زياد دويري مخرج لبناني عُرِضَ له مؤخراً فيلم "قضية رقم 23" الذي سيُعرض أيضاً في أوروبا والولايات المتحدة ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2018، وقد رشّح لبنان هذا الفيلم رسمياً لجوائز أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية (الأوسكار) عن فئة أفضل فيلم أجنبي، وبات أول فيلم لبناني يصل إلى القائمة المُختصرة لجوائز "الأوسكار" الشهر الفائت. بدأ دويري، الذي يعمل راهناً على إخراج مسلسل Baron Noir للتلفزيون الفرنسي، مسيرته المهنية كمساعد تصوير، وعمل مع عددٍ من المخرجين من ضمنهم كوينتن تارانتينو. وقد وصل إلى عالم الشهرة في العام 1998 من خلال فيلمه الأول "بيروت الغربية"، وتبعته أفلام أخرى، من ضمنها "ليلا قالت كذا" (2004) و"الصدمة" (2012) الذي صوّره في إسرائيل، ما وضعه في مرمى نيران حركة مقاطعة إسرائيل ونزع الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. يكتب دويري سيناريوهات أفلامه مع زوجته السابقة جويل توما التي عملت معه في معظم أفلامه.

أجرت "ديوان" مقابلة مع دويري في باريس في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2017 لمناقشة فيلم "قضية رقم 23".

مايكل يونغ: حظي فيلمكم "قضية رقم 23" بوافر التقدير خارج لبنان، ونال الممثل كامل الباشا جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية السينمائي، إضافةً إلى جوائز أخرى نالها الفيلم. ما سرّ هذا النجاح، ولاسيما أن الجمهور الأجنبي قد لايفهم موضوع الفيلم بيُسر؟

زياد دويري: المُفاجئ في الأمر هو أن المشاهدين الأجانب فهموا الفيلم تماماً، وإن فاتهم ربما بعض التفاصيل. خير دليل على ذلك أننا فزنا بجائزة الجمهور في كلٍّ من معهد الأفلام الأميركي في لوس آنجلس - سان فرانسيسكو، وفي إسبانيا وجنوب فرنسا. ويُعزى ذلك إلى حرصنا أنا وزوجتي السابقة وشريكتي في التأليف، جويل توما، على كتابة قصة الفيلم كي تكون مفهومة للجمهور اللبناني ولجماهير أخرى في آن أيضاً. لكن في الوقت نفسه، كان لابدّ من تقديم بعض الوقائع والتفاصيل عن تاريخ لبنان، إذ لايمكن محو هذه المعلومات بالكامل. لذا، أتينا على ذكر القوات اللبنانية، وقائدها سمير جعجع، وتحدّثنا عن أن الفلسطينيين ممنوعون من مزاولة الكثير من المهن في لبنان. وأردنا توضيح هذه النقاط قدر الإمكان، وجسّدنا هذا الحرص أيضاً على مستوى ترجمة الفيلم. ففي النسخة اللبنانية، ترجمنا القوات اللبنانية إلى الفرنسية بـ"FL " (أي مختصر Forces libanaises بالفرنسية). أما في النسختين الأميركية والعالمية، ترجمنا القوات اللبنانية بـ"الحزب المسيحي"، على الرغم من أن القوات ليست رسمياً حزباً مسيحياً، وإن كان جميع أعضائها من المسيحيين. فقد كان لابدّ من توضيح صورتها لتكون مفهومة للجمهور الأجنبي. صحيحٌ أنه قد يكون ثمة تفصيلان أو ثلاثة لم يفهمها الجمهور الأجنبي، إلا أنه فهم أن القصة تدور حول شخص يبحث عن العدالة، وحول أحداث جرت في الماضي. في نهاية المطاف، فيلم "قضية رقم 23" يروي قصة شخصين، أحدهما يسعى إلى تحقيق العدالة ويؤمن بالقضاء ويعتقد أنه يخدم مصالحه، وآخر لايؤمن بالنظام القضائي. وشاء القدر أن يتقاطع مسارهما. هو فيلم يروي قصة البحث عن الكرامة. هذا جوهر الفيلم، وهو موضوع عالمي، تفهمه الجماهير كافة على اختلاف مشاربها.

