شيلا كارابيكو | أستاذة في العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة ريتشموند

يوم الجمعة الماضي، بثّت قناة "اليمن اليوم" التلفزيونية المؤيدة لصالح مقابلة أعلن خلالها هذا الأخير أنه سيغيّر تحالفاته، ودعا التحالف الذي تقوده السعودية إلى مساعدته لإلحاق الهزيمة بالتمرّد الحوثي "المدعوم من إيران". الأكيد أن ذلك كان نتيجة مفاوضات طويلة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وفي نهاية الأسبوع بدا أن صالح يستعيد السيطرة على صنعاء، إلا أن ميليشيا الحوثيين نصبت كميناً لموكبه وقتلته. وقد يمكّن ذلك الحوثيين (المعروفين أيضاً باسم أنصار الله) من إحكام قبضتهم على صنعاء، على الرغم من أن ذلك سيدفع على الأرجح التحالف إلى إمطار المدينة بالقنابل، التي تُعتبر أساساً مكاناً خطراً جداً.

من المستحيل التنبؤ بما سيحدث في مراكز حضرية كبرى أخرى، على غرار الحديدة، التي يُقال إنها خاضعة حتى الآن إلى سيطرة التحالف بين صالح والحوثيين، وتعز، حيث واجه الغُزاة من تحالف صالح-الحوثيين مقاومة محلية شديدة؛ وعدن، حيث هزمت القوات الإماراتية الحوثيين لكن الحركة الانفصالية في الجنوب قوية؛ وغيرها من المناطق التي تتخبط في صراعات حول السلطة معقّدة للغاية. يبدو أن الوحدات المسلحة التي لاتزال "وفية" لأسرة صالح (أو تتلقى مبالغ منها) ستواجه حلفائها السابقين (الحوثيين) في العديد من المواقع. وفي هذا الإطار، قد يضاعف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جهوده لإعلان النصر، ربما عبر قصف مكثّف لمواقع الحوثيين ومواصلة العقوبات الاقتصادية الصارمة. ويبدو من المؤكد تقريباً أن الصراعات على السلطة بين النخبة عديمة الرحمة في شبه الجزيرة العربية ستواصل التسبّب بالإفقار والمرض لغير المقاتلين، وللأسر، ولاسيما الأطفال.


 

ندوى الدوسري | باحثة أولى غير مقيمة في "مشروع الدمقراطية في العالم العربي"، وباحثة في شؤون النزاعات، وناشطة في المجتمع المدني تملك خبرة تفوق 16 عاماً من العمل الميداني في هذا المجال

تسبّب مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على يد الحوثيين بهزّات ارتدادية طالت تداعياتها أرجاء اليمن كافة. تحالف صالح مع الحوثيين ونفّذ انقلاباً في أيلول/سبتمبر 2014، فأغرق البلاد في الحرب الأهلية، وأرغم الرئيس عبد ربه منصور هادي على تقديم الاستقالة، ما استتبع التدخل العسكري السعودي في اليمن. أراد صالح استخدام الحوثيين كغطاء للانتقام من حلفائه الذين انشقّوا عنه في العام 2011، فيما رى الحوثيون بدورهم في هذه الخطوة فرصة لتسلّم زمام الحكم. لكن الطرفين كانا عدوّين لدودين خاضا ست حروب ضد بعضهما البعض بين 2004 و2010. فقد أمر صالح بإعدام حسين الحوثي، قائد المجموعة المتمردة، في العام 2004. وردّد الحوثيون شعار "حمدأ لله انتقمنا لسيدي حسين"، في شريط فيديو يظهر جثة صالح بُعيد قتله. والآن، بات المستقبل عقب مقتل صالح مبهماً وقاتماً.

فشل كلٌّ من التحالف بقيادة السعودية والحكومة اليمنية في تحقيق إنجازات عسكرية وازنة منذ منتصف العام 2015. فقد دخل السعوديون اليمن من دون وضع استراتيجية للانسحاب منه، ويبدو أنهم لازالوا يفتقدون إلى هذه الاستراتيجية. في غضون ذلك، انشغل الإماراتيون في بلورة مواطئ قدم استراتيجية لهم في البلاد، في ظل فشل الحكومة اليمنية في الرياض في إعادة إنتاج حضورها في اليمن أو تحسين ظروف حياة اليمنيين في المناطق الخاضعة إلى سيطرتها.

سيحاول الحوثيون في غضون الأسابيع المقبلة توطيد نفوذهم في الشمال، خصوصاً من خلال القمع المتواصل للناشطين، والإطاحة بقادة المؤتمر الشعبي العام وشيوخ القبائل النافذين المرتبطين بصالح. قد تتحرّك القوات اليمنية المدعومة سعودياً باتجاه صنعاء، وربما الحديدة، لمحاولة إلحاق الهزيمة بالحوثيين. ومع تضاؤل فرص التوصّل إلى حل سياسي، سيتحوّل المزيد من المناطق اليمنية إلى ساحة حرب بالوكالة ليس فقط بين إيران والسعوديين، بل أيضاً بين مختلف الدول الخليجية الثرية التي تتفاوت مصالحها. لاشك أن كل السيناريوهات ستؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وسيُمسي اليمن في نهاية الحرب أكثر تشرذماً من أي وقت مضى، وربما عصيّاً على الإصلاح.


 

بريان ويتاكر | محرر سابق في شؤون الشرق الأوسط لدى صحيفة الغارديان، ومؤسس موقع الباب www.al-bab.com

تُعزى الاضطرابات الراهنة جزئياً إلى اتفاق انتقال السلطة في العام 2012، الذي منح علي عبدالله صالح حصانة من الملاحقة القضائية، وسمحت له بالبقاء في اليمن بعد التنحي عن الحكم. إذ أعطاه ذلك، في الواقع، الضوء الأخضر لإثارة المتاعب، كما رأينا في العام 2014 عندما ساعد الحوثيين على الاستيلاء على صنعاء. ومن الواضح أن وفاته تزيل "عامل صالح" من هذه المعادلة .

حين وضع حدّاً لتحالفه مع الحوثيين، كان صالح على الأرجح يعمل بالتواطؤ مع السعودية. ولو نجح في مسعاه هذا، لكانت محاولته للسيطرة على صنعاء وجّهت ضربة قاسية إلى الحوثيين، ودفعتهم إلى الانسحاب نحو معقلهم الشمالي. وهذا بدوره كان سيمنح السعوديين مخرجاً لائقاً لانتشال أنفسهم من حمأة الصراع. لكن فشل هذه الأحبولة، بهذه الطريقة الدراماتيكية، قد يعزّز موقف الحوثيين ويطيل أمد الحرب.


 

آدم بارون | باحث زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والمؤسس المشارك لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ومقره اليمن بين العامين 2011 و2014

الجواب باختصار هو أن يمن اليوم ليس يمن الأمس. لقد تبدّلت شروط اللعبة بطريقة دراماتيكية حقاَ، ولأكون صريحاً، يكذب كل من يقول إنه يعلم بالتأكيد ما سيحدث في المرحلة المقبلة. فلانهيار التحالف بين الحوثيين وصالح أهمية خاصة في حدّ ذاته، لكن إطاحة علي عبدالله صالح من المشهد سيتسبّب بزعزعة البلاد لسنوات مقبلة، إن لم يكن لعقود. فبعد أن أمضى صالح أكثر من ثلاثة عقود في السلطة، تجد بصماته على كل شيء تقريباً في اليمن. وبالتالي، ستترك إزالته من المشهد اليمني فراغاً هائلاً في السلطة، ما من شأنه أن يفيد الحوثيين من جهة ويضع مستقبل حزبه، المؤتمر الشعبي العام، في مهب الريح، من جهة أخرى .

مع ذلك، لايزال المسار الذي ستسلكه الأمور غير واضح. ولايمكن استبعاد أي من سيناريوهات عودة بروز مناصري صالح أو اصطفافهم من جديد مع أعدائهم السابقين. في الوقت الراهن، يبدو اندلاع مزيد من الصراعات أمراً لا مفر منه، بينما الشعب اليمني، الذي يعاني الأمرّين منذ فترة طويلة، بعيد كل البعد عن أي خفض مؤثّر للتصعيد، ناهيك عن أي إمكانية العودة إلى كَنَفْ السلام.