مروان المعشّر | نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ووزير خارجية سابق ونائب رئيس الوزراء في الأردن

قطع العديد من الرؤساء الأميركيين السابقين وعوداً خلال حملاتهم الانتخابية بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، لكن سرعان ما كانوا يغيّرون مواقفهم فور تسنّمهم السلطة. كانت التداعيات السلبية آنذاك، في خضم عملية السلام نشطة وواعدة، مروّعة. غير أن الرئيس دونالد ترامب قرّر الآن الإيفاء بالوعد الذي قطعه خلال حملته الانتخابية، وذلك لسببين. الأول أنه أحاط نفسه بأشخاص ملتزمين إيديولوجياً بدولة إسرائيل، من دون تعاطف مع الجانب الفلسطيني. لكن السبب الأهم هو أن هذه الإدارة أظهرت جهلاً مثيراً للقلق في تعقيدات الصراع العربي-الإسرائيلي، ويبدو أنها غير مكترثة حيال التوفيق بين عملية نقل السفارة هذه إلى القدس، وبين ادّعائها بالعمل على حلّ دائم للصراع من خلال "صفقة القرن".

الأمر المؤكد هو أن هذه الخطوة ستثير ردود فعل قوية في أوساط العالمين العربي والإسلامي. والمؤكد أيضاً أنها ستضع حدّاً لأي حوار هادف مع الفلسطينيين، وستقضي على أي صفقة تحاول الإدارة الأميركية السعي إلى إبرامها، باعتبارها غير مقبولة أصلاً بالنسبة إلى الفلسطينيين. الأمر الذي يبدو أن الولايات المتحدة لا تفهمه هو أن الجيل الفلسطيني الجديد يركّز أساساً على مجالات أخرى، أي على رفع تكلفة الاحتلال.


 

برنارد روجيه | أستاذ في الحضارة العربية والمجتمع في جامعة باريس 3 السوربون، ومؤلف كتب عديدة من بينها "Everyday Jihad: The Rise of Militant Islam among Palestinians in Lebanon" (الجهاد اليومي: صعود الإسلام المسلح بين الفلسطينيين في لبنان) (منشورات جامعة هارفرد)، و"The Sunni Tragedy in the Middle East: Northern Lebanon from al-Qaeda to ISIS" (مأساة السنّة في الشرق الأوسط: شمال لبنان من القاعدة إلى داعش) (منشورات جامعة برينستون)

سيكون لاعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل مضاعفات دراماتيكية على الشرق الأوسط، إذ سيعني ذلك، أولاً، نهاية قطعية لأي نوع من السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لأن مامن زعيم فلسطيني سيتمكّن من استئناف المفاوضات مدركاً بأن القدس الشرقية، بأهميتها الرمزية والدينية، لن تكون عاصمة لدولة فلسطين. ويتقاطع هذا الوضع مع انهيار مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومع تقويض الهوية السياسية الفلسطينية بشكل مطّرد من قبل الديناميكيات الدينية الإقليمية، التي تتضمن طرفاً شيعياً وآخر سنّياً يستغّل كل منهما عملية السلام لمصلحته الخاصة .

سيؤدي قرار ترامب هذا إلى إبطال العديد من قرارات مجلس الأمن التي لم تعترف أبداً، من خلال إعادة تأكيدها للمبادئ الواردة في القرارين 242 و338، بضمّ القدس إلى إسرائيل في العام 1980. وبالتالي، نقل السفارة الأميركية إلى القدس سيُعتبر تبنياً لرؤى وسياسات اليمين الإسرائيلي. وهذا يعني التخلي عن بصيص الأمل الأخير في تحقيق سلام محتمل .