يونغ: ما الخلاصات التي استقيتموها من ردود فعل الجمهور اللبناني الذي يملك فهماً فطرياً لموضوع الفيلم؟

دويري: أعتقد أن الفيلم ولّد فيضاً من المشاعر، ولاسيما داخل الطائفة المسيحية. لم أعرف رأي الطرف الآخر، لكنني أرغب بذلك. أعرف أن الفيلم هزّ بنيان بعض الأمور. هذه كانت طبيعة الردود التي تلقّيت. إذ أتى العديد من الأشخاص إلي بعد الفيلم تختلجهم مشاعر جيّاشة، قائلين: "أخيراً ثمة فيلم يتحدّث عن ]تأثير [ الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا ماينبغي فعله". لكننا حين كتبنا القصة، لم يكن هدفنا تصفية الحسابات أو إطلاق رسائل تاريخية معيّنة.

إذا صنعت فيلماً بقصد نقل رسالة معيّنة، يزداد احتمال فشل الفيلم لأن الرسالة تكون مصطنعة. عليك أن تفكّر من منظور الكتابة الدرامية. ففي الأفلام والسيناريوهات، عليك أن تبني شخصيات الفيلم وأن تروي قصة، وأن تفكّر في هوية شخصياتك ومسيرتهم، وفي بداية مشوارهم ونهايته، وفي الأحداث التي تجري في منتصف القصة وتلك التي تشكّل ذروتها، وفي التطوّر الذي يطرأ على الشخصيات. عليك أن تتعامل مع مثل هذه المسائل المتعلقة بكتابة السيناريو، لا بالمسائل الاجتماعية-السياسية. قد يجري ذلك بشكلٍ لاإرادي، إنما لايتم التطرّق إليه في البداية بشكلٍ مباشر. في فيلم "قضية رقم 23"، قمنا أولاً بإعداد ملخّص: ما هي قصة طوني حنا؟ عليك أن تتعرّف على شخصية الفيلم الذي تصنعه، حتى لو لم تتحدّث عن ذلك في الفيلم. قلنا إن طوني حنا رجل فخورٌ صاحب مرآب لتصليح السيارات. وثمة محام في مواجهته. عليك أن تبني الشخصيات، فهذا فيلم يتمحور حول الشخصيات لا حول التاريخ. فأنا لا أصنع أفلاماً تاريخية.

يونغ: تحدّثتم عن سيناريو الفيلم. وهذا مايلفت نظر المشاهدين فوراً عند مشاهدة "قضية رقم 23"، ذلك أن العديد من الأفلام اللبنانية تفتقر إلى حبكة متماسكة، فتفقد زخمها في منتصف القصة. ماذا فعلتما أنت وزوجتك السابقة لعدم الوقوع في الأفخاخ التي تقع فيها سائر الأفلام اللبنانية؟ ما القواعد التي اتّبعتماها؟

دويري: يجب إتقان سرّ المهنة. صنعنا أفلاماً عدّة معاً ولازلنا نتعلّم. لاينبغي التحدّث مع الجمهور بشكلٍ متعالٍ، أو الأخذ بيده قائلين: "انظر، سوف أشرح لك بعض الأمور". فهذه الطريقة تبدو دائماً مفتعلة ومصطنعة. واقع الحال أن الجمهور يملك قدرة رهيبة على فهم الأشياء، لذا، يجب أن تكتب الفيلم بطريقة طبيعية من دون أن تشعر بالحاجة إلى إيصال رسالة. هذا فن كتابة السيناريو، وليس فن السياسة. ثمة مدارس تعلّم ذلك. ففي الحياة اليومية، يتحدّث الناس معاً في الوقت نفسه ويقاطعون بعضهم البعض. هذا مختلف عن المسرح، وتتم هذه الأمور بشكلٍ تلقائي ومن دون تخطيط مسبق. تتمحور المسألة ببساطة حول كتابة الحوار، لكن يجب أن يكون هناك قصة.

إن كنا نجحنا، فهذا لأنني أعتقد أننا انطلقنا أساساً من قصة متّسقة، تبدأ من شخص ينعم بحياة جيدة، بانتظار أن تلد زوجته طفلة صغيرة، قبل أن يتعكّر صفو حياته، في الدقيقة السادسة من الفيلم، حين يدقّ أحدهم باب منزله طالباً منه إصلاح تسرّب المياه. وهنا انقلب عالمه رأساً على عقب. وهذا ما يُسمّى الحادث المُحرِّك أو المحرِّض. لست أنا من اخترع هذا المفهوم، فقد كتب عنه أرسطو وموليير وشيكسبير، حيث يحدث أمر ما للشخصية الرئيسة في بداية الفيلم فتتوالى عناصر وأحداث جديدة. إذن، جلسنا لكتابة قصة تسير أحداثها على نحو طبيعي. أردنا صنع دراما تجري أحداثها في قاعة المحكمة وتخيُّل الحوار الذي يدور بين الشخصيات، وكان هذا الأمر سهلاً نسبياً.

