الفنية (الرسم) والكومبيوتر، سيتم اعتبار هذه المواضيع مواد نجاح ورسوب، لاتضاف إلى المجموع النهائي. كما وضع شوقي لوائح أنظمة تركّز على فرص العمالة للشباب، من بينها نظام يفرض أن يكون 80 في المئة من المساعدين والمعاونين الجدد للوزير من الشباب.

على أي حال، السؤال الذي يفرض نفسه الآن في مسألة التعليم المصري هو ما إذا كانت رؤية شوقي العاصفة ستتمخض عن تغييرات أساسية، أم أن القوى التي تصطف لمقاومة الإصلاح ستجبر الوزير في خاتمة المطاف على القيام باعترافات حزينة، كما فعل ذلك الدبلوماسي السوفياتي المُتعب في مسرحية " A Walk in the Woods في العام 1987، حين شرح موقف رؤسائه منه بقوله: "أنا أسير بحذر شديد كمن يمشي فوق قشر البيض، لكنهم في وطني يعتقدون الآن أني كنت.. نشطاً بشكل فظيع هذا العام".