مهند صبري صحافي وكاتب مصري عاش في القاهرة حتى العام 2015، قبل أن يغادر إلى المنفى الطوعي بعد تعرّضه إلى تهديدات متصاعِدة. بلغ في العام 2011 مرحلة النهائيات في جائزة ليفينغستون للتقارير الدولية، ورُشِّح لجائزة إيمي كعضوٍ في فريق برنامج "فرونتلاين" عبر قناة "بي بي إس"، الذي تولّى إنتاج برنامج "مصر في أزمة" (Egypt in Crisis) في أيلول/سبتمبر 2013. صبري من المطّلعين على التطورات في شبه جزيرة سيناء، حيث تخوض الحكومة المصرية معركة ضد تمرد واسع النطاق منذ سنوات عدة. وكان قد تحدّث عن الأوضاع هناك في مقابلة مع ديوان في أيار/مايو الماضي. مؤلّف "سيناء: عماد مصر، حياة غزة، كابوس إسرائيل" (Sinai: Egypt’s Linchpin, Gaza’s Lifeline, and Israel’s Nightmare) (2015)، الذي جرى حظره في مصر بُعيد نشره.

مايكل يونغ: مَن نفَّذ الهجوم على مسجدٍ صوفي في سيناء في 24 تشرين الثاني/نوفمبر، وما كانت أسبابه؟

مهند صبري: على الرغم من أنه لم تتبنَّ أي مجموعة بعد مسؤوليتها عن الهجوم الأخير، إلا أنه يحمل بصمات فرع تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء. لقد جاء الهجوم في أعقاب سلسلة من التهديدات التي وجّهتها الدولة الإسلامية إلى الجماعة الصوفية في شمال سيناء، وكذلك إلى عدد كبير من العشائر البدوية المحلية المعروفة بعدائها للمتشددين، ومنها عشيرة الجرارات من قبيلة السواركة، والتي وقع العشرات من أبنائها ضحية المجزرة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر.

من الواضح أن الهدف من الهجوم كان مضاعفة البروباغندا التي تبذلها الدولة الإسلامية، وجعل التنظيم يتصدّر من جديد عناوين الصحف في مختلف أنحاء العالم، من خلال ارتكاب مجزرة دموية، ولاسيما بعد الهزائم المذلّة التي مُني بها في سورية والعراق. علاوةً على ذلك، سعى التنظيم إلى توجيه رسالة واضحة إلى أبناء سيناء بأنه حتى المسلمين السنّة ذوي الخلفية القبلية، الذين يصلّون داخل مسجد، مستهدَفون، وسوف تتم مطاردتهم طالما أنهم لايرضخون لسيطرة الدولة الإسلامية. غنيٌّ عن القول إنها الرسالة التي دأب التنظيم على توجيهها على مر السنين، والتي نشرها في سيناء عن طريق عشرات الهجمات على العسكريين كما على المدنيين.

يونغ: لماذا بدا الجيش المصري شديد الهشاشة في سيناء، ولاسيما أنه يتفوّق على المتمردين بأشواط كبيرة في العتيد والعتاد؟

صبري: السبب ببساطة هو استراتيجية "القوة الغاشمة" التي ذكرها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الكلمة التي ألقاها في أعقاب المجزرة. لقد فشلت هذه المقاربة في تحقيق حل ناجع وطويل الأمد منذ بدء الحملة في سيناء قبل أكثر من أربعة أعوام. مجدداً، لاتزال المؤسسة العسكرية في مصر تعتمد حصراً على جيش تقليدي ضخم يعاني من نقص شديد في التدريب، وتكبّله القيود البيروقراطية. وهذا الواقع لايُفضي سوى إلى مزيد من الضرر، ويلحق دماراً أكبر بالجيش والمجتمع المحلي المحيط به. غير أن هذا الأسلوب يحول دون تطبيق استراتيجية واسعة لمكافحة الإرهاب يُشارك فيها المجتمع المحلي، وتعتمد في شكل أساسي على جمع المعلومات الاستخبارية والاستعانة بوحدات تكتيكية مدرّبة تدريباً جيّداً.

يونغ: ما الذي يكشفه غياب التعاون مع النظام ضد المتمردين على مستوى شبه الجزيرة، حول الديناميكيات القبلية في سيناء؟

صبري: إنه يسلّط الضوء بقوة على سمتين أساسيتين من سمات المجتمع القبلي في شبه الجزيرة. الأولى هي أنه لايمكن إرغام المجتمع المحلي على الرضوخ لأي شكل من أشكال القمع. فهو لن يتخلّى عن تراثه وولاءاته التي تعود لعقود خلت، مهما بلغ حجم المعاناة، سواء كان الطرف الذي يُنزِل بهم المعاناة هو تنظيم إرهابي مسلّح أو نظام عسكري ديكتاتوري.

بسبب طبيعة المجتمع القبلي الذي يتعذّر اختراقه إلى حد كبير، لم نرَ أي قبيلة، أو حتى عشيرة أو عائلة بكاملها تنضم إلى أحد طرفَي النزاع، مع أن المجتمع عالق، منذ أكثر من أربع سنوات، بين دبابات الجيش وعمليات الذبح التي ينفّذها تنظيم الدولة الإسلامية. ويبقى المقاتلون الذي جنّدتهم الدولة الإسلامية، على غرار المخبرين البدو الذين يخدمون في الجيش، مجرد أفراد لايمثّلون المجتمع القبلي، أو حتى عشائرهم الأصغر.

النقطة الثانية هي أنه يستحيل تطوير حلول أمنية فعّالة إذا لم تحظَ بالدعم من مجهود قبلي موحّد واتفاق يشمل المجتمع المحلي بكامله. وما لم تؤمّن هذه الاستراتيجيات الحماية المطلوبة للمجتمع المحلي وتضمن على الأقل حداً أدنى من العدالة الاجتماعية والاقتصادية، لن تتكلّل بالنجاح، بغض النظر عن عدد الدبابات التي تهدر في الصحراء.

لو أخذت الأنظمة المصرية المتعاقبة في الاعتبار هذه الخصائص المتجذّرة بعمق لدى المجتمع القبلي منذ العام 2013، أو حتى عندما سحبت إسرائيل مستوطنيها وماتبقّى من قواتها العسكرية من سيناء في العام 1982، لوفّرت على البلاد بكاملها سقوط مئات الضحايا، من عسكريين ومدنيين، ودمار الاقتصادات المحلية مع ماترتّب على ذلك من خسائر بقيمة مليارات الدولارات.

يونغ: ماهي الأهداف التي يأمل المتمردون في سيناء تحقيقها؟

صبري: كان الهدف الذي سعى إليه المقاتلون في سيناء، حتى قبل إعلانهم مناصرة الدولة الإسلامية، السيطرة على بعض الأراضي وشرائح من السكان المحليين. ومن أجل بلوغ هذا الهدف، أو الاقتراب أكثر نحو تحقيقه، يستمرون في إنهاك الجيش والشرطة في مايشبه حرب الاستنزاف.

يونغ: كان ردّ النظام فورياً،فمامدى فعاليته؟

صبري: أعتقد أن جميع المصريين، وجميع من يقرأ الأخبار المروّعة عن المجازر الجماعية، يتمنّون لو أن ردود النظام المصري المزعومة تتّسم بالفعالية. إنما لسوء الحظ، ليست المرة الأولى، وبالطبع لن تكون الأخيرة، التي يخرج فيها الجيش في أعقاب هجوم إرهابي دموي ليزعم أنه يلاحق الإرهابيين ويقصف مخابئهم في مختلف أنحاء سيناء.

تفرض مثل هذه التصريحات الصادرة عن الجيش المصري ثلاث نظريات بديلة مثيرة جداً للقلق: أولاً، كانت لدى الجيش معلومات استخبارية موثوقة تقوده إلى مخابئ الإرهابيين، لكنه فشل في القيام بأي تحرك إلى حين وقوع المجزرة الأكثر دموية في التاريخ المصري الحديث. ثانياً، لم يمتلك الجيش أية معلومات استخبارية إلا بعد وقوع المجزرة، مايعني أن الإخفاقات الاستخبارية لاتزال من العوامل الأساسية التي تساهم في تسهيل النشاط الإرهابي المستمر. وثالثاً، كان بيان الجيش بحد ذاته غير جدير بالثقة، والهدف منه احتواء الفضيحة عبر خداع الرأي العام ودفعه إلى تصديق إنجازات غير حقيقية.

لسوء الحظ، أثارت التصريحات العسكرية – ولاسيما في ظل التعتيم الإعلامي والمعلوماتي في موضوع سيناء، والهجمات الإرهابية المستمرة على المدنيين والجيش – شكوكاً جدّية حول الحملة العسكرية بكاملها في شبه الجزيرة.

يونغ: ماهو جوهر مشكلة النظام في سيناء؟ هل ثمة طريقة لإيقاف التمرد، من دون شنّ حملة عسكرية طويلة الأمد؟

صبري: جوهر المشكلة التي يواجهها النظام هو اقتناعه بأن الحملات محض العسكرية والأمنية العنيفة، أو بالأحرى حملات القمع والتضييق، هي حلول فعّالة. فالنظام لايزال غافلاً عن واقع أن اعتماد مثل هذه الاستراتيجية في سيناء، بعد تاريخ من التهميش وغياب التنمية والعدالة والإجراءات الملائمة لفرض النظام في شبه الجزيرة، لايؤدّي سوى إلى تأجيج الغضب في قلوب السكان وعقولهم، ويشكّل الحافز الأخير الذي يدفع الأشخاص الضعفاء للوقوع تحت تأثير البروباغندا التي يروّج لها الإرهابيون الساعون إلى تجنيدهم.