يونغ: هل شاهدت أفلاماً لبنانية أو غير لبنانية أثناء تصوير "قضية رقم 23"؟

دويري: شاهدت الكثير من الأفلام الأميركية، مثل "الحكم" (The Verdict) و"فيلادلفيا" (Philadelphia) و"اثني عشر رجلاً غاضباً" (Twelve Angry Men) و"حكم في نورمبرغ" (Judgment at Nuremberg) و"المُطَّلِع" (The Insider )، إضافةً إلى أفلام بارزة مثل "رانغو" (Rango ) وهو فيلم رسوم متحركة عن حرباء، و"قصة كيو جو" (The Story of Qiu Ju) للمخرج زانغ ييمو (Zhang Yimou)، والفيلم الكوري "ذكريات قاتل" (Memories of a Murder). عندما تبدأ بالكتابة، تكوّن صورة عمّا سيكون عليه الفيلم، لكنك بحاجة إلى مصدر وحي. وحين تشاهد أفلاماً أخرى، تتساءل كيف نجح المخرجون في إنجاز أمور معيّنة، وما كان الحادث المحرّك لكلٍّ منهم، وفي أي لحظة نفّذوه. استوحيت ملابس وجدي وهبة، الشخصية التي يؤدّيها نبيل سلامة، من ملابس شخصية جيمس مايسون في فيلم "الحكم" (The Verdict) الذي شاهدته عشرين مرة. أردت أن أُظهر أن وجدي وهبة محامٍ فذّ، يملك مكتباً فخماً ومترفاً يعمل فيه العديد من الموظفين. هو مغرور لكنه يقول الحقيقة. وتواجهه محامية ساذجة للغاية تعتقد أنها ستربح القضية، لكن لاشيء يضمن ذلك. وهي لديها مساعد واحد، فيما لدى وجدي وهبة ثمانية مساعدين. هذا بعضٌ من الأمور التي فكّرنا فيها.

في غضون ذلك، جُلّ ماقمت به هو الكتابة ومشاطرة الأفكار مع أمي التي تعمل مستشارة قانونية، ومشاهدة الأفلام. شاهدت عدداً من أفلام الدراما القضائية لأعرف ما نسبة الأفلام من هذا النوع التي تتضمّن مشاهد تدور أحداثها في قاعة المحكمة. ففي "حكم في نورمبرغ" (Judgment at Nuremberg) مثلاً، 90 في المئة من أحداث الفيلم تدور في قاعة المحكمة.

يونغ: من هو المخرج الذي شكّل مصدر إلهام لكم بسبب تناوله بعضاً من المواضيع التي تهمّكم؟

دويري: لطالما أحببت أفلام سيدني لوميت لأنه شكّك دائماً بالنظام القائم. وهذا مايفعله أيضاً أوليفر ستون. لطالما أحببت أفلام هذين المخرجين. وتجدر الإشارة إلى أن السينما الأميركية عموماً تحسن القيام بذلك أكثر من غيرها، إذ تنظر إلى العالم من منظور أورويلي (نسبةً إلى جورج أورويل) يتحوّل بموجبه العالم إلى ساحة وغى بين داود وجليات الجبّار. إذن، أن يكون النظام ضدّك جزءٌ من الثقافة الأميركية. أجد أن الأفلام الأميركية أكثر تقدّماً من السينما الفرنسية، التي لاتشكّك في النظام القائم. الناس مرتاحون جدّاً في فرنسا، ويحبّون دولتهم. صحيحٌ أنهم ينتقدونها ولايحبّون ساستهم، إلا أنهم يعيشون بشكلٍ مريح ولايريدون تغيير الدولة. لذا، أعتبر أفلام لوميت وستون بارزة في هذا الصدد.

يونغ: لنتحدّث عنكم بعض الشيء. نشأتم في لبنان خلال الحرب.

دويري: كنتُ في لبنان بين 1975 و1983 ثم ذهبت إلى الولايات المتحدة، وكان والداي شديدَي الانخراط في الحركة اليسارية.

يونغ: أين عشتم في بيروت؟

دويري: في كورنيش المزرعة، قرب جامع عبد الناصر.

