زياد ماجد | بروفسور مشارك في الجامعة الأميركية في باريس، ومؤلف كتاب Syrie, La Révolution Orpheline ، أو "سورية: الثورة اليتيمة"، والمؤسس المشارك، ثم المنسّق، للشبكة العربية لدراسة الديمقراطية

لم تنته الحرب في سورية. لكن حقبة منها صارت خلفنا، تلك التي كان معسكراها الرئيسان النظام (وحلفاؤه الإيرانيّون والميليشيات الشيعية والروس) والمعارضة المسلّحة غير الجهادية - على اختلافاتها وتناقضاتها- التي أضعفها الروس وعزلوها خلال عامين من تدخّلهم الحربي .

الخريطة السورية المفتّتة اليوم، والاحتلالات الأجنبية، والأجندات السياسية المتنابذة قد تولّد مواجهات جديدة: في إدلب، حيث "فتح الشام" (جبهة النصرة سابقاً) هدف معلن لأكثر من طرف على غرار روسيا والولايات المتّحدة والعديد من القوى المحلّية؛ وفي الشمال والشمال الشرقي السوري، حيث التوتّر بين تركيا والقوى الكردية قد يتطوّر الى صراع مسلّح؛ وفي الشرق، حيث التسابق على الهيمنة على مساحات واسعة من الأراضي بين النظام والميليشيات الشيعية الموالية لإيران، من جهة، والقوى الكردية، من جهة ثانية، قد يتحوّل الى صدام عسكري مباشر . ومن الممكن أن تترافق، في العديد من المناطق في سورية، مع قيام مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية المهزومين بتفجير سيارات مفخّخة وتنفيذ عمليات انتحارية، أو مواجهة قوات النظام، في محيط العديد من مناطق المعارضة المحاصرة، ما لم تُرفع حالات الحصار المفروض منذ سنوات .

يضاف إلى ذلك أن الحرب في سورية تستمرّ اليوم عبر أربع ديناميكيات، وهي: أولاً، قصف النظام الدوري للمدنيين والمنشآت الصحية في مناطق المعارضة؛ ثانياً، الاعتقال والإخفاء القسري لمئات الآلاف من المواطنين والمواطنات، مع العلم بأن أكثر من 90 في المئة منهم في سجون النظام؛ ثالثاً، التهجير داخل سورية واللجوء خارجها الذي يُصيب الملايين؛ رابعاً، التدمير الذي تتسبّب به "سياسات التنظيم الحكومي المدينية" والذي يطال أحياء في دمشق وحلب وحمص بخاصة، مغيّراً على نحو منهجي وتدريجي نسيجها الاجتماعي.


 

رولا جبريل | أستاذة في علوم الاتصالات في جامعة ميامي

وصلت العمليات العسكرية الرئيسة في سورية إلى نهايتها فعلياً، ما مهّد الطريق لنجاة نظام الأسد على المدى القريب، الذي بدا موقفه في مرحلة ما متقلقلاً. للمحافظة على سلطته، اعتمد النظام على مساعدة قوى أجنبية، بما فيها روسيا وإيران وحزب الله. لكن المنتصر الحقيقي في الحرب الأهلية السورية هو روسيا، والنجم الأبرز هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك بعد أن ساهم الجيش الروسي في ترجيج كفة الميزان لصالح الأسد.

هذا يعني أيضاً أن سورية اليوم مملوكة فعلياً لروسيا، وسيكون بوتين الوسيط في أي ترتيبات سياسية ذات صلة والضامن لها في الوقت نفسه. حتى محادثات جنيف "للسلام" ستكون من صنع روسيا. ومن يعتقد أن المعارضة السورية يمكن أن تحقق من خلالها شيئاً كانت عجزت عن تحقيقه عسكرياً على الأرض، يكون واهماً .

أما الولايات المتحدة، فأفضل خيار أمامها هو مجرد اعترافها بأنها تخلت عن أهدافها الاستراتيجية في سورية: إذ أن ترامب لا مصلحة له في هذا البلد، ويبدو أنه غير مستعد لاحتواء بوتين أو مواجهته. لذلك، من الناحية العملية، تخلت الولايات المتحدة عن المعارضة السورية والشعب السوري .

حتى الآن، فاز الأسد بالحرب الاستراتيجية. مع ذلك، قد يكون انتصاره باهظ الثمن، إذ أن الوضع الحالي لايضمن لا الاستقرار ولا السلام. بل على العكس، لم يتمكّن نظام الأسد حتى من فرض سيطرة دائمة على البلاد بأسرها. لذلك، سيستمر التمرد حتى يمنح الشعب السوري الحرية والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية. علاوةً على ذلك، لا نتائج حتمية في السياسة، كما أن الفصل الأخير من الحرب الأهلية السورية قد تحكُم بأمره يوماً ما المحكمة الجنائية الدولية.


 

جو معكرون | محلل سياسي في المركز العربي- واشنطن العاصمة

الحرب في سورية متعددة الأوجه، وانبثق منها على مدى السنين مختلف أنواع الصراعات الموازية. لكن يمكن القول أن الحرب الأهلية انتهت مع اتفاقية وقف إطلاق النار الأميركية- الروسية في جنوب سورية في تموز/يوليو الماضي، وأن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية وصلت إلى خواتيمها تقريباً هذا الشهر، حين تمت السيطرة مجدداً على كل المعابر الحدودية بين سورية والعراق. لكن، ما لم تُعالج التوترات المتواصلة على طول حدود الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل وتركيا، فقد يؤدي ذلك إلى قتال غير متناظر بين إسرائيل وحزب الله، أو بين تركيا والقوات الكردية.

هنا، يتعيّن أن نشير إلى أن وقف العداوات لم يأت حصيلة تفاوض الأطراف السورية المتناحرة على تسوية ما، بل وُلِد على يد عوامل خارجية هي التي فرضته. فاصطفاف تركيا مع روسيا وإيران هو الذي أدّى إلى وفق إطلاق النار الهش في كل أنحاء سورية في كانون الأول/ديسمبر الماضي. كما أن قرار الولايات المتحدة في تموز/يوليو بوقف تسليح المتمردين السوريين، أغلق خطوط الإمداد للمعارضة المسلحة في الجبهتين الشمالية والجنوبية. علاوةً على ذلك، دعمت واشنطن مفهوم موسكو حول مناطق خفض التوتر في طول البلاد وعرضها. لكن، في حين أن القوى الخارجية تضع خططاً بعيدة المدى لسورية في حقبة مابعد النزاع، إلا أن بلورة نظام مزدهر ومستقر لن يكون في متناول اليد. إذ أن النزاع المسلّح ينزاح بالتدريج ليصبح معركة سياسية ستُحدد أي سورية ستنبثق من أتون الحرب، ومن سيدير أجهزة الأمن، والسياسة العامة، والاقتصاد، فيها.


 

إبراهيم حميدي | محرر دبلوماسي بارز، يغطي الشأن السوري في صحيفة الشرق الأوسط في لندن

الحرب التي عرفنا طيلة السنوات السبع المنصرمة انتهت، لكن قد تنشب حروب جديدة عاجلاً أم آجلا.

للمرة الأولى، يقترب النزاع السوري الدموي مما يبدو أنه خواتيمه، كما من الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى إلى تحقيق "تسوية سريعة" في سورية ليعلن "إنجاز المهمة".

بيد أن السوريين أنفسهم يقفون على مفترق طرق. إذ ما سيحدث في الأسابيع والأشهر المقبلة، سيُحدد طبيعة المرحلة النهائية في البلاد: فإذا مابرز التزام بإجراء تغيير عميق وجدّي، سيولد أمل بسورية الجديدة التي سعت إليها مظاهرات آذار/مارس 2011. أما إذا كان هذا التغيير شكلياً واصطناعياً، فإنه سيخلق وضعاً متفجراً يدشّن مرحلة مديدة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يغشاها المزيد من العنف المنفلت من عقاله، والتطرف، وصيغة جديدة من تنظيم الدولة الإسلامية. وهذا قد يعني "السلام لإنهاء أي سلام".

فهل سيكرر الروس الأخطاء نفسها التي ارتكبها الأميركيون في العراق وأفغانستان؟