الأزمة العسكرية-الدبلوماسية الراهنة بين تركيا والولايات المتحدة، والتي تصوّرها أنقرة على أنها حالة من "العداء الصريح" بين الدولتين، متوقّعة للغاية وقيد التشكّل منذ ردحٍ طويل من الزمن، وهي نابعة أساساً من الخوف التركي الدائم من تقسيم البلاد – وهو مايمكن تسميته بـ"متلازمة سيفر" (نسبةً إلى معاهدة سيفر) – ومن نظريات المؤامرة التي تتوالى فصولاً ومفادها أن القوى الغربية تسعى إلى تقسيم تركيا منذ نشأة الجمهورية في العام 1923.

لكن سردية أنقرة الراهنة عن الأزمة تنطوي على سببين في غاية الأهمية متعلّقين بالسياسة المحليّة. أولاً، لم يتمكّن حزب العدالة والتنمية، الذي حافظ على مركزه الأول في البرلمان في الانتخابات التشريعية التي جرت في حزيران/يونيو 2015، من تشكيل حكومة من حزب واحد (كما فعل بعد وصوله إلى سُدة الحكم في العام 2002)، فيما حصد حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد المرتبة الثالثة، وحلّ حزب الحركة القومية في المرتبة الرابعة. شكّلت هذه النتيجة صدمة للرئيس رجب طيب أردوغان، ولاسيما أنها تزامنت مع ظهور مؤشرات أولى عن مساعي الأكراد العراقيين إلى الاستقلال، والأداء العسكري الجيّد للأكراد السوريين المنضوين تحت لواء وحدات حماية الشعب في المعارك التي دارت رحاها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ثانياً، أدّى هذا الوضع الجديد إلى تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية، وتجميد عملية السلام مع حزب العمّال الكردستاني التي أطلقتها أنقرة قبل ثلاث سنوات. فعلى غرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تُدرج تركيا حزب العدالة والتنمية ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية. وكما هو متوقّع، ناشد القوميون في حزب الحركة القومية الحكومة سنّ سياسات أكثر تشدّداً ضد الأكراد الأتراك.

في خضم هذا الوضع، اعتبرت الحكومة التركية التحالف العسكري - الذي شُكِّل في سورية بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب التي تعتبرها تركيا وثيقة الصلة بحزب العمّال الكردستاني – بمثابة خطوة عدائية. وقد استولت وحدات حماية الشعب على أراضٍ كانت ترزح تحت سيطرة الدولة الإسلامية في المنطقة الممتدّة من نهر الفرات غرباً إلى نهر دجلة شرقاً ووصولاً إلى مدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية-العراقية جنوباً. وتجدر الإشارة هنا إلى نقطة هامة هي أن تركيا لم توافق إطلاقاً على الدعم الذي قدّمته الولايات المتحدة إلى وحدات حماية الشعب. وما زاد الطين بلّة أن إدارة ترامب زادت دعمها لوحدات حماية الشعب، على الرغم من أن أنقرة كانت تأمل عكس ذلك.

انتهجت الإدارة الأميركية ي 17 كانون الثاني/يناير، بعد عامٍ من التزامها الصمت حيال استراتيجيتها بشأن سورية، سياسةً مفادها أن القوات الأميركية ستبقى مُنتشرة في شمال شرق سورية لإتمام الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وقد أعاد الرئيس دونالد ترامب التأكيد على هذه الاستراتيجية خلال منتدى دافوس في 26 كانون الثاني/يناير. وفي العام الأول من ولايته، سلّم ترامب الجيش زمام العمليات في شمال سورية، ما أحدث ثغرة على مستوى الاتصالات الدبلوماسية مع تركيا. يُضاف إلى ذلك أن القيادة التركية باتت تشكّ فعلياً في مدى صدقية واشنطن بعد إعلان هذه الأخيرة مؤخّراً عن نيّتها إنشاء قوة حرس حدود في سورية قوامها 30000 عنصر، يُرجَّح أن تخضع بشكلٍ كبير إلى نفوذ وحدات حماية الشعب. ومع أن الأميركيين صحّحوا خطأهم بعد بضعة أيام، لم يكن هذا كافياً لتهدئة المخاوف التركية.

