أشارت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، في الثاني من كانون الثاني/يناير الجاري، إلى أنه ليس في نية إدارة ترامب أن تستمر في تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تؤمّن التعليم والرعاية الصحية وسواها من الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين، وذلك "بانتظار أن يوافق الفلسطينيون على العودة إلى طاولة المفاوضات". جاء كلام هايلي في أعقاب قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بإقرار القرار ES-10/L.22 ، الذي نصّ على أن أي مساعٍ لتغيير وضع القدس "لاغية وباطلة".

تبدّدت أية شكوك حول ماإذا كان كلام هايلي قد حمل دلالة متعمّدة في السياسات، عندما نشر الرئيس دونالد ترامب تغريدتَين بعد بضع ساعات على إدلاء المندوبة الأميركية بتصريحها.

  • "ليست باكستان البلد الوحيد الذي ندفع له مليارات الدولارات مقابل لاشيء، إنما هناك أيضاً عدد كبير من البلدان الأخرى. على سبيل المثال، ندفع للفلسطينيين مئات ملايين الدولارات سنوياً، ولانحصل على أي تقدير أو احترام. حتى إنهم لايريدون التفاوض على معاهدة سلام مع إسرائيل..." [5:37 ب.ظ. – 2 كانون الثاني/يناير 2018]
  • "... طال انتظارها. لقد رفعنا مسألة القدس، وهي الجزء الأصعب في المفاوضات، عن طاولة المباحثات، إنما على إسرائيل أن تدفع أكثر مقابل ذلك. لكن نظراً إلى أن الفلسطينيين لم يعودوا مستعدّين للتفاوض حول السلام، فما الذي يحملنا على تسديد أيٍّ من هذه الدفعات الطائلة لهم في المستقبل؟" [5:37 ب.ظ. – 2 كانون الثاني/يناير 2018]

لايُخفى على أحد أن إدارة ترامب تسعى جاهدة لخفض المساعدات الخارجية الأميركية على الصعيد العالمي – كما ظهر واضحاً عندما نفّذت الإدارة الجزء المتعلق بباكستان في تغريدة ترامب عبر تجميد معظم المساعدات الأميركية إلى ذلك البلد. لكن في حين أن عبارة "لاأحظى بالاحترام!" كانت بمثابة كنز كوميدي للممثّل الهزلي رودني دانغرفيلد في ثمانينيات القرن الماضي، هي لاتصلح لتكون نموذجاً في السياسة الخارجية. تناقش الإدارة الأميركية، كما أفيد، تجميد دفعة إلى الأونروا تصبح مستحقّة بحلول منتصف شهر كانون الثاني/يناير الجاري. لكن، قبل إجراء خفوضات كبرى في تمويل الأونروا، من الأجدى بإدارة ترامب النظر في التبعات.

تأسّست الأونروا في العام 1949، في أعقاب الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، لتوفير المساعدة إلى مئات آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا هرباً من النزاع. اليوم، تقدّم الأونروا المساعدات والخدمات لمايزيد عن خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية، كما في الأردن ولبنان وسورية. الولايات المتحدة هي الجهة المانِحة الأكبر للأونروا، مع مساهمة سنوية قدرها 300-400 مليون دولار أميركي في الأعوام الأخيرة، أي أكثر من عشرين في المئة من موازنة الأونروا السنوية، التي تواجه أصلاً نقصاً مستمراً بسبب التعهدات التي لايتم الالتزام بها كاملة. في حال أقدمت الولايات المتحدة على تجميد دفعاتها للأونروا تجميداً تاماً، فسوف يتسبّب ذلك بشلّ المنظمة.

على الرغم من تلويح ترامب بقطع المساعدات عن أي بلد صوّت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعمت البلدان العربية القرار بالإجماع. ومن شأن إجراء خفوضات في المساعدات لمصر والأردن أن يهدّد الشراكات الأمنية الاستراتيجية، ولذلك قد ترى إدارة ترامب في المساعدات إلى الفلسطينيين – وإلى الأونروا على وجه الخصوص – بدلاً من ذلك هدفاً مستساغاً. لكن الأونروا وكالة إنسانية وخدماتية دولية لاتتبنّى أي موقف سياسي، وهي بالتالي غير مرتبطة لا بالسلطة الفلسطينية ولا بمنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي حين أن التأثيرات السياسية للخفوضات في تمويل الأونروا على القيادة الفلسطينية تبقى في دائرة التكهّنات، الأمر مختلف في مايتعلق بالتأثيرات الإنسانية. تضم سبعمئة مدرسة تابعة للأونروا أكثر من 500,000 طالب، في حين أن العيادات الصحية ومواقع توزيع المواد الغذائية التابعة للوكالة تقدّم الخدمات لنحو نصف سكّان غزة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة. ليس هناك من مقدِّم خدمات بديل قادر على أن يبادر سريعاً إلى ملء هذا الفراغ، كما أنه لايتوافر مصدر تمويل بديل من أجل سدّ الثغرة. ولذلك من شأن هبوط حادّ وغير متوقّع في مستويات التمويل الأميركي أن يُهدّد التحصيل العلمي لعشرات آلاف التلامذة الفلسطينيين، ويُلحق مزيداً من الأذى بالظروف الاقتصادية المزرية أصلاً في غزة.

