في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح القطيعة مع حلفائه الحوثيين، ودعا إلى "انتفاضة عربية" ضد الحكم الحوثي، مشيراً في الوقت نفسه إلى اهتمامه بإعادة العلاقات مع السعودية. وقد حظي "تمرُّده" هذا بترويج واسع النطاق من الإعلام السعودي والإماراتي، وبدعم سلاح الجو التابع للتحالف بقيادة السعودية. لكن، بعدها بيومين اثنين فقط، أحبط الحوثيون محاولة الانتفاضة، وأُردي صالح نفسه قتيلاً وهو يحاول الهرب من صنعاء.

لوهلةٍ، بدا أن دعم انتفاضة بقيادة صالح ضد الحوثيين كان بمثابة ضربة معلّم قد تضع حدّاً للورطة اليمنية، وتوفِّر مخرجاً يحفظ ماء وجه الرياض ويمكّنها من إعلان النصر. لكن، وكما مع المغامرات الأخيرة الأخرى التي نفذّتها السياسة الخارجية السعودية، جاءت النتائج عكسية على نحو سيّء للغاية. فبعد أن لعب التحالف أهم ورقة لديه وخسرها، بات مجدّداً مجرّداً من أي استراتيجية عدا تلك التي تعني مواصلة الحملة العسكرية، على رغم فشله السياسي والكلفة البشرية الباهظة التي تفرضها هذه الحملة.

صحيح أن تبعات هذا التطور على السياسات اليمنية لن تكون واضحة لبعض الوقت، إلا أن انتفاضة صالح الفاشلة وفّرت بالفعل دروساً حول حدود الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط. فاحتضان قرار صالح باستلال سيف المعارضة في وجه الحوثيين، لم يكن سوى أحدث مثال على الممارسات الإقليمية الخاصة بدفع قوى محلية إلى خوض غمار معارك إقليمية. وقد تسبّبت حروب الوكالة هذه مباشرةً في إجهاض عملية الانتقال السياسي في اليمن، وتفسُّخ الدولة، والكارثة الإنسانية المهولة في البلاد.

يُشبه التورّط الخارجي في اليمن، كما يختلف، عن الحروب بالوكالة الأخرى في حقبة مابعد 2011، التي سعت فيها القوى الإقليمية إلى صنع لاعبين محليين لخدمة مصالحها داخل الدول المُفكّكة. وفي كل الحالات تقريباً، كانت لهذه الحروب مضاعفات كارثية على الدول المعنية. ففي مصر، نجح الدعم السياسي والاقتصادي السعودي والإماراتي لانقلاب تموز/يوليو في المساعدة على إطاحة نظام جماعة الإخوان المسلمين برئاسة محمد مرسي المدعوم من قطر، لكن بثمن فادح في مجالات التغيير الديمقراطي، وحقوق الإنسان، والشرعية السياسية. وفي ليبيا، دعمت الإمارات العربية المتحدة وقطر فصائل ليبية متنافسة في مرحلة الانتقال بعد القذافي، وساهمتا في فشل البلاد السياسي وانحدارها نحو لُجج الحرب الأهلية. وفي سورية، شلّ التسابق بين الفصائل التي تدعمها السعودية وقطر المعارضة وساهم في دفعها إلى حمأة التطرف، حتى في حين كانت القوى الفعّالة التابعة لإيران، التي أُحكم توجّهها وإدارتها، تساعد نظام الأسد على استعادة زمام المبادرة وقطف ثمار المزايا التفاضلية العسكرية.

لكن في اليمن، جرى لعب الحروب بالوكالة على نحو مختلف. فبالمقارنة مع ساحات حروب إقليمية أخرى حيث تضعف الدولة فجأة ويسعى لاعبون محليون جدد بلهفة إلى الحصول على الدعم الخارجي، كانت الدولة اليمنية دوماً ضعيفة، وتمتعت الأطراف المحلية فيها بخبرة مديدة في كيفية التعامل مع الرُعاة الخارجيين المُحتملين. وهكذا، كانت سياسات القوة محلياً، وليس اللاعبون السياسيون الخارجيون، هي التي تقود المناورات، على غرار تحالف صالح مع الحوثيين ثم ارفضاضه عنهم. مع ذلك، في مقدور القوى الخارجية صب الزيت على النار (وهو ما أقدمت عليه بالفعل) من خلال عرض المساعدة العسكرية أو المالية، ثم حصد النتائج العرضية التي تنتج عن ذلك.