يونغ: عندما شاهدتُ فيلمك "بيروت الغربية"، تساءلتُ عما إذا كانت السينما وسيلتك للهروب من الحرب اللبنانية. هل كانت كذلك؟

دويري: هذا السؤال دائماً ما يُطرح عليّ: أين كانت نقطة البداية؟ لا أعرف تحديداً. هل بدأ اهتمامي بالأفلام لأن والدي كان يصطحبنا إلى السينما في صغرنا، حتى قبل الحرب؟ كنت أرتاد سينما "إمباسي" في الأشرفية، وسينما "عايدة" في حي الزيدانية في بيروت الغربية التي أمضينا فيها أنا وأحد أقاربي الكثير من الوقت لأنها كانت رخيصة الثمن، وسينما "سميراميس" وسينما بيروت. هل بدأ اهتمامي بالسينما منذ الصغر؟ هل جرى في غفلةٍ مني؟ هل كان السبب فيلماً شاهدته؟ لا أعرف. أفكّر في الأمر منذ عشرين عاماً ولم أعرف بعد من أين بدأ هذا الاهتمام، لكنه بدأ.

يونغ: يشي فيلم "بيروت الغربية" بأن اهتمامكم بالسينما بدأ على شكل قصة فتيَيْن عالقَين في لهيب الحرب الخانق في بيروت، وكانت السينما متنفّسهما.

دويري: بين عامَي 1975 و1983، خلال الحرب، كنا نذهب كثيراً إلى شارع الحمراء في بيروت لمشاهدة الأفلام، فقد كان هذا الشارع يضم الكثير من دور السينما العريقة مثل سينما "بيكاديلي" وسينما "الحمراء" وسينما "بافييون". قضينا الكثير من الوقت هناك لأن عائلتنا لم تملك أي وسيلة أخرى للتسلية. إذن، أين بدأ ذلك؟ يمكنني أن أطرح السؤال نفسه عليك. متى بدأ مشوارك؟ لاتعرف، فهذه الأمور تحصل على غفلةٍ منا. لقد شاهدت العديد من الأفلام، لكن غيري أيضاً شاهد الكثير من الأفلام. هذا أمر عادي.

أذكر أن والدي أحضر لي جهازاً لعرض الصور (أو بروجكتور) معه من بلغاريا في الستينيات عندما كنا نعيش في أفريقيا، حيث كان والدي يعمل مع الأمم المتحدة كأستاذ. هذه الحادثة محفورة في ذاكرتي كما لو أنها حدثت في الأمس. كان بإمكانك شراء فيلم 35 ملم وتشغيله بواسطة هذا الجهاز وإدارته يدوياً، فتمثل أمامك كل صورة على حدة، مُرفقة بنصّ ورسوم. كان لديّ صندوق مليء بهذه الأفلام الثابتة، غير المتحركة وكلٌّ منها يتألف من 35 صورة. كان الناس يشترونها من الدول الشيوعية. وقد شاهدتها بنهمٍ في صغري. ربما وُلدت في ذهني آنذاك فكرة مشاهدة الأفلام في غرفة مظلمة. سألتُ والدتي مراراً وتكراراً أن تعثر على تلك الأفلام، ولكننا لم نفلح في ذلك. ربما إذا نظرت إلى صندوق الأفلام القديم قد أهتف قائلاً: "يا إلهي! لقد تذكّرت تلك الرغبة التي انتابتني عندما شاهدنا تلك الأفلام آنذاك".

يونغ: ما أستغربه هو مدى تأثّرك بالسينما الأميركية، على الرغم من أنك لبناني المولد والمنشأ، وأنك صنعت العديد من الأفلام التي تتمحور حول مواضيع لبنانية. ما مدى صحة هذا الأمر؟

دويري: لايُعزى سبب تأثّري بالسينما الأميركية فقط إلى مشاهدتي الكثير من الأفلام الأميركية، بل لأنني تلقّيت تعليمي في الولايات المتحدة وتخرّجت من جامعة ولاية سان دييغو، ثم انتقلت إلى لوس آنجلس في العام 1985 وبدأت العمل على أفلام أميركية. لذا، كان من الطبيعي أن أستمدّ منها أصول المهنة والنظرة الثقافية. لو هاجرت إلى موسكو في الثمانينيات، لكنت صنعت أفلاماً على النسق الروسي. ولو هاجرتُ إلى فرنسا، لصنعت أفلاماً فرنسية. في الحقيقة، لا أحب الأفلام الفرنسية، وأرى أن ثمة عيوباً كثيرة تشوبها. كما أن الأفلام الفرنسية في السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة لاتعني شيئاً لي. أما السينما الكورية في المقابل فهي مثيرة للاهتمام كثيراً، لأن الكوريين عانوا مشاكل اجتماعية بعد الأزمات والأنظمة الدكتاتورية والاضطرابات الكثيرة والاحتلال الياباني الذي دام طويلاً. وتتمحور موضوعات السينما الكورية دائماً حول مسائل العار والشرف والحب الجامح. والكوريون يصنعون بعضاً من أعظم الأفلام في الوقت الراهن. أنا معجبٌ جدّاً بالسينما الكورية، لكنني أرى أيضاً أن بعض الأفلام الأميركية سابقة لعصرها. هذا هو انطباعي.

