سألني بعض المصريين الذين زاروا واشنطن مؤخراً عما يمكن فعله لتجنّب "سوء التواصل" المستمر بين المصريين والأميركيين حول موضوع حقوق الإنسان. فكان جوابي أنها ليست مسألة سوء تواصل، بل إن الأمر يتعلق بخلاف حقيقي وقائم منذ وقت طويل.

يبدو أن الأميركيين والمصريين متّفقون على طبيعة التحديات التي تواجهها مصر – مشاكل اقتصادية، إرهاب – إنما ليس على الحلول. فالأميركيون، حتى في عصر دونالد ترامب، يميلون إلى التشكيك في أن زجّ المعارضين السياسيين في السجون، والاستخدام المنهجي للعنف، والإعدام خارج نطاق القضاء، وغيرها من الممارسات، هي السبيل لإلحاق الهزيمة بالإرهاب والتمرّد. كما أنهم لايرون في التوغّل العسكري المطّرد في القطاع الاقتصادي يؤدّي إلى تحقيق الازدهار. لكن هذا ليس رأي الأنظمة المصرية – ولاسيما نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في الولايات المتحدة، الكونغرس هو الذي يهتم عمومًا في جعل مبدأ الدفاع عن معايير حقوق الإنسان المعترَف بها دولياً وحمل لوائها جزءاً من السياسة الخارجية. قلّة من الرؤساء الأميركيين أبدوا حماسة خاصة في جعل حقوق الإنسان (جيمي كارتر)، أو الديمقراطية (رونالد ريغان)، أو الحرية (جورج دبليو بوش)، مواضيع محورية في السياسة الخارجية، لكنهم كانوا استثناء. في معظم الأوقات، أعضاء الكونغرس هم مَن يضغطون لوضع هذه الأجندات حيّز التنفيذ، مستخدمين سلطة المال لإرغام وزارة الخارجية وسواها من الأجهزة التنفيذية على تطبيقها.

عقدت لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في الكونغرس الأميركي جلسة استماع حول مصر في 6 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وطُلِب مني أن أقدّم خلالها بعض التوصيات حول السبيل إلى انخراط أكثر فعالية من جانب الولايات المتحدة.

اعتبرت، في شهادتي أمام اللجنة، أن للولايات المتحدة مصلحة قوية في تحسّن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وأنها تتحمّل مسؤولية الضغط من أجل تحسينها. تدفع الانتهاكات الشديدة لحقوق الإنسان في مصر الشباب نحو العنف، وتتُقصي شرائح من السكان ثمة حاجة إليها لمحاربة الإرهاب، مايؤدّي إلى تزايد التهديدات المُحدِقة بحلفاء الولايات المتحدة ومصالحها. علاوةً على ذلك، وعلى ضوء علاقة المساعدات الأمنية القائمة منذ وقت طويل – أكثر من 47 مليار دولار منذ منتصف السبعينيات – لاتستطيع واشنطن الزعم بأنها محايدة في مايتعلق بسلوك النظام الذي يقوده الجيش في مصر.

تحديد مايمكن أن تفعله الولايات المتحدة في مايختص بسلوكيات حكومة أخرى ليس أمراً بسيطاً أو سهلاً على الإطلاق، لكنني اعتبرت أن علينا، نحن الأميركيين، أن ننظر في المرآة ونسأل أنفسنا إذا ما كنّا نؤدّي حقاً الدور البنّاء الأبرز الذي يمكن أن نلعبه في مايتعلق بمصالحنا ومصالح مصر. وفي هذا الإطار، اقترحت التوصيات المحددة الآتية:

  • التأكّد من عدم استخدام المساعدات الأمنية الأميركية إلى مصر لممارسة انتهاكات لحقوق الإنسان. خلال العام المنصرم وحده، كشفت براهين عن استخدام المعدّات المرسَلة من الولايات المتحدة لتنفيذ إعدامات من دون محاكمة في سيناء، وعن أن وحدات أمنية مدرَّبة على أيدي أميركيين أجرت فحوصاً مذلّة لعدد من الأشخاص للاشتباه في أنهم مثليون جنسياً. ينبغي على الحكومة الأميركية تطبيق التوصيات المضمَّنة في التقرير الصادر عن مكتب المساءلة العامة في نيسان/أبريل 2016، والتي تدعو إلى تعزيز مراقبة وجهة الاستخدام النهائية والتدقيق في مسألة احترام حقوق الإنسان، الأمر الذي غالباً ماحالت الحكومة المصرية دون تحقّقه.
  • التحرّك بحزم أكبر دفاعاً عن المواطنين الأميركيين والمنظمات الأميركية الذين تعرّضوا للاستهداف في مصر. سواءً تعلّق الأمر بالمواطنين الأميركيين الذين سُجِنوا عن غير وجه حق، أو بموظّفي المنظمات الأميركية وشركائهم المصريين الذين تعرّضوا للملاحقة القضائية ظلماً، لابد للكونغرس والإدارة الأميركية من الضغط من أجل التوصل إلى حلول نهائية لهذه القضايا، مثل الإفراج عن المعتقلين أو تبرئتهم أو العفو عنهم. لن يأخذ أحدٌ في مصر المخاوف الأميركية المتعلقة بالحقوق والحريات على محمل الجد، إذا لم تكن الولايات المتحدة واقفة حتى لنصرة مواطنيها والمنظمات التابعة لها.
  • إدارة علاقة المساعدات الأمنية الثنائية مع مصر بما يؤشّر إلى أن الأمن وحقوق الإنسان ليسا مجالَين مختلفين، بل إن بينهما ترابطاً عميقاً. يجب الإبقاء على، أو توسيع النسبة المئوية لأموال المساعدات الأمنية التي يمكن حجبها استناداً إلى أوضاع حقوق الإنسان، وإلغاء التنازل بداعي مصالح الأمن القومي، أو على الأقل إضافة معايير واضحة. لقد أتاحت المشروطية التي يفرضها الكونغرس ورقة ضغط غير مسبوقة تستخدمها إدارة ترامب راهناً لإبداء قلقها حول عدد من المسائل، بما في ذلك حقوق الإنسان وأوضاع المنظمات غير الحكومية.
  • بناء علاقة ثابتة مع المواطنين المصريين عبر إظهار أن الولايات المتحدة مدرِكة لمخاوفهم، وتستخدم كل الوسائل الممكنة للدعوة إلى احترام حقوقهم. يُبدي المسؤولون الأميركيون وبعض أعضاء الكونغرس تردداً في التحدث علناً عن المخاوف المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان حفاظاً على مشاعر محاوريهم في الحكومة المصرية، غير أنه من المهم القيام بذلك لما لديه من تأثير فعّال. وينبغي على الإدارة الراهنة أن تتجنّب تكرار الخطأ الذي ارتُكِب خلال ولاية الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، عندما تسبّب تمنُّع المسؤولين الأميركيين في انتقاد سلوكياته غير الديمقراطية في تأجيج مشاعر العداء للولايات المتحدة ونظريات المؤامرة حول النوايا الأميركية. يتعيّن على الولايات المتحدة أن تناشد الحكومة المصرية الموافقة على قيام مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بزيارات ووضع تقارير، فضلاً عن قيام المقرِّرين الخاصين في الأمم المتحدة بالتقصّي عن مزاعم التعذيب وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وسواها من الانتهاكات، ويتوجب عليها أيضاً أن ترفع الصوت داخل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. بالتالي، ينبغي على المسؤولين الأميركيين وأعضاء الكونغرس أن يتحدّثوا في العلن عن قضايا بالغة الأهمية أو فادحة بوجه خاص.

الحجّة التي غالباً ماتُساق ضد الانخراط الناشط في شؤون حقوق الإنسان في مصر، هي أنه مهما فعلت الولايات المتحدة، لن يتحسّن الوضع. لكن ذلك ليس صحيحاً. فللخطوات التي يُقدِم عليها أعضاء الكونغرس والمسؤولون الأميركيون تأثير، تارةً يكون مباشراً وفورياً، وطوراً يكون غير مباشر، لكنه ليس أقل أهمية.