امتدّت العملية التركية، التي انطلقت في 20 كانون الثاني/يناير بعد أن حصلت القوات الجوية التركية على الضوء الأخضر الروسي للقيام بمهمات قتالية، على طول الحدود البالغة 150 كيلومتراً التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بين عفرين وتركيا. لم يكن لذلك أي تأثير على القوات الأميركية، إذ إن وجودها معدوم في المنطقة المجاورة. لكن في المقابل، ثمّة وجود كبير للقوات الخاصة الأميركية في الأراضي الواقعة على طول 450 كيلومتراً بين نهري دجلة والفرات، وتشمل جيباً صغيراً في مدينة منبج الواقعة على الضفة الغربية للفرات، حيث كانت الولايات المتحدة قد وعدت أنقرة بألا تطأ وحدات حماية الشعب قدماً أبداً هناك. منبج هي بالتحديد المكان الذي أعلنت منه القيادة التركية أنها ستتدخل فيه فور الانتهاء من تطهير حدودها من وحدات حماية الشعب.

في حال تمّ تطبيق هذه الاستراتيجية، سيبرز خطر حقيقي لنشوب نزاع بين القوات التركية والأميركية، وستصبح عندئذٍ استراتيجية واشنطن في سورية أكثر تعقيداً بكثير. فقد بلغ طوفان الانتقادات التركية لواشنطن مستويات مرتفعة جديدة، وذلك عقب نشر مقال مؤيّد للحكومة بعنوان "الولايات المتحدة عدو تركيا"، وهو عبارة عن مزيج مذهل من جميع نظريات المؤامرة التي أُحيكت في تركيا حول الولايات المتحدة.

علاوةً على ذلك، لايمكن لحملة عفرين - على افتراض أنه قد تمّ دفع وحدات حماية الشعب خارج هذه المنطقة الكردية الواقعة في أقصى الغرب وإخراجها من شرق نهر الفرات – سوى أن تكون حلاً مؤقتاً. ففي نهاية المطاف، يهدف نظام الأسد إلى استعادة السيطرة على حدود البلاد. والغريب أنه بالإمكان تحقيق ذلك من خلال اتفاق غير مباشر مع تركيا، بوساطة روسية، لكن لايمكن استبعاد إمكانية أن تفضل دمشق التوصل إلى اتفاق آخر مع الأكراد السوريين. وعلى الرغم من الضجيج الإعلامي في تركيا، لاتزال طريق التهدئة الكاملة لعفرين طويلاً.

هذا ومن شأن عوامل مثل صفقة بيع صواريخ "أس 400" (التي حظيت بتغطية إعلامية كثيفة لكنها لم تُطبّق بعد) من روسيا إلى تركيا، والمحصلة النهائية لحملة عفرين، والتعقيدات التي قد تترتب على العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا في الجزء الشرقي من سورية، أن تساهم في "نجاح" موسكو في سورية. فسياسة أردوغان المتقلّبة في البلاد قد تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك من خلال وضع أكبر جيشين تقليديين في حلف شمال الأطلسي، في مواجهة بعضهما البعض. لذا، ليس من المستغرب أن يشعر الحلف بعدم الارتياح حيال هذا الوضع.

في التحليل الأخير، لابدّ لنا من العودة إلى السياسة المحلية التركية. فعلى رغم خطر الإرهاب الذي تسلّط عليه أنقرة الضوء، تُعتبر عملية عفرين أيضاً بمثابة مناورة انتخابية لأردوغان. والجدير ذكره هنا، على سبيل المثال، أن الأتراك لم يشاركوا أبداً في عملية دبلوماسية مع الأكراد السوريين، عبر وساطة أميركية. بدلاً من ذلك، تعمد القيادة التركية، من خلال تكثيف الخطاب القومي، إلى إبقاء تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية على رأس أولوياتها. كما أعربت أطراف مثل حزب الشعب الجمهوري المعارض، ومنظمات رجال الأعمال الرئيسة في تركيا، والسلطات الدينية الأرمنية والأرثوذكسية، عن تأييدها لعملية عفرين. وفي الوقت نفسه، تمّ اعتقال أكثر من 300 شخص لمعارضتهم الحملة العسكرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. جميع السياسات تدور بالفعل في الفلك المحلي.

الأسئلة التي ستطرح نفسها في سورية وستكون أكثر جوهرية: إلى أي مدى يريد أردوغان تحدّي سياسة الولايات المتحدة جهاراً؟ وإلى أي درجة سيرغب ترامب في الدفاع عن مصالح الأمن القومي الأميركي ضد إيران وروسيا؟ الإجابات عن هذه الأسئلة ستكون لها تبعات ضخمة على سورية، وربما حتى على حلف شمال الأطلسي.