يونغ: تروي السينما الأميركية قصة ذات بداية وصلب موضوع ونهاية، وتتّسم بوضوح شديد. وكذا الأمر بالنسبة إلى أفلامكم.

الآن، ثمة بالتأكيد بعض الأفلام التي خرقت تلك الهيكلية. فقد فعلها فرانسيس فورد كوبولا ولاقى نجاحاً كبيراً في إحدى روائعه، رومبل فيش (Rumble Fish) – أحد أفضل أفلامه التي لم يشاهدها أحد. لقد خرق الهيكلية. من جهتي، أشعر بالراحة في العمل ضمن هيكليات أكثر رسوخاً، لكن هذا لايعني أنني لن أخرقها في المستقبل. فأنا أحبُ السيناريوهات الضيقة، ولا أحب الأفلام التجريدية والتحليلية، أو الشخصيات السلبية والتأملية. يمكن أن تكون شخصية ما سلبية في البداية، لكن في مرحلة ما لابدّ من أن تسيطر على حياتها، وأن تصبح جزءاً نشطاً من الفيلم. يجب أن ترغب شخصيتك في شيء ما. تجد شخصيات سلبية في الكثير من الأفلام في أوروبا والشرق الأوسط، ولهذا السبب يكون مصيرها الفشل والنسيان.

نسأل في "قضية رقم 23": ماذا يريد طوني حنا؟ يريد الفوز في جلسة المحكمة. ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى سماع قصص عن ماضيه. في المقابل، ماذا يريد ياسر؟ يريد إصلاح فتحة التصريف. ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى الإيمان بالعدالة. كل شخصية أخلقها لديها رغبات واحتياجات. ماذا يريد طارق في فيلم "بيروت الغربية"؟ يريد تطوير فيلمه. ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى النضوج. ماذا يريد الدكتور أمين الجعفري في فيلم "الصدمة"؟ يريد أن يعرف لماذا نفذت زوجته هجوماً انتحارياً. ماذا يحتاج؟ يحتاج إلى أن يفهم إيمانه ويدرك لماذا كانت نظرته المثالية للشرق الأوسط مخطئة. كل فيلم أقوم به، أعرف رغبات واحتياجات كل شخصية منذ البداية. ولاتُظهر الكثير من الأفلام في الشرق الأوسط بوضوح هذه التفاصيل. فمن يعمل من هذا المنظور قليلون جداً. بيد أن الفيلم ليس رسماً، هو قصة تروي أحداثها مجموعة من الصور.

يونغ: ثمة ماأدهشني في "قضية رقم 23"، هو أنه يدور حول نزاع يخرج تدريجياً عن السيطرة. يبدو أنه خلال وضعكم النص كان هناك العديد من المخاطر. بعبارة أخرى، كلما خرج الوضع بين الشخصيات عن السيطرة – مايعكس نزعة المجتمع اللبناني إلى السماح للأمور بالخروج عن السيطرة- كلما ازداد خطر أن تفقدوا أنتم أيضاً السيطرة على فيلمكم. لكنكم مضيتم قدماً على أي حال. لماذا؟

دويري: يجبرني سؤالك على التفكير في الدافع الأول وراء الفيلم. لماذا جذبتني فكرة أن شيئاً غير هام إلى هذه الدرجة سيصبح قضية وطنية؟ ذلك لأننا عشناها. ليس فقط لأننا نشأنا في لبنان في زمن الحرب. لطالما شعرت كما لو أنني قد أقع ضحية شيء غبي وقد يصبح قضية كبيرة قد لا أستطيع انتشال نفسي منها. منذ صغري كان والدي يطلب مني باستمرار الانتباه إلى كلماتي، قائلاً إن كلماتي يمكن أن تهين بعض الناس. نحن نعيش في مجتمع شغوف جداً وهشّ. لبنان بلد هشّ للغاية، هو ليس مكاناً تجد فيه منطقة الأمان التي يمكنك فيها تشاطر الكلمات والأفكار من دون الخوف من حدوث شيء ما. ثمة أسئلة يجب فعلاً توخي الحذر حيال طرحها. وكان مؤكداً أن قول طوني حنا لفلسطيني "يا ريت [أرييل] شارون أبادكم كلكم" ستخلق أزمة. فلو أهنت دين أحد ما أو النبي أو الكتاب المقدس، يمكن أن يتسبب ذلك باضطرابات في الشارع.

