وليد جنبلاط | نائب في البرلمان اللبناني، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي

تساورني الآن شكوكٌ أكثر من أي وقت مضى حول إمكانية أن يكون لبنان مستقلاً، وذلك بسبب الأوضاع الراهنة في البلاد التي أصبحت مسرحاً للصراع على مصالح إقليمية ودولية متنافِسة.

تساورني الآن شكوكٌ أكثر من أي وقت مضى حول حظوظ لبنان ليكون مستقلاً ويسلك مساراً يصب في مصلحة أبنائه، وذلك لسبب بسيط يتمثّل في الروابط المتجذّرة بين معظم الأحزاب السياسية والطوائف في البلاد.

تساورني الآن شكوكٌ أكثر من أي وقت مضى حول الفرصة المتاحة أمام لبنان ليكون مستقلاً ومتحرراً من اللامساواة الاجتماعية الشديدة الناجمة عن جشع المصارف والفساد المستشري لدى الطبقة الحاكمة، من دون استثناء.

تساورني الآن شكوكٌ أكثر من أي وقت مضى بأننا لن نبادر إلى الاستجابة، على وجه السرعة، للحاجة إلى الاستقلال والتحرّر من التلوّث الذي يدمّر طبيعتنا وبحرنا ومياهنا وهواءنا وصحتنا بسبب غياب السلوك المتمدّن لدى معظم اللبنانيين.

إذن ليس عيد الاستقلال سوى مجرد تكرار، سنةً تلو الأخرى، لعرضٍ بائد يُحييه الممثّلون أنفسهم، أو ممثّلون جدد.


 

فارس ساسين | أستاذ متقاعد في مادة الفلسفة في الجامعة اللبنانية، شارك مع غسان تويني ونواف سلام في تأليف "كتاب الاستقلال بالصور والوثائق" (صادر عن دار النهار باللغتَين العربية والفرنسية)

منذ نال لبنان استقلاله في العام 1943، وحتى قبل ذلك، في عهد المتصرفية من 1861 إلى 1920، كان الشرط الرئيس لقيام لبنان واستمراره توافق الدول الكبرى جميعاً على وجوده. وأمّن هذا التوافق الحماية للبنان من عدائية جيرانه ومن النزاعات الداخلية التي يمكن أن تؤدي إلى تفجيره وتفتيته.

ويمكننا الاستنتاج في المقابل أن الشرط الآخر للاستقلال، وهو بلا أدنى شك الأهم، يتمثّل في وحدة المكوّنات المختلفة التي يتألف منها لبنان. تلك المكوّنات، التي تشكّلت في البداية في الإمبراطورية العثمانية، ونمت في ظل الانتداب الفرنسي والجمهورية اللبنانية، هي الطوائف الدينية التي يرتدي بعضها أهمية أكبر من سواه. غير أن العامل الجديد، مع العلم بأنه ليس جديداً بالكامل، هو ولاء هذه الطوائف، أو بالأحرى ولاء "ممثّليها" السياسيين المهيمِنين، لبلدان أخرى في المنطقة تنغمس حالياً في حمأة عداوات حادة بينها.

لهذا السبب لايستطيع لبنان، على الرغم من أنه إنجاز تاريخي عظيم لجميع سكّانه من نواحٍ عدّة، أن يكون مستقلاً في غياب طوائف منقسمة على ذاتها وتحالفات بين أقسامها، ومن دون جيلٍ جديد يحمل لواء الدفاع عن وطنٍ يعيش فيه المواطنون بحرية ومساواة، ويسمون هم فيه فوق الولاءات الفئوية. هذا الجيل المدني الجديد هو بالضرورة أوسع انتشاراً من حلقة مثقفين وأوسع شعبيةً منها، لأنه منخرط في النضال ضد الفساد والاستغلال، ويتطلّع إلى توفير مزيد من فرص العمل لشريحة أكبر من السكّان. وعلى هذا الجيل أن يدرك أيضاً أنه من واجب لبنان امتلاك استراتيجية دفاعية تبرّر وحدها احتكار الدولة لوسائل العنف، وتمكّنها من فرض سلطتها على جميع الأفرقاء.


 

ليلى فواز | أستاذة كرسي عصام فارس للدراسات اللبنانية والشرق أوسطية في كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، مؤلِّفة كتاب ":A Land of Aching Hearts 
The Middle East in the Great War
" (أرض القلوب المتألمة: الشرق الأوسط في الحرب الكبرى)، (مطبوعات جامعة هارفرد، 2014). حازت في العام 2012 على وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة فارس

حكاية لبنان هي حكاية ملتقى وتسويات. هذه تبدو مقولة بديهية، لكنها تستحق التوقف عندها في مناسبة عيد الاستقلال هذا الأسبوع. تقع هذه الأرض، وهذا الشعب، وهذه الدولة، عند التقاء العالمَين الغربي والعربي، والقديم والحديث، وكذلك عند التقاء أديان متعددة. وتقاطع موجات المدّ والجزر هذه وطّد التسوية التي يرتكز عليها المجتمع اللبناني الحديث.

لم يكن اللبنانيون على الدوام الفاعلين الأساسيين. فتسوية 1861، عندما خضع جبل لبنان إلى حكم مسؤولٍ عثماني غير مسلم، في عهد المتصرفية، لم يتم التفاوض عليها فقط بين المركز العثماني والأطراف اللبنانية، بل شارك فيها أيضاً أفرقاء خارجيون. والطموحات المحلية التي ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى لم تتحقق في ظل نظام الانتداب بعد الحرب. حتى الاستقلال في خضم الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة تسوية، لكن التاريخ لايقدّم مساراً واحداً نحو السيادة.

يستحق الأمر عناء النظر في هذه المسارات التاريخية اليوم فيما يبدو لبنان مهدَّداً من أزمة أخرى تُحدِق به من الخارج. الالتباس السياسي هو سمِة من سمات هذا العصر، في العالمَين الغربي والعربي على السواء، وبالتالي فإن الصورة البانورامية لاتُغيِّر في مشهد الساحات السياسية المختلفة. بدلاً من ذلك،  ربما يجب أن ننظر إلى الوراء، ونتذكر أن الأشخاص الذين تتألف منهم هذه الدولة الحديثة صُبِغوا في منبع العصور القديمة الذي كانت عليه مدينة صور.


 

ويليام هاريس | أستاذ مادة السياسة في جامعة أوتاغو، نيوزيلندا، ومؤلف كتاب ":Lebanon
A History, 600–2011
" (لبنان: تاريخ، 600-2011)، (مطبوعات جامعة أكسفورد)

طبيعة لبنان كخليط من الأقليات الطائفية والسياسية، تجعل من الصعب على أي فريق داخلي أو قوة خارجية إحكام قبضتها عليه واختطاف "استقلالية" الدولة. والموقع المركزي الذي تشغله البلاد في الشرق الأوسط يضع أي فريق طامح إلى فرض هيمنته عليها في مواجهة قوى إقليمية وكبرى أخرى. ربما لايستطيع أحد أن يكرّر السيطرة التي مارسها النظام السوري عن طريق الوجود المباشر في الظروف الخاصة التي سادت في التسعينيات ومطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

الآن، حزب الله وإيران يمارسان تأثيراً طاغياً في الدولة والأجهزة الأمنية، في حين سعت السعودية إلى الرد عن طريق رئيس الوزراء السنّي والطائفة السنّية. استقلال لبنان يمنحه مساحة محدودة للمناورة وسط مجموعة القوى هذه التي هي أشبه بحديقة حيوانات برية، حتى ولو كان يتيح ممارسة مزايا السيادة الفعّالة جداً في الواقع، وإن كانت نظرية أحياناً، ويؤمّن العضوية في نادي المجتمع الدولي.

التأثير الإيراني معرَّض في نهاية المطاف إلى التراجع أمام تراكم الاستياءات، ومعه كلّ من مسألة حزب الله الذي هو أقلّية دائمة في لبنان، والامتداد الاستراتيجي الإيراني المُستَنْزِف في العراق وسورية. من الأفرقاء المنافِسين لإيران حليفتها روسيا التي تتولى بحسد حراسة الدور الإيراني القيادي في غرب سورية. يستطيع لبنان مقاومة المساعي الهادفة إلى التحكُّم به، إذا تحلّى قادته بالشجاعة الضرورية والاستقلالية الذاتية، وقد أظهر أن بإمكانه إدارة الشلل. ربما ليس لاستقلال لبنان وزنٌ كبير، لكن أكراد العراق يتوقون للحصول على استقلال مماثل.


 

مارك جعاره | ناشط ومرشح على لائحة بيروت مدينتي في الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2016

كما في كل عام في ذكرى الاستقلال، يتساءل اللبنانيون أيّ نوعٍ من الاستقلال هذا الذي يحتفلون به! للسؤال نكهة خاصة هذا العام، بعد احتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، على مايبدو، في السعودية رغماً عن إرادته. غير أن العام 2017 يأتي بعد الأعوام 2013 و2015 و2016 عندما تحرّك المجتمع المدني ضد سلوك طبقة سياسية منقسمة حول ولاءاتها الإقليمية والدولية، لكنها اجتمعت، في الوقت نفسه، على نهب مقدّرات البلاد. لقد عمد النواب مرات عدة إلى تمديد ولايتهم خلافاً لأحكام الدستور، وترك السياسيون البلاد تغرق بالنفايات في العام 2015 لأنهم لم يستطيعوا الاتفاق على تقاسم الحصص في تجارة جمع النفايات التي تدر أرباحاً طائلة، وخاضوا متّحدين معركة ضد المجتمع المدني في الانتخابات البلدية التي شهدت منافسة شديدة في بيروت وعدد كبير من البلدات والقرى في العام 2016. ولّدت كل هذه الأحداث والمحطات أجواء مختلفة في البلاد. ربما لم يحن أوان الربيع بعد، لكن لعله الشتاء الذي يسبقه.

بلغ اللبنانيون مرحلة النضوج التي تتيح لهم الاستقلال عن القادة الذين لم يستطيعوا أن يؤمّنوا لناخبيهم الحد الأدنى من الخدمات. نشعر بأن مقوّمات التحرر متوافرة، وبأن جل ماتحتاج إليه هو عامل محفِّز. فهل يكون هذا العامل المحفّز هو المجتمع المدني الذي قد يتحوّل في نهاية المطاف إلى قوة سياسية موحَّدة للتغيير؟ التحدّي صعب، لكنه يستحق عناء المحاولة!