وسوف تكون للخفوضات في تمويل الأونروا تداعيات أبعد من غزة والضفة الغربية، في مرحلةٍ تشهد اضطرابات تاريخية في المشرق. يواجه لبنان والأردن مشقّات في تحمّل التبعات المالية والسياسية المتأتّية عن وجود نحو مليون لاجئ سوري في لبنان، وأكثر من 650,000 في الأردن. وهناك حوالي 500,000 لاجئ فلسطيني مسجَّلين لدى الأونروا في لبنان، وأكثر من مليونَين في الأردن. حتى في حال تبنّي التقديرات الأكثر تدنّياً الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي في لبنان، والتي تشير إلى تراجع أعداد الفلسطينيين في البلاد إلى 175,000، من شأن حدوث انخفاض حادّ في الخدمات التي تقدّمها الأونروا أن يشكّل خبراً غير مرحَّب به على الإطلاق.

بالطبع، يعاني الفلسطينيون في سورية من الوضع الأكثر حرجا. كان هناك نحو 560,000 لاجئ فلسطيني مسجّلين لدى الأونروا في سورية قبل اندلاع الحرب الأهلية، وثمة صعوبة في احتساب الأرقام راهناً. قبل النزاع، كانت الأونروا تتولّى تشغيل 118 مدرسة. اللافت أنه في أواخر أيلول/سبتمبر المنصرم، كانت 101 مدرسة من تلك المدارس لاتزال تفتح أبوابها، ويلتحق بها نحو 48,000 تلميذ فلسطيني على الرغم من العنف الذي أسفر عن مقتل مالايقل عن 18 موظفاً من الأونروا.

مما لاشك فيه أن الأونروا لم تنجُ من سهام السجال. فقد اتّهمتها بعض المنظمات الموالية لإسرائيل، فضلاً عن أعضاء في الكونغرس الأميركي، بشيطنة إسرائيل في الكتب المستخدَمة في مدارسها. كذلك وُضِعت علاقات المنظمة مع حركة حماس في غزة تحت المجهر. ولطالما اشتكت إسرائيل من أن وجود الأونروا – كمنظمة مخصّصة حصراً لمساعدة الفلسطينيين – يعبّر بحد ذاته عن تحيّزٍ منهجي ضد إسرائيل داخل منظومة الأمم المتحدة.

يوم الأحد المنصرم، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأييده لموقف ترامب، واصفاً الأونروا بأنها "منظمة تساهم في إطالة أمد مشكلة اللجوء الفلسطيني، وكذلك السردية المتعلقة بمايُسمّى حق العودة، والتي تهدف إلى إلغاء إسرائيل". ودعا إلى "إغلاق" الأونروا قائلاً بأنه يجدر بالولايات المتحدة أن تخفض دفعاتها إلى المنظمة بصورة تدريجية، وتعمد بدلاً من ذلك إلى تمرير تلك الأموال إلى المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة.

لكن خلف الكواليس، القصّة مختلفة. تعطي القوات المسلحة الإسرائيلية الأولوية لعلاقات العمل الإيجابية مع الأونروا، لجملة أسباب منها الإبقاء على مساعدات إنسانية إلى غزة لاتمرّ بحركة حماس. في الماضي، عندما هدّد الكونغرس الأميركي بقطع التمويل عن الأونروا، كانت إسرائيل – في الخفاء – من الأصوات الأكثر فعالية في مناهضة الخفوضات، وفقاً للمعلومات المتوافرة لكاتبَي المقال انطلاقاً من تجربتهما في وزارة الخارجية والكونغرس. وقد تحدّثت تقارير في الصحافة الإسرائيلية عن أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تعارض ايضاً إجراء أي خفوضات في تمويل الأونروا، لأنه من شأن ذلك أن يتسبّب بمزيد من تفاقم الأوضاع في غزة.

واقع الحال هو أن الخدمات الأساسية التي تقدّمها الأونروا تزيل العبء عن كاهل إسرائيل، فهي لن تعود مضطرة إلى تأمين تلك الخدمات. لقد وضعت إدارة ترامب تحسين العلاقات مع إسرائيل على قائمة أولوياتها في الشرق الأوسط. لكن في حال ساءت الأوضاع كثيراً في غزة، سوف تُضطر إسرائيل، وكذلك مصر، إلى مواجهة التداعيات.

في حين أن الخفوضات في تمويل الأونروا قد تترتّب عنها تبعات إنسانية دراماتيكية، يجب ألا يتعاطى ترامب مع المساعدات للفلسطينيين حاملاً مطرقة في يده. في حال تم إقرار قانون تايلور فورس، الذي صوّت عليه مجلس النواب الأميركي في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2017، فسوف يفرض على الولايات المتحدة قطع التمويل عن السلطة الفلسطينية حتى تتوقّف عن دفع الرواتب إلى الإرهابيين وعائلاتهم. يمكن أن تسدّد هذه المقاربة أيضاً ضربة جديدة للسلطة الفلسطينية التي تبذل جهوداً حثيثة للحفاظ على ملاءتها المالية. كما يمكن أن تؤمّن مادّة سهلة لحركة حماس تستغلّها في إطار محاولتها الحصول على دعم الجمهور الفلسطيني والإفادة من التحوّلات في السياسة الأميركية. إنما يتمتّع التشريع على الأقل بميزة الاعتراف بالمخاطر المتأتّية عن استهداف الشعب الفلسطيني، عبر تضمّنه استثناءات مخصّصة للمشاريع الإنسانية مثل شبكة مستشفيات القدس الشرقية، ومشاريع مياه الصرف، ولقاحات الأطفال.

بغض النظر عن القرار الذي سيتّخذه ترامب، وفي حال كان جدّياً بشأن إعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية – على الرغم من أن هذا المفهوم قد يبدو بعيد المنال إلى حد كبير – فإن إنزال العقاب بالشعب الفلسطيني ليس على الإطلاق السبيل الأفضل لتحقيق ذلك.