جاءت فكرة "قضية رقم 23" بعدما أهنت رجلاً كان سكب الماء علي. وأدركت من لهجته أنه فلسطيني، وكنت أعرف الكلمات التي ستؤذي مشاعره. وعندما وجهّتُ له ملاحظة شارون، مثل عبارة حنا في الفيلم، طلبت مني جويل، التي كانت تقف خلفي، الاعتذار. وعندما ذهبت للاعتذار منه كانت مشاعر الرجل مجروحةً جداً، لكنه لم يُبدِ رد فعل. بعدها بيومين، استيقظت من نومي وفكرت، "ماذا لو بدأ هذا الفيلم بإهانة، وبدلاً من إقدام الشخصية الرئيسة على الاعتذار، يطلب من الرجل الآخر الاعتذار والأخير يرفض؟" بهذه الطريقة بدأت القصة. لقد كانت حادثة حقيقية. هذه هي الشرارة التي جعلتني أنطلق بهذه القصة، لكنها لم تكن كلها وليدة هذ النزاع، فنحن نحمل على أكتافنا 40 عاماً من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، وجميعها محفورةٌ في ذاكرتنا.

ماحدث معي كانت محض صدفة، إلا أنني قررت أن أحاول استخدامه. وكتبت حوالى 200 صفحة من الملاحظات استناداً فقط إلى ذلك الحادث. وأدركت أن ماضينا الغني جداً كان يظهر على الورق. قصدت شقة والدي جويل في بلدة بكفيا الجبلية للكتابة، ووضعت ماكتبته جانباً. بعد الانتهاء من فيلم "الصدمة" وإطلاقه في العام 2012، أتى إليّ المنتج وسألني إن كان لدي فكرة جديدة.

أنا أتحدث تلقائياً. هل يمكنك تذكيري بسؤالك الأخير؟

يونغ: كان سؤالي حول الخطر من إمكانية فقدان السيطرة على فيلمكم، تماماً كقصة "قضية رقم 23".

دويري: نملك اليوم أنا وجويل خبرة أكبر مما فعلنا قبل بضع سنوات، وكنا قادرين على تجنُّب هذا. بعد أن حصلنا على التمويل وبدأنا كتابة الفيلم، اقترحتُ على جويل، التي تتحدّر من عائلة تتعاطف مع الأحزاب المسيحية خلال الحرب [ضد الفلسطينيين]، أن تكتب هي الأجزاء المتعلّقة بالمحامي المؤيد للفلسطينيين، في حين أكتب أنا المشهد الذي يظهر فيه الزعيم المسيحي سمير جعجع. فقد كان والديَ يساريين إلى أقصى درجة، ومؤيدين للفلسطينيين بقوة. مع ذلك، فالشخصية التي تمثلني في الفيلم هي المحامي وجدي وهبة، وقد أعدت كتابة حديثه بعد أن تمّت مقاطعة فيلمي لأنني صوّرت في إسرائيل. أغاظني قيام حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS ) باستهداف الفيلم وكان هذا ردّي. لم يزدني ذلك سوى إصراراً على التعبير عن وجهة نظري. وتمّت إعادة كتابة جميع الحوارات عملياً فقط لمواجهة حركة المقاطعة واليسار وجريدة الأخبار. ولم أفكر، أثناء إعادة الكتابة، سوى كم أشعرني هؤلاء الناس بالإحباط بعد منع عرض فيلم "الصدمة". اضطهدوني خلال فترة كنا نعاني فيها. وبجرّة قلم وحسب، وصفوني بالصهيوني وبالشخص الذي يسعى إلى التطبيع مع إسرائيل، حتى من دون مشاهدة الفيلم. كان الأمر برمته مجرد نفاق. كيف يمكن لهذه الحركة أن تطالب بمقاطعة فنان؟ على أي أساس؟ من أعطاهم الإذن ليقولوا لزياد دويري أين يضع كاميرته؟ أنا حر في الذهاب للتصوير في إسرائيل. أنا كفنان أملك هذا الحق .

لذلك عندما بدأنا في كتابة الفيلم، كنا نفعل ذلك لأن لدينا قصة جيّدة وأصبحنا مهووسين بشخصية وجدي وهبة. أصبح شخصيتي، هذه الشخصية التي تنطق بمعظم السطور، ويخرج من فمها كلماتي. كل ما كان يقوله وجدي، أؤمن به حقاً. فنحن في تطور دائم في حياتنا، وأنا كبرت على فكرة أن جعجع والقوات اللبنانية أشرار، لكني تغيّرت. نظرت إلى الجانب الآخر. هذا ما نقوم به لنعيش، ننظر إلى الجانب الآخر.

