فيليبو غراندي | المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

يثبت القرن الحادي والعشرين أنه زمن ترحال. لكن ما هو مأساوي أن رحلات الناس، التي ضربت رقماً قياسياً، ليست طوعية. إنهم يفرّون من الحروب وعمليات الاضطهاد المتزايدة بحثاً عن الأمان. أكثر من 66 مليون شخص حول العالم يتأثّرون الآن بالتهجير القسري.

أسفرت الحرب الأهلية الضروس والمريرة في سورية، التي تقترب الآن من الذكرى السنوية السابعة، عن تشريد 5.4 ملايين شخص عبر حدود البلاد، بما في ذلك نحو مليون شخص إلى لبنان وأكثر من 3 ملايين إلى تركيا، إضافة إلى نزوح 6 ملايين آخرين في الداخل السوري. الضرورة تقتضي راهناً السعي إلى إيجاد حل سلمي لهذه الأزمة وغيرها من الأزمات في جميع أنحاء العالم، على غرار تلك المندلعة في ميانمار وجنوب السودان واليمن، ومعالجة أسبابها الجذرية، التي تتمثّل في كثير من الحالات في سوء الحكم، والإفقار، والقمع، والتدهور البيئي، واللامساواة المتنامية.

ومع استمرار البحث عن هذه الحلول، لا بد من بذل المزيد من الجهود لضمان عدم ترك ملايين المشردين، من رجال ونساء وأطفال، قابعين في غياهب المجهول، وبالتالي تمكينهم من عيش حياة كريمة ومرضية وبناء مستقبل لهم. ومن خلال تعزيز تقاسم المسؤولية على المستوى العالمي، يجب الحرص على أن يكون اللاجئون محط ترحيب ويحظوا بالحماية وتتوافر لديهم فرص العمل والتعليم، وأن تتلقى الدول المجاورة التي تستقبل الغالبية العظمى من اللاجئين دعماً دولياً كافياً، وأن يتمّ الترحيب باللاجئين في دول أخرى خارج مناطقهم عبر منح تأشيرات دخول وتوفير برامج إعادة التوطين.

لقد سلبت الحرب ماضي الملايين. وفقط عبر العمل يداً بيد وتكثيف مسؤولياتنا المشتركة، يمكننا أن نضمن ألا تسرق مستقبلهم أيضاً.


 

كلاوديو كوردوني | مدير الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) في لبنان

بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين تُعتبر حالتهم أكثر حالات اللجوء التي طال أمدها في العالم، يبدو أن الأمور تزداد صعوبةً واستحالةً يوماً بعد يوم. كما تبدو آفاق التوصل إلى حل عادل ودائم لمحنتهم بعيدة أكثر من أي وقت مضى. إذ يمكن اعتبار عملية السلام ميتة إلى حدّ كبير. ومن جهتها، تواجه وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) دعوات لتفكيكها. وهي بعد أن صمدت بالكاد خلال العام 2017، تواجه الآن قرار إدارة ترامب الثلاثاء الماضي بمنح مبلغ 60 مليون دولار فقط من المساهمة الأميركية المُقررة وإعادة النظر في الباقي. تأثير عجز الأونروا عن تقديم خدماتها إلى فئات سكانية ضعيفة ومهمّشة أساساً سيكون كارثياً على اللاجئين، وكذلك على استقرار الدول المضيفة والمنطقة ككل. ونحن يمكننا تفهُّم شعور اللاجئين الفلسطينيين المتزايد بأنهم مُهملون وعرضة إلى الهجمات، بخاصةٍ بعد اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.

لكن، لاتتأرجح السيناريوهات جميعها بين التشاؤم والكآبة. فالجمعية العامة للأمم المتحدة تقدّم دعماً لحقوق اللاجئين ولاستمرارية عمليات الأونروا. ولاتزال القيادة والموظفون في الأونروا ملتزمين التزاماً كاملاً بالحفاظ على خدمات الوكالة، وتعبئة موارد جديدة لضمانها. وفي لبنان، يوفّر التوافق القائم بين مختلف الأحزاب السياسية لإزالة القيود المحيطة بحق الفلسطينيين في العمل، مدعوماً بنتائج التعداد الأخير للفلسطينيين، أساساً جيداً لتحسين الظروف المعيشية للاجئين. ومع أن التحديات لاتنفكّ تزداد، إلا أن التصميم والإصرار على معالجتها أقوى الآن من أي وقت مضى.


 

ألان روك | الرئيس المتقاعد وأستاذ القانون في جامعة أوتاوا، وسفير كندا السابق لدى الأمم المتحدة، ومستشار أول لمجلس اللاجئين العالمي

الهجرة تطرح على عالم اليوم أفدح التحديات. فأعداد المهاجرين لاسابق لها، بإجمالي يقدّر بنحو 220 مليون نسمة. وهؤلاء يعبرون الحدود إلى مناطق جديدة لأسباب عديدة: إما سعياً وراء فرص اقتصادية وحياة أفضل، أو هرباً من مضاعفات تغيّر المناخ، أو للالتحاق بأعمالهم بعد تعيينهم في بلد جديد. الأكثر حظاً بين المرتحلين هم أولئك الذيم ينزلون في دولة أخرى بمحض اختيارهم وبإذن منها، وغالباً مايجري اختيارهم بسبب مهارتهم التي يجلبونها معهم.

