تونس رائدة في مجال العملة الرقمية. وفي حالة هي الأولى من نوعها، اعتمدت تونس في العام 2015 عملة وطنية إلكترونية مدعومة بسلسلة السجّلات المغلقة المعروفة بـ"بلوكتشاين" (الدينار الإلكتروني بلس)، في شراكة بين البريد التونسي وشركتي "مونيتاس" السويسرية للتكنولوجيا وشركة DigitUS التونسية الناشئة. أدخل البريد التونسي الدفع الإلكتروني إلى البلاد للمرّة الأولى في العام 2000، بعد فترة وجيزة من بدء المصارف الأوروبية بتقديم الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، وتلاه الدفع بواسطة المحمول في العام 2009. وفي العام 2016، بدأت الشركة بنقل زبائن الدينار الإلكتروني الـ600 ألف إلى نظام "الدينار الإلكتروني بلس" المدعوم بسلسلة السجّلات المغلقة.

يمكن للتونسيين استخدام هواتفهم الذكيّة لتحويل الأموال، عبر تطبيق يعمل بنظام التشغيل "آندرويد" ودفع ثمن السلع والخدمات إلكترونياً وشخصياً، بالإضافة إلى إرسال التحويلات، ودفع المرتّبات والفواتير، وإدارة وثائق بطاقات الهوية الرسمية. يُعدّ البريد التونسي مكاناً فريداً لتحوّل هذا النظام إلى مؤسسة مالية مختصة مرخّص لها من قبل البنك المركزي لإصدار هذه العملة الإلكترونية المربوطة بالعملة الوطنية. وفي حين أنها لاتزال في مراحلها الأولى، يمكن لهذه التطويرات التكنولوجية المقدّمة، من خلال هذا الشكل من العملة الإلكترونية، إحداث تغييرات كبيرة في تونس، حيث لاتتعدّى نسبة السكان الذين يتعاملون رسمياً مع المصارف 27.4 في المئة، وفقاً للمؤشّر المالي للبنك الدولي. وعلى الصعيد العالمي، شكّلت الخدمات المالية المتاحة عبر الهواتف المحمولة عاملاً رئيساً في توسّع النشاطات المالية، كما أنّها سمحت للناس بالادخار، والتخطيط للمستقبل، والتخفيف من تأثيرات التكاليف غير المتوقعة.

يواجه التونسيون اليوم العديد من العقبات المالية الرئيسة التي يمكن أن يساعد نظام "الدينار الإلكتروني بلس" الجديد في حلّها. فالدينار التونسي عملة غير قابلة للتحويل، أي أنه من غير القانوني للأفراد أن يدخلوه إلى البلاد أو يخرجوه منها، كما لايمكن استخدام بطاقات الائتمان التونسية عبر مواقع إلكترونية تجارية مثل "أمازون"، إضافة إلى أنّ سوق التجارة الإلكترونية المحلية غير متطوّرة، والتونسيون يفتقرون إلى الحوافز اللازمة للحصول على حساب مصرفي، إذا كانت لديهم الإمكانية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن للاستخدام واسع النطاق للدينار الإلكتروني أن يخلق دورة فعّالة، عبر تشجيع أصحاب المشاريع المحليين على تطوير التجارة الإلكترونية المحلية وحفز التونسيين على دخول سوق الدينار الإلكتروني.

يزيل نظام الدينار الإلكتروني أيضاً التكاليف الباهظة للمعاملات الموجودة في بعض أسواق العملة الإلكترونية الأخرى، إلى جانب تغطية رسوم المعاملات بمبلغ دينار واحد، وهي تكلفة يدفعها التجّار في غالبية عمليات تحويل الدينار الإكتروني. كما أنّ المنصة الحالية قابلة للتشغيل المتبادل مع خدمات الدفع الإلكتروني القائمة مثل المرافق العامة، وشركات الاتصالات، والشركات التونسية.

غيّرت العملة الرقمية المشهد المالي في العالم النامي، ما أتاح لمئات الملايين في جميع أنحاء العالم الوصول إلى الخدمات بأسعار معقولة. وقد أثبت تطوّر الخدمات المالية المتاحة عبر الهواتف المحمولة أنّه ثوري، وتُعتبر شركة M-Pesa الكينية أحد أهم الأمثلة على مدى قوّة هذه التكنولوجيا الجديدة. فمنذ انطلاقتها في العام 2007، نمت M-Pesa لتوفّر الخدمات لأكثر من 25 مليون كيني، ويمّر من خلال نظامها حوالى 25 في المئة من الناتج القومي الإجمالي في البلاد، كما يعود الفضل إليها في إنقاذ 2 في المئة من الأسر الكينية من بؤرة الفقر المدقع، وزيادة مداخيل المستخدمين بين 5 و30 في المئة.