يونغ: مامكانة السينما اللبنانية اليوم؟

دويري: صفر

يونغ: لكنها تحسّنت خلال السنوات القليلة الماضية. فقد كانت غير موجودة خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية.

دويري: لدي نظرة رصينة جداً إزاء السينما اللبنانية لأنني أعلم أنهم يدرّسون الوسائل الخطأ في الجامعة. فالسينما تبدأ مع سيناريو، وليس مع ممثلين أو تمويل. عليك تدريس أهداف هذه المهنة. كتابة النص هو أمر أساسي، لكنه غير موجود في لبنان. مامن جامعة واحدة تعلّم ذلك. بعض الناس يقولون إنني نخبوي، لكن هذا ليس صحيحاً. أحب أن أفتح مدرسة حرة وأدرّس كيفية كتابة السيناريو.

يونغ: انطلقت مسيرتكم من الجانب التقني، في صناعة السينما، وليس من جانب الكتابة. كيف كان مساركم؟

دويري: كنت دوماً مهتماً جداً في الصور، ماذا تصوّر وكيف تحدّد الإضاءة. هذا كان محور اهتمامي. هذا ما أردت القيام به. أفلام مثل "كويانسقاتسي" (Koyaanisqatsi)، من إخراج غودفري راجيو وتصوير رون فريك، وكذلك فيلمَي "كرونوس" (Chronos) و"بركة" (Baraka) من إخراج فريك، كان لها تأثير كبير علي من الناحية البصرية. حاولت تقليدها. اشتريت كاميرا سوبر 8 (Super 8 ) في الكلية وحاولت تقليد الصور بتقنية الفاصل الزمني نفسها. ولم أتمكن من مطابقة شِعرهم البصري. هذه الأفلام تحفة فنية من حيث العمل والقصة. بعد ذلك، في مرحلة ما من حياتي، شعرتُ أنني أعرف ما يكفي عن ذلك. فجأة، بدأت أتطور نحو كتابة القصص. كان لدي قصص لأرويها. شعرت أنني لا أستطيع أن أفعل ذلك إذا بقيت مصوّراً سينمائياً. يمكنك إخبار القصص عندما تكون كاتب سيناريو. وأنا أثناء الدراسة، علّمت نفسي كتابة السيناريو. لم أذهب إلى المدرسة لدراسة ذلك. تعيّن عليّ قراءة النصوص وعلّمت نفسي كيف أكتب والانطلاق بالإخراج.

يونغ: يتوافر في لبنان العديد من القصص، لكن عدداً قليلاً جداً من الناس فعلوا ذلك بالفعل، سواء في الأفلام أو الروايات.

دويري: لدى لبنان الكثير من القصص لأن لدينا الكثير من الصراعات. الحبكة تكمن في جعلها عالمية. لا أريد أن أصنع أفلاماً لا يمكن أن يفهمها إلا اللبنانيون. أريد أن أصنع أفلاماً يمكن رؤيتها في كوريا أو أميركا اللاتينية، وأن تعتبر موضوعاً عالمياً. فقصص المخرجين الأميركيين تركّز دائماً على العالمية: الحب، الكراهية، الخيانة، العدالة والجشع. فيلم "قضية رقم 23" يحكي قصة رجل يسعى إلى تحقيق العدالة، هذا كل شيء. وعندما شاهد الجمهور الإسباني ذلك، شعروا بشيء يجمعهم به، لأنه بعد وفاة الجنرال فرانكو، تم قلب الصفحة بسرعة. ولم يكن هناك حوار وطني بعدها؛ حتى أن أي تسوية لم تناقش، كما في لبنان. وبالعودة إلى سؤالك، هناك الكثير من القصص التي يجب أن تُحكى في لبنان لأنه بلد مليء بالنزاعات، لكن الأمر متروك لك، يجب أن تكون ذكياً وتجد وسيلة لجعلها مستساغة لمختلف الجماهير.

يونغ: اليوم تعملون في المقام الأول في فرنسا، حيث كنتم تقومون بإخراج سلسلة تلفزيونية ناجحة، "بارون نوير" (Baron Noir). هل تعلمتم الكثير من الناحية الفنية من العمل في فرنسا، وكيف أثّر ذلك على مشاريعكم السينمائية؟