بيد أن كثرة منهم يجب أن تشق طريقها في مسارات شاقة. فنحو 24 مليوناً هم لاجئون يفرّون من الاضطهاد أو من مخاطر التعرّض إلى تبعات نزاع عنيف. وغالباً ما يترك اللاجئون منازلهم، ولايحضرون معهم سوى حفنة مما يمتلكون، ويعتمدون على المفهوم القديم للجوء فيما هم يسعون إلى النزوح إلى ما يأملون أنه مكان أكثر أمنا.

أصبحت الهجرة عموماً وطلب اللجوء خصوصا، أكثر صعوبة في السنوات الأخيرة. فالعصبية المحلاوية وكراهية الأجانب تخلقان في العديد من المناطق مقاومة للقادمين الجدد من أراضٍ أجنبية. ومايُشعل السرديات المسمومة عن المهاجرين هو الجهل والقادة العنصريون، بمن فيهم القابعون راهناً في البيت الأبيض. وكما هو معروف، أدّت الحروب في الشرق الاوسط إلى دفع موجات من النازحين إلى أوروبا، ما أسفر عن ردود فعل حادة واضطرابات سياسية.

الأمم المتحدة تجهد لمواجهة هذه التحديات. والدول الأعضاء فيها يتفاوضون حالياً حول ميثاق عالمي جديد يهدف، من ضمن أشياء أخرى، إلى تحقيق تقاسم أكبر للمسؤولية حيال اللاجئين. وهذا يجب أن يشمل مستويات مناسبة من التمويل المُستقر من جانب الدول المُضيفة، ودور لكل دولة في التعاطي مع التهجير القصري، وحماية النازحين داخليا. إن مجموعات، مثل مجلس اللاجئين العالمي، تغذي عمل الأمم المتحدة من خلال ضخ أفكار مُبتكرة حول الطريقة المُثلى لتحقيق هذه الأهداف. وستتوّج هذه المفاوضات في اجتماع للدول الأعضاء في المغرب في وقت لاحق من هذا العام.

لكن، فيما نحن نسعى إلى صيغة للتعامل مع مسألة الهجرة العالمية بشكل إنساني وعادل، لن نعثر على العامل الرئيس على طاولة المفاوضات هذه، بل هو يكمن في قلوب الناس في كل مكان وفي مدى استعدادهم للإطلالة على "الآخر" بكونه أنسانا. وحين تكون هذه القلوب منفتحة ومستعدة للمشاركة، سنجد حينها الوسائل لمواجهة وإدارة التحديات التي تفرضها مسألة الهجرة.


 

مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط

وضع اللاجئين يفطر القلب. والنظام الدولي ليس مُعدّاّ للتعاطي بفعالية مع هذه الأعداد الهائلة من الناس المُتنقلين عبر الحدود. وهذا يشمل أكثر من 65 مليون إنسان أُجبروا على سلوك رحلات خطرة وغادرة عبر البر والبحر للوصول إلى ملاذات آمنة أو حياة أفضل، أو هم يسعون للعثور على ملجأ يقيهم غائلة العنف داخل وطنهم. لقد كانت ردود الفعل الدولية مجتزأة ومشتتة وغالباً ما ركّزت على معالجة هذه الأوضاع بكونها أزمات إنسانية. بيد أن الملايين يسقطون بشكل مطّرد في وهدة الفقر، والآلاف فقدوا أرواحهم، فيما خسرت أجيال كاملة إمكانيات التعليم وفرص بناء مستقبل أفضل. وفي هذه الأثناء، يُترك مصير السكان النازحين داخلياً في مهب نزوات وأهواء دول (كسورية) هي في طليعة مُرتكبي العنف الذي أجبر النازحين أصلاً على المغادرة.

في مايتعلق على وجه الخصوص بالشرق الأوسط وأفريقيا، تم قذف المسؤولية الدولية عن ضمان أمن اللاجئين والمهاجرين إلى قارعة التهميش، وتركّزت الجهود السياسية بدل ذلك على احتواء تدفق الناس نحو القارة الأوروبية، وعلى ضمان أن يبقى من نزحوا، داخل منطقتهم.

لقد آن الأوان للاعتراف بالجذور السياسية لمعضلة اللاجئين والمهاجرين. وهذا يعني البدء بوضع هيكلية إقليمية ودولية للتنمية تستند إلى الموارد المحلية والوطنية، وتخلق الأسس لنمو مُستدام وعادل. كما ثمة ضرورة أيضاً لبُنية سلام تقوم على مبادىء الكرامة، والعدالة، والمساواة، والمحاسبة.

من دون الاعتراف بكل ذلك، سيبقى السلام سرابا، وسيبقى الناس عُرضة إلى التشريد وسط ظروف فظيعة.