تطرح التطوّرات الأخيرة في تونس سؤالاً محورياً حول مستقبل البلاد : هل لازالت على المسار الصحيح كقصة النجاح الوحيدة في الربيع العربي، أم أنّها تنجرف ثانيةً نحو الاستبداد؟

يشدّد المتفائلون على صحافة حرّة في تونس، ومجتمع مدني نابض بالحياة، ونظام سياسي متعدّد الأحزاب، كمؤشّرات إيجابية على تقدّمها المتواصل؛ بينما يشير المتشائمون إلى الفساد المسشتري، والتأخير في تطوير المؤسسات الديمقراطية، وقوّات الأمن التي تفرط في استخدام القوّة، كمؤشرات على مشاكل مقبلة . وتثير التظاهرات الأخيرة في الشارع التي أسفرت عن أضرار كبيرة في الممتلكات، ومئات المعتقلين، ومقتل متظاهر، مخاوف جديدة بشأن الاستقرار في البلاد.

صحيح أن تونس تستحق تقديراً كبيراً لما حقّقته منذ الثورة في العام 2011، لكن ينبغي القيام بالمزيد من أجل تمتين هذه المكاسب وتأمين مكانة البلاد الهشّة بين ديمقراطيات العالم. وعلى الحكومة التونسية، على وجه الخصوص، أن تعالج بفعالية أكبر المشاكل الاقتصادية الصعبة التي تواجهها البلاد، والتي تشكّل أكبر تهديد لتقدّمها الديمقراطي .

على الضفة الإيجابية من السجّل، قطعت البلاد شوطاً كبيراً منذ ثورة العام 2011. فبعد نشوة الربيع العربي في البداية، دخلت تونس في أزمة عميقة تمثّلت بالهجوم على السفارة الأميركية في العام 2012، واغتيال شخصيّتَيْن سياسيتَيْن في العام 2013، والهجمات القاتلة ضد مواقع سياحية في العام 2015. وكان النظام السياسي في تونس كذلك في حالة من الاضطراب، ولاسيّما في العام 2013 عندما تعرّضت ما يسمّى بـ"حكومة الترويكا" إلى انتقادات واسعة النطاق على خلفية سوء إدارتها للتحوّل في البلاد.

لحسن الحظ، تمكّنت تونس من تحويل الوضع لصالحها. إذ أسفرت الوساطة التي بدأتها أربع مجموعات رائدة في المجتمع المدني في العام 2013 عن اعتماد الدستور الديمقراطي الجديد للبلاد، وتسليم السلطة مؤقتاً إلى حكومة تكنوقراط، وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة في العام 2014. كذلك، أدّى المزيد من الجهود الفعّالة لمكافحة الإرهاب مع المساعدة الدولية إلى تحسّن ملحوظ في الوضع الأمني منذ العام 2016 وصاعداً. ومنذ ذلك الحين، تميّز المشهد السياسي بتعاون عملي بين أكبر حزبين ــ النهضة ونداء تونس ــ أدّى إلى استقرار سياسي أكثر من أي وقت مضى منذ الثورة.

في الوقت نفسه، لايزال التقدّم المُحرز في البلاد ناقصاً، خصوصاً في المجال الاقتصادي. إذ تعمّ حالة من السخط الشعبي بشأن نقص النمو الاقتصادي، واستمرار ارتفاع معدّلات البطالة والمشاكل الاجتماعية في المناطق الداخلية، والفساد. ويلفت النقّاد أيضاً إلى مشاكل في الوفاء باستحقاقات سياسية أساسية، مثل التأجيل المتكرّر للانتخابات المحلية، والتقدّم البطيء في إنشاء المحكمة الدستورية. وممّا يبعث على القلق أيضاً المضايقات التي يتعرّض إليها بعض الصحافيين والمدوّنين، وقانون المصالحة الإدارية الذي يجيز العفو عن موظّفي الخدمة المدنية الذين سبق لهم التورّط في الفساد، وعودة العديد من مسؤولي النظام السابق إلى مواقع داخل الحكومة الحالية.