دويري: عندما تكون مخرجاً، تتولى مهمة وتفكّر في وسيلة لتحويلها بصرياً في الفيلم. عندما تم الاستعانة بي لإخراج هذه السلسلة السياسية، نظرت إلى المادة ولم أفهم 50 في المئة منها لأنها كانت مرتبطة إلى حدّ كبير بالسياسة الفرنسية وكيف ينظر الحزب الاشتراكي إليها من المنظور الداخلي الفرنسي. كتبها اثنان من المطلعين، أحدهما كان ناشطاً في الحزب الاشتراكي لمدة 25 عاماً، وكان هو من كتب خطب سيغولين رويال، وفرانسوا هولاند، وجان لوك ميلينشون. كان على معرفة جيدة بهذه المجموعة. عندما بدأت قراءتها، قررت أن أنظر إلى السيناريو على المستوى البشري وليس على المستوى السياسي. نظرت إلى مواضيع مثل السياسة، والتلاعب، والسعي إلى السلطة، والخداع، والكذب، والأعمال. هذا ما كنت أسعى إلى اصطياده.

بدأت أطلب من الكاتبين السير في هذا الاتجاه. كل ذلك سمح لي بالاختبار والقيام بتجارب في موقع التصوير مع كاميرا مرنة جداً، لأنه كان هناك الكثير من الحوارات. ستلاحظ أنه في الحلقات تتحرّك الكاميرا كثيراً، فإذا كنت أصوّر مشهداً لشخصين يتحدثان مثلنا نحن الآن، سيكون ذلك مُملّاً. فكرت في كيفية إجراء حوار من أربع دقائق وجعله مثيراً للاهتمام بصرياً على الشاشة. أردت أيضاً أن أفعل شيئاً في باريس لايبدو وكأنه فيلم فرنسي نموذجي صوّر من على أسطح منازل باريس. قلت للمنتجين إني لم أكن مهتماً في صنع فيلم "راتاتوي" آخر. أردت أن أصوّر في حيّ "لا ديفانس"، وهو جزء عصري للغاية من باريس حيث لا أحد يصوّر أفلاماً. أخبرني المنتجون أنه لن يكون ذا مصداقية، الأمر الذي لم أفهمه أنا إذ أننا لانزال في باريس. استغرق الأمر خمسة أسابيع حتى تمكّنت من إقناعهم، ثم أسبغنا نظرة فائقة الحداثة على هذه السلسلة. وقد استخدمت هذه الدروس وطبّقتها في فيلم "قضية رقم 23". ثم عدت وصوّرت الموسم الثاني من "بارون نوير" باستخدام الدروس المستخلصة من "قضية رقم 23". في الأساس، الأمر عبارة عن تمرين، كلما عملت أكثر جرّبت أموراً جديدة وتعلّمت أكثر.

يونغ: الآن بعد أن أدخل لبنان فيلمكم إلى جوائز الأوسكار، ماالذي سيحدث؟ وإلى أين أنت ذاهب من هنا؟

دويري: ليس الأمر في يدي بعد الآن. الأمر متروك لتصويت الأكاديمية. أنا سعيد جداً لأن خيار لبنان وقع عليه، لأنه في مرحلة ما كنت أشكّ في أن هذا سيحدث بسبب فيلم "الصدمة". لايمكنك أن تتخيّل كم كنت قلقاً خلال ذلك الوقت. اعتقدتُ أنه سيتم استخدام "الصدمة" لمنع عرض "قضية رقم 23" في لبنان. ولو لم يتم عرض الفيلم هناك، لما كان لبنان قادراً على ترشيحه. عندما عرضنا الفيلم على السلطات اللبنانية، كان هناك الكثير من الأخذ والردّ حيال الفيلم. ليس عليك أن تكذب في لبنان ليُفرض عليك الحظر، بل يمكن أن تُحظر لقولك الحقيقة. كنت سعيداً جداً بأن الأمن العام تصرّف بطريقة عقلانية. هذا هو ثوابي: الفيلم عُرض في لبنان والناس شاهدوه. أخيراً حصلتُ على ما أردت. وإذا حصلنا على ترشيح، سيكون الوضع مثالياً. لكن لا يمكن التنبؤ بما سيحدث.

يونغ: هل يمكنكم أن تعطونا لمحةً عن مشروعكم المقبل؟ هل مقره لبنان؟

دويري: لا، إنه فيلم حول اتفاقات كامب ديفيد. فقد حدث أمر مأساوي جداً خلال الأيام الثلاثة عشر التي أُبرمت فيها الاتفاقات. كل شخصية كانت مثيرة جداً للاهتمام في حدّ ذاتها. شخصياً، أحب صنع الأفلام التي لا هي سوداء ولا بيضاء. وإن أردنا الحديث بشكل دراماتيكي، يمكن القول إن الأفلام التي تكون شخصياتها متناقضة ومعقّدة تكون أكثر إثارة للاهتمام، فأنا أحب المناطق الرمادية.