في بداية العام 2015، أصدرت الإكوادور عملة رقمية لتوفير مدّخرات للحكومة التي أنفقت سابقاً 3 ملايين دولار سنوياً لتبديل العملات القديمة غير القابلة للاستعمال بأخرى جديدة. رُبطت هذه العملة الرقمية مباشرةً بالدولار الأميركي (وهو العملة الرسمية في الإكوادور) وتديرها الحكومة، وقد اعتمدتها سيّارات الأجرة، وتسمح للمواطنين بدفع ضرائبهم إلكترونياً علاوةً على تيسير التحويلات المالية بين الأفراد. وفي السويد، حيث شهد قطاع التجزئة انخفاضاً دراماتيكياً في المدفوعات النقدية (من 40 في المئة في العام 2010 إلى 15 في المئة في العام 2016)، يدرس البنك المركزي جدوى إصدار الكرونة الإلكترونية.

بخلاف العملات الرقمية الأخرى، تستخدم محفظة الدينار الإلكتروني "بروتوكول معاملات مستوحى من سلسلة السجّلات المغلقة". وسيتيح هذا النظام الجديد إمكانية العمل المشترك بين مختلف مزوّدي خدمات الاتصالات، من خلال توفير نظام حسابات مشترك واحد. ويعدّ هذا تطوّراً مهمّاً مقارنة بأنظمة أخرى يتعذّر فيها على عملاء مزوّد خدمة اتصالات دفع أو تلقي مدفوعات من عميل مزوّد آخر. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى خفض تكاليف المعاملات، كما يزيل النظام نفسه الحاجة إلى الثقة بين الأطراف في أي تفاعل مالي ويحدّ من العوائق أمام التبادل. ويوضح أحد مؤسسي DigitUS ، وليد إدريس، أن التكنولوجيا التي تقف وراء الدينار الإلكتروني فعّالة، وتخفّض التكلفة، وتزيل الأطراف الثالثة والوسطاء من المعاملات المالية والإدارية.

ولكي يكون للدينار الإلكتروني الآثار الإيجابية المذكورة أعلاه، يجب أن يعتمده عدد كبير من التونسيين، وأن يتمّ التغلّب على بعض العقبات التنظيمية والسياسية. ووفقاً لعرض قدّمه معز شقشوق، الرئيس التنفيذي للبريد التونسي، في شهر آذار/مارس 2017، يستخدم 700 ألف تونسي حالياً محفظة الدينار الإلكتروني ويمكنهم الوصول إلى بطاقات سحب آلي مدفوعة سلفاً وإلى حساب افتراضي. هذه بداية جيّدة، إلا أنّها لا تمثّل سوى نسبة صغيرة من التونسيين البالغ عددهم 11.5 مليون نسمة. لدى البريد التونسي القدرة على الوصول إلى التونسيين في جميع أنحاء البلاد من خلال فروعها الـ1200 في كل تونس، كما أنّ حساباتها متاحة لجميع التونسيين، بغض النظر عن وضعهم الاقتصادي. لكن حتى الآن، لم تبلغ الشركة الأعداد الكبيرة التي تحتاجها لإحداث تغيير جذري في البلاد.

لكن التحدي الأكبر أمام زيادة استخدام العملة الرقمية، ينبع من المخاوف بشأن غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. ففي حين يشعر المسؤولون الحكوميون والبنك المركزي بالقلق من أن تفتح المعاملات الرقمية أبواباً يمكن للأطراف السيئة استغلالها، تكمن المفارقة في أن بعض جهود الحكومة لمكافحة الفساد عبر وضع أحكام لمكافحة غسيل الأموال قد تقزّم استخدام العملة الرقمية التي يمكن استعمالها في محاربة الفساد. فطبيعة العملة الإلكترونية تخلق سجّلاً، أو حساباً مشتركاً، أو رقم هاتف، وهي قابلة للتعقّب بدرجة أكبر بكثير من التحويلات النقدية. كما أنها توفر مستوى من الشفافية يفتقده النقد، أو حتى عمليات الدفع التقليدية غير الرقمية.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن ثمة إرادة سياسية أضعف مما كانت عليه في الماضي لنقل تونس نحو مستقبل رقمي. فقد طوّر وزير تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي السابق، نعمان الفهري، خطة تونس الرقمية 2020، وشابه في توجهاته تفكير معز شقشوق، إذ سعى الرجلان إلى إيجاد حلول تكنولوجية مبتكرة للمشاكل الإقتصادية والإجتماعية في تونس. ومع ذلك، تفتقر الحكومة اليوم إلى مدافع قوي عن الدينار الإلكتروني أو أدوات تكنولوجية مماثلة.