بشكل عام، لدى المتفائلين مبرّرات أقوى في ما يتعلّق بتقدّم تونس في القضايا السياسية والأمنية، في حين يكسب المتشائمون الجدال حول الاقتصاد. على صعيد الأمن، من الواضح أنّ الوضع الآن أفضل بكثير مما كان عليه عندما كانت الهجمات الإرهابية والاغتيالات السياسية حوادث شائعة. ومع ذلك، يجب على القيادة السياسية أن تبقى متيقظة لتضمن ألا تعمل قوّات الأمن إلا في حدود معايير القانون.

على الصعيد السياسي، تثير الصعوبات في تنفيذ الأحكام الدستورية وإجراء الانتخابات المحلية القلق، لكنّ التأخير كان شائعاً خلال التطوّر السياسي في تونس منذ الثورة. فقد استغرقت جميع الخطوات الرئيسة المرافقة للتحوّل الديمقراطي وقتاً أطول مما كان متوقعاً، لكنّها تحقّقت في نهاية المطاف. على سبيل المثال، كان من المتوقّع في البداية إنجاز الدستور الجديد في غضون سنة واحدة، إلا أنّه استغرق ثلاثة أضعاف ذلك الوقت. الحفاظ على التقدّم إلى الأمام هو الأساس، وليس الجدول الزمني الدقيق. مع ذلك، هناك استحقاق رئيس لاينبغي السماح له بالسقوط، وهو الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقرّر إجراؤها في العام 2019.

لكنّ التقدّم في تونس في خطر حقيقي بسبب الاقتصاد. فعلى مدى سنوات، أرجأت الحكومات التونسية إصلاحات صعبة، ولاسيّما التمويل العام والتوظيف في القطاع العام، واعتمدت على المساعدة الدولية لشراء الوقت. من دون الإصلاحات، سيواصل الاقتصاد النمو ببطء، ولن يتمكّن من إنتاج التنمية اللازمة للتخفيف من وطأة الفقر والبطالة. لقد سعت الحكومة إلى معالجة هذا الأمر من خلال حزمة من تدابير التقشّف المالي التي دخلت حيّز التنفيذ في الأوّل من كانون الثاني/يناير، إلّا أنّ هذه الإجراءات أدّت إلى احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد. ومنذ ذلك الحين، حاولت الحكومة تهدئة المتظاهرين عن طريق زيادة مخصصات الرعاية الاجتماعية للأسر المحتاجة.

أمام الحكومة مهمّة اقتصادية صعبة، إذ يجب أن تُدخل إصلاحات لتحفيز النمو الاقتصادي والتصدّي للاختلالات الإقليمية، لكنّها بذلك يجب ألّا تجعل حياة المجتمعات المهمّشة أكثر صعوبة، ما قد يثير اضطرابات اجتماعية وسياسية. سيتطلّب الأمر إيجاد سبل لاستهداف الإصلاحات بصورة أضيق نطاقاً في القطاعات غير الفعّالة ــ الشركات المملوكة للقطاع العام على سبيل المثال ــ وعدم فرض تدابير بطرق تؤثّر بشكل غير متكافئ على الأسر ذات الدخل المحدود. هذه المهمّة لن تكون سهلة، لكنّ إصلاح الاقتصاد ضروري لتواصل نجاح البلاد.

من أجل المضي قدماً، سيحتاج التونسيون إلى البناء على الإنجازات الحالية للتحوّل الديمقراطي. كما ينبغي أن يستمرّ التعاون القائم بين الأحزاب السياسية الرئيسية، في الوقت الذي تتصدّى فيه تونس لهذه التحديات الاقتصادية الصعبة. وكذا الأمر بالنسبة إلى قوّات الأمن التي ينبغي عليها الاستمرار في التصرّف بطريقة مسؤولة، عبر السماح بالاحتجاج المشروع، وعدم الإفراط في ردّ الفعل في حال تحوّلت الاحتجاجات نحو العنف. تحقيق التوازن الصحيح في كل هذه المجالات سيكون أمراً صعباً، لكنّ سجّل تونس في النجاح منذ الثورة يبعث على الأمل في أن تتمكّن من مواجهة العواصف الحالية.