صالح نفسه امتهن عملية التلاعب بالقوى الخارجية لمصلحته خلال سنوات رئاسته التي امتدّت إلى أكثر من 30 سنة. وفي حين أنه بنى تحالفاً وثيقاً مع السعودية والولايات المتحدة، إلا أنه انتهج مراراً سياسات قوّضت مصالحهما بطريقة أجبرتهما على تقديم مستويات أعلى باطّراد من المساعدات العسكرية والاقتصادية. أشهر مثل على هذه المناورات كان دوره المزدوج في إنماء تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وقمعه في آن، ما أبقى الرئيس اليمني السابق في قلب شبكات الدعم الدولي العسكري.

برزت قدرة صالح على موازنة النفوذ السعودي بأجلى صورها بعد الانتفاضة اليمنية العام 2011. فحتى بعد أن انحدر الوضع إلى دروب العنف وبات حكم صالح واهناً، قاوم طيلة ستة أشهر الضغط السعودي لحمله على التنحّي عن منصبه، حتى وهو يتعافى في إحدى المستشفيات السعودية على إثر محاولة اغتياله. في خاتمة المطاف، أزاحت السعودية صالح من السلطة من خلال اتفاق عفو عام مثير للجدل، ما سمح له (وهنا كانت الكارثة) بمواصلة تسنّمه منصب قائد مؤتمر الشعب العام، ومواصلة لعب دور سياسي نشط.

حلّ نائب الرئيس، عبد ربه منصور هادي، مكانه في العام 2012 في منصب الرئاسة، وكُرِّس ذلك في استفتاء بالتزكية لمدة سنتين، فيما كانت عملية الحوار الوطني تتداول قضايا دستورية مصيرية. بيد أن صالح واصل السيطرة على شبكاته، فضمن بذلك ألا يحوز هادي سوى على قدرٍ ضئيل من السلطة الحقيقية داخل اليمن، ليوازن بذلك الدعم الخارجي الذي كان يتلقاه هذا الأخير. ثم جاء تحالف صالح مع الحوثيين العام 2014، الذي كان مثيراً للدهشة والسخرية حتى بمعايير صالح نفسه، ليقلبه على راعيه السابق. لكنه مع ذلك كان يُطلق دوماً إشارات عن استعداده لتغيير تحالفاته إذا ماعُرضت عليه صفقة أفضل. بكلمات أوضح: كان صالح يشعر بالحبور للعب دور الوكالة حين يلائم ذلك مصالحه، لكن لم يكن ثمة مجال قط لحصره في بوتقة علاقة زبائنية دائمة.

وبالمثل، لم يكن الحوثيون وكلاء لإيران أكثر مما كان صالح وكيلاً للسعودية. فعلى الرغم من الحملات الإعلامية المتواصلة والعنيدة طيلة العقد المنصرم لدمغهم بأنهم مخلب قط لإيران، إلا أن الحركة الحوثية لم تُقم في الواقع سوى علاقة محدودة مع إيران، ولم تُبد سوى النزر اليسير من أي اهتمام بالخضوع إلى السيطرة الخارجية. ومع تمتّعهم بقاعدة محلية قوية وتماسك إيديولوجي مُحكم، لم يكونوا في حاجة لا إلى الموارد ولا إلى الشرعية التي قد يضفيها عليهم راعٍ خارجي، كما أنهم تمتعوا بكل المزايا السياسية التي تساعد على الحفاظ على هذه المسافة. وهكذا، فإن تمدد الحوثيين إلى صنعاء لم يكن له علاقة بالسياسة الخارجية الإيرانية، بقدر ماكان يرتبط بالتبنّي الوشيك غير المرغوب به من قبلهم للحدود الفدرالية في عملية الحوار الوطني اليمني. بيد أن هذه المحفزات طفقت تتغيّر بفعل وطأة الحصار الذي فرضه التحالف، فبدا خلال السنتين المنصرمتين أن الحوثيين تلقوا مساعدات عسكرية متزايدة من إيران، بما في ذلك، على ما يُقال، صواريخ استُخدمت لقصف الرياض وأبوظبي.

سعت دولة الإمارات العربية المتحدة، من جهتها، إلى لعب دور الوكالة على نحو مختلف في اليمن. إذ بدلاً من العمل مع قوة محلية راسخة، اختارت تطوير قدراتها الخاصة على الأرض، في الوقت نفسه الذي كانت تشتري فيه وكلاء محليين مفيدين كلما احتاج الأمر ذلك. ومع وكلاء تراوحوا بين القاعدة في شبه الجزيرة العربية إلى نجل صالح، لم تبذل الإمارات أي جهد لإبداء الاتساق الإيديولوجي في توجهاتها. وقد بدا أن هذه العلاقات العملية تحقق مردوداً يُعتد به، أكثر من الزبائنية السعودية الفضفاضة والمُختلة للسلفيين اليمنيين المُتمثلين بحزب الإصلاح أو القبائل.

بعد آذار/مارس 2015، تغيّرت لعبة الوكالة، حين تعثّر بسرعة التدخل العسكري الذي نفَّذه التحالف بقيادة السعودية بعد النجاحات الأولية التي حققها، وانزلقت الحرب إلى لجج مأزق مؤلم. فالقصف السعودي والإمارتي الشرس والمتواصل منذ سنتين، ومعه الحصار، لم يسفرا عن حمل الحوثيين على الاستسلام. ومع تضاؤل الأمل بتحقيق نصر عسكري، سرعان ما تحوّلت الحرب جزئياً إلى تبارٍ على شراء، أو تعبئة، أو استخدام وسطاء سلطة محللين، لمحاولة تغيير موازين القوى على الأرض.

وفي هذا الإطار، كان تشجيع انتفاضة صالح، مجرد واحدة من مغامرات عدة أخرى، وإن كانت الأكثر إثارة بينها. ففصل صالح عن الحوثيين اعتُبِرَ مخرجاً من الورطة العسكرية، وخطوة نحو إغلاق ملف الحرب. نظريا، بدا بالفعل أن إعادة صالح وحزب المؤتمر إلى الحظيرة السعودية، هي الوسيلة المُثلى لعزل الحوثيين محلياً وإضعافهم عسكريا، وخلق توجّه أنقى لتأييد الرواية السعودية- الإماراتية حول الاختلافات الطائفية، وربما حتى إجبار الحوثيين على التفاوض على الخروج من صنعاء. لكن، مع مصرع صالح، سيسعى التحالف على الأرجح إلى استطلاع ما إذا كان نجل هذا الأخير، أو أي شخص آخر، يستطيع تعبئة الشبكات ضد الحوثيين بنجاح.

على أي حال، وحتى لو لم تكن آفاق فصل صالح عن الحوثيين واعدة كثيرا، إلا أنها وفّرت إحدى الوسائل الضئيلة لوقف الحرب عبر الطرق الدبلوماسية. والآن، ومع تبدد هذا الخيار، سيواصل الحصار والحملة العسكرية تدمير اليمن. وفي حين أن التحالف لم يُبدِ سوى قليل من الاهتمام بالمضاعفات الإنسانية للحرب، إلا أن الانتقادات الدولية المتصاعدة والصواريخ الحوثية المُوجَّهة إلى مطار الرياض وأبوظبي، تُظهر أنه لايمكن احتواء تبعات النزاع إلى ما لانهاية.

والآن، فإن الحاجة الملحة إلى التخفيف المتواصل لمضاعفات الحصار ووضع حد للحملة العسكرية، لم يكونا أبداً واضحين للعيان كما هما الآن.