ثانياً، ستكون هذه الخطوة بمثابة هدية لجميع المتطرّفين في المنطقة، سواء في إيران أو لدى الفصائل السنّية المسلحة. ففي إيران، ستقابل خطوة ترامب بإنهاء الاتفاق النووي، وستعطي المتشدّدين الشرعية لتهميش الاتجاهات المعتدلة في البلاد. ستعود إيران إلى شعاراتها التحريضية ضد الغرب وحلفائه في المنطقة. وبالمثل، سيستفيد الجهاديون، على أنواعهم، من القرار وسيتعبأون ضد العرب الذين تجرأوا على الوقوف إلى جانب الغرب، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي .

سيجد حلفاء الولايات المتحدة العرب أنفسهم محاصرين، وغير قادرين على تبرير تحالفهم مع واشنطن في ظل هذه الظروف. وسيتعيّن على قادتهم اللجوء إلى الدين من أجل البقاء، وربما تخفيف التعاون الدولي ضد الإرهاب. وسيكون من المستحيل في مثل هذا السياق تنفيذ تطلعات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للحدّ من سلطة المؤسسة الدينية، ولن يكون أمامه خيار سوى إعادة تأكيد أوراق الاعتماد الدينية للمملكة للحفاظ على الشرعية، داخل المملكة وخارجها على السواء. وفي مواجهة الحروب الأهلية والدمار، سيصبح الشرق الأوسط أسوأ كابوس في العالم.


 

ديفيد ماكوفسكي | باحث متميّز حائز على منحة زيغلر، ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن، ومستشار سابق رفيع المستوى لمفاوضات السلام في مكتب وزير الخارجية (2013–2014)

أثار إعلان الرئيس دونالد ترامب حول القدس حماسة الإسرائيليين وسخط العرب. وفي مايتعلق بالخطوات المقبلة، يتمثّل التحدي الأكبر أمام ترامب في التحدث مباشرةً للقنوات الفضائية العربية - أو تكليف مستشاريه الكبار بالتحدث - عن الجزء الذي تجاهله المشاهدون العرب في إعلانه. صحيح أن الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة تعترف بأمر واقع مفاده إعلان إسرائيل منذ العام 1949 أن عاصمتها هي القدس الغربية؛ وحتى لو حصل الفلسطينيون على كامل القدس الشرقية، فالعاصمة ستبقى هي هي. لكن الجزء الثاني من ملاحظاته يجب أن تؤخذ في الاعتبار أيضاً: وهو أن خطوة الولايات المتحدة لاتعني تسليمها بسيادة إسرائيل على مدينة القدس كلها. فقد قال ترامب إن على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني التفاوض بشأن المسألة السيادية المتعلقة بالحدود، وأن الولايات المتحدة لن تملي عليهما رؤيتها الخاصة.

مع أن نقل مفهوم دقيق للغاية إلى جمهور واسع ليس بالمهمة اليسيرة دائماً، إلا أن مسألة القدس أشبه ببركان قد تنفجر حممه في أي لحظة، ما لم يبذل المسؤولون الأميركيون كل جهد ممكن في المقبل من الأيام والأسابيع للحؤول دون ذلك. إذ يُمكنهم شرح الازدواجية التي تحملها هذه الرسالة، والأسباب التي حدت بهم إلى الاعتراف بواقع كان سائداً خلال السنوات السبعين المنصرمة في جزء من المدينة على الأقل. في غضون ذلك، ينبغي عليهم اعتلاء منابر وسائل الإعلام العربية لخوض مواجهة علنية مع التصوّر المنتشر في صفوف العرب بأن ترامب قد أغلق الأبواب في وجههم. إن لم يتحرك المسؤولون الأميركيون، سيتحول هذا الانطباع إلى واقع فعلي، مع كل التداعيات التي يفرزها ذلك. ويترافق ذلك مع واقع أن الدول العربية غير مستعدّة، في ظل الظروف الراهنة، لتبنّى جهود السلام الأميركية. لكي يتغيّر ذلك، ينبغي التوصّل إلى فهم أوضح حول المعاني المتضمنة في إعلان ترامب، والمعاني غير المتضمنة فيه. المخاطر كبيرةٌ ومُحدقة.