في 20 كانون الثاني/يناير، بدأت تركيا عملية عسكرية ضخمة في منطقة عفرين شمالي سورية،ضدّ وحدات حماية الشعب (YPG)، الجناح المسلّح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري. ولدى سؤال المرء عن طبيعة العملية حقاً، قد يتلقّى الردّ التالي: إنّها مقايضة بشكل أو بآخر، حيث يتم استبدال عفرين بأبو الظهور والجانب الشرقي من سكة حديد الحجاز في محافظة حلب.

في الواقع، أعطت روسيا الضوء الأخضر لتركيا لدخول عفرين، الأمر الذي قد يسمح مستقبلاً لمقاتلين سوريين مدعومين من تركيا بالسيطرة على الأرض واستعادة بعض المناطق، كمدينة تل رفعت العربية. في المقابل، سيتعيّن على تركيا الإذعان لجهود القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا لاستعادة بلدة أبو الظهور وقاعدتها الجوية الاستراتيجية في محافظة إدلب، بالإضافة إلى السيطرة ثانيةً على الجانب الشرقي من خط سكّة حديد الحجاز سابقاً، الذي يمتد جنوباً من محافظة حلب باتجاه دمشق. وعلى الرغم من أنّ هذا الخط خارج الخدمة حالياً، إلا أنّه منذ الجولة السابعة من المحادثات في الأستانة، أصبح نقطة جغرافية مرجعية لإنشاء مناطق تخفيف التصعيد.

يرسم التفاهم الروسي ــ التركي الحالي حدوداً جديدة بين الجانبين، ويحصر معارك النظام خارج مناطق تخفيف التصعيد المتفق عليها. يبدو أنّه لاتوجد أي مساعدة متبادلة بين الطرفين، إذ سيتعيّن على كل قوّة عسكرية مواجهة عدوّها بمفردها. والنتيجة هي مبادلة أراضٍ أشبه بالحقبة الاستعمارية، حيث ستضطر الجهات الفاعلة غير الحكومية ــ وحدات حماية الشعب في عفرين وهيئة تحرير الشام التابعة لتنظيم القاعدة في إدلب ــ إلى دفع الثمن عن طريق إخلاء كل من هذه المناطق.

من الناحية الاستراتيجية، يعّد هذا التعديل في الحدود الحالية في غاية الأهمية لكلا الجانبين. فبالنسبة إلى النظام السوري، تعدّ السيطرة على قاعدة أبو الظهور الجوية مسألة حيوية للعمليات المستقبلية في محافظة إدلب. تقع هذه القاعدة، التي تمتد على مساحة 16 كيلومتراً مربّعاً، والمزوّدة بـ20 مرآباً محصّناً للطائرات، استراتيجياً عند تقاطع محافظات حلب، وحماه، وإدلب. ووجودها في وسط تضاريس مسطحة، يعني أنّ أي جهود للاستيلاء عليها قد تستغرق أشهراً. في الواقع، لم يخسر النظام القاعدة الجوية في العام 2015 لصالح هيئة تحرير الشام، إلا بعد حصار استمرّ عامين وبعد العديد من المحاولات المكلفة للاستيلاء عليها.

وفي الوقت نفسه، ستؤدي السيطرة على الجانب الشرقي من خط سكّة حديد الحجاز إلى تقريب النظام من هدفه المطلق المتمثّل باستعادة السيطرة على الطريق الدولي السريع الذي يربط حلب بدمشق والحدود الجنوبية السورية. شكّل الطريق السريع لسنوات مركز قتال، ومن شأن استعادته أن تضع روسيا والنظام في موقع متقدّم قبل أي قتال ضد هيئة تحرير الشام وحلفائها في محافظة إدلب.

على الجانب التركي، يبدو المنطق أكثر شمولاً، وربما مفرطاً في الطموح. قد يقلّل إبعاد وحدات حماية الشعب جنوباً، بعيداً عن الحدود التركية، من قدرة الجماعة على دعم المتمرّدين الأكراد في تركيا. وتعتبر أنقرة عفرين نقطة محورية للاتصالات عبر الحدود بين العراق وسورية وتركيا. وكما كتب المحلل التركي عمر أوزكيزلجيك مؤخراً، فإنّ "منطقة آمنة حول عفرين ستمنع وحدات حماية الشعب من ربط كانتوناتها السورية في الجزيرة وكوباني بكانتون عفرين المعزول، وهذا سيعرقل خطط إنشاء ممر يمتد من كردستان العراق إلى البحر الأبيض المتوسط".

كما أدّت عملية عفرين إلى تدهور علاقة تركيا مع الولايات المتحدة. تشارك واشنطن في بناء قدرات القوات الكردية في سورية من أجل مواجهة نفوذ إيران بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد يحدث مزيد من التصعيد إذا قرّر حزب العمال الكردستاني، وهو حزب كردي تركي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، ووحدات حماية الشعب الموالية له، تنظيم هجمات على الأراضي التركية رداً على العملية التركية في عفرين. وإذا حصل ذلك، فلن يؤدي إلا إلى زيادة الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب عسكرياً من شرقي سورية، ووقف دعمها لوحدات حماية الشعب. وفي حال اختارت إدراة الرئيس دونالد ترامب ألا تفعل ذلك، فالتوتّرات الأميركية ــ التركية قد تتزايد، الأمر الذي سيدفع أنقرة إلى تمتين علاقاتها بروسيا.

قضية اللاجئين مطروحة أيضاً. فقد توجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مسؤولين محليين الأسبوع الماضي، قائلاً إنّ أنقرة "ستدمّر الإرهابيين" أوّلاً، ثم تسمح لـ3.5 مليون لاجئ سوري في تركيا بالعودة إلى عفرين بأمان. وهذا الرقم هو في الواقع العدد الإجمالي للاجئين السوريين المسجّلين في تركيا، ومن المحتمل أنّ أردوغان كان يبالغ لأغراض الاستهلاك السياسي الداخلي.

انطلاقاً من الجهود السابقة التي بذلتها تركيا لإعادة اللاجئين إلى سورية، من الصعب أن نكون متفائلين. فبعد عملية درع الفرات في تركيا، عاد 75,000 لاجئ فقط إلى منطقة الأمان التي أنشