سيذكر التاريخ أن شهر تشرين الثاني/نوفمبر سطّر النهاية الفعلية للصراع المسلّح في سورية، وشكّل بداية التحرّك نحو تسوية سياسية ستسمح لنظام الأسد على الأرجح بالحفاظ على قدرٍ كبير من السلطة. فعوضاً عن إرغامه على تقديم التنازلات، أتاحت له آليات الحرب والدمار، بما في ذلك الحملة ضد الدولة الإسلامية، عرقلة أي مرحلة انتقالية، وتدمير نظام ما قبل الحرب، وإرساء نظام جديد مكانه يمكّنه من البقاء والاستمرار.

تُعزى جذور تدمير سورية إلى فقدان نظام الأسد سيطرته على جزء كبير من البلاد في صيف العام 2012، حين بات واضحاً أنه غير قادرٍ ببساطة على سحب خصومه من الشارع وكتم أصوات المعارضة. وفي غضون أشهر ليس إلّا، احتدمت الحرب، وأحكمت فصائل المتمردين سيطرتها على جيوب من الأراضي، وانسحب النظام من المناطق التي يقطنها الأكراد، فاكتسب الصراع تدريجيّاً أبعاداً عديدة، وانخرطت في لججه جهات فاعلة محليّة وإقليمية ودولية، ما خلّف دماراً هائلاً في البلاد.

دمّرت البراميل المتفجّرة التي ألقاها النظام على المناطق الواقعة في قبضة المعارضة بشكلٍ ممنهج أحياء بكاملها في المدن السورية الأكثر اكتظاظاً. وأدّى القتال إلى تهجير أكثر من نصف سكان البلاد، وساهمت مروحة واسعة من القوى في الدمار الحاصل، سعياً إلى تحقيق أهدافها الخاصة. كذلك، أحرزت المجموعات الجهادية تقدّماً ميدانياً، ففي صيف العام 2014 أقام تنظيم الدولة الإسلامية الخلافة المُعلنة ذاتياً في سورية والعراق، ما استتبع تدخّلاً عسكرياً شنّه تحالف بقيادة الولايات المتحدة، ترافق مع حملات قصف هوجاء. وقد ساعد القصف الروسي الذي بدأ في العام 2015 النظام في استعادة مناطق واقعة تحت سيطرة المعارضة. وبعد عام، جاء دور تركيا التي نشرت قواتها في شمال سورية لدعم فصائل المعارضة، وعرقلة تقدّم وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمّال الكردستاني.

أفادت معظم الجهات المنخرطة في الحرب السورية من الدمار الذي لحق بالبلاد، إلا أن العديد من هذه الجهات لقيت حتفها في نهاية المطاف، كتنظيم الدولة الإسلامية الذي يُعدّ آخر وأبرز مثال على هذه الظاهرة. أما النظام فهو الوحيد، من بين الأطراف المنخرطة في الدمار، الذي نجح في الصمود حتى الآن، على الرغم من قدراته العسكرية المحدودة.

وفّرت الحرب للنظام السوري وسيلة لخوض غمار عملية الانتقال من مرحلة ما قبل الحرب إلى مرحلة جديدة. ومن خلال تدمير البيئة التي يُمكن لمعارضيه العمل فيها، أسفرت الحرب عن انتفاء أي نظير يحتاج إلى التفاوض معه. وهذا، كبح الدمار جماح المفاوضات، ومكّن النظام من البقاء في السلطة.

من هذا المنظور، لم يكن الهدف من الدمار المادّي عسكرياً بقدر ما كان عاملاً أساسياً في النزاع السياسي الرامي إلى كسب الحرب. فقد صمد النظام في وجه الدمار الذي لحق بالنسيج الاجتماعي والهياكل المادّية في سورية، وبالتالي كانت له اليد العليا لتوجيه جهود إعادة الإعمار، وإدارة عملية عودة السكان، ووضعهم في حالة التبعية إلى الدولة، وضخّ الأموال بين دمشق والمدن السورية عبر وسطاء جدد موالين له، وتمكين شخصيات جديدة في مجال الأعمال. كما اضطر المجتمع الدولي إلى التعامل مع النظام من أجل حل أزمة اللاجئين الهائلة .

لكن بدلاً من إظهار إبداع النظام في تنظيم وتنسيق الصراع، لم يُثبت الحجم الضخم للأضرار، التي لم يكن من مفر منها لضمان إبقاء قبضته على السلطة، سوى مدى ضعفه. وبما أنه لم يستطع التأقلم لتلبية مطالب مواطنيه، استغل النظام أدوات الحرب لتغيير البيئة المحيطة. وفي مواجهة محدودوية قدراته، لم يكن أمامه من وسيلة للفوز إلا بتدمير النظام القائم قبل الحرب في سورية. حلب، وحمص، ودير الزور، وداريا، وعلى الأرجح الرقة، التي تضررت كلّها بشكل هائل، عادت الآن إلى أيدي النظام أو من المرجح أن تعود، ما يفسح المجال أمامه لتولي عملية إعادة إعمارها. وقد كان لركام الحرب أثر منطوٍ على مفارقة تمثّل في تعزيز قدرة النظام على استعادة السيطرة على مناطق لم يكن بمقدوره الدفاع عنهها عسكرياً في العام 2012.

ربما تكون حلب هي المثال الأفضل على ذلك. فهي مدينة خسرها النظام ولم يتمكّن من استعادها إلا بعد إزالة العديد من أحيائها، ولاسيما تلك الموجودة في النصف الشرقي، (هذا الدمار الذي لم يساهم فيه النظام وحسب، بل أيضاً الجهات الفاعلة السياسية الأخرى، بما فيها مجموعات المعارضة). ولأن طبقة رجال الأعمال تخلت عن المدينة، أقام النظام علاقات جديدة هناك من خلال شبكة جديدة من الشخصيات العاملة في مجال الأعمال .

النقاش حول إعادة إعمار سورية غالباً ما يبدأ من نقطة إعادة النسيج المادي والاجتماعي السوري إلى ماكان عليه قبل الحرب. بيد أن إعادة الإعمار ليست قضية تقنية بحت. إذ أن المواقع التي تحتاج إلى إعادة بناء، في مقابل تلك التي بقيت على حالها طوال سبع سنوات من القتال، كانت حصيلة قرارات اتّخذتها الجهات الفاعلة بشأن ما يجب تدميره. وبغض النظر عن كيفية تدفق التمويل المخصص لإعادة الإعمار إلى سورية، يُطبخ نظام جديد على نار هادئة منذ انهيار نظام ما قبل الحرب، وربما لن يكون للترتيبات الاقتصادية أو الاجتماعية التي كانت قائمة قبل العام 2011 من وجود بعدها .

لايكمّل الدمار وإعادة الإعمار بالضرورة بعضهما البعض تماماً، بحيث يتبع أحدهما الآخر بسلاسة. بل على العكس، إذ حلت دورة التدمير والبناء محل عملية انتقال سياسي متعثّرة في سورية، وتطوّرت في سياق حرب لم يفز بها أي من الطرفين. وفي كثير من الحالات، يتمّ دمج هذه الدورة في إطار الأهداف السياسية للنظام، ماخلق بيئة خصبة يمكنه الصمود فيها على الرغم من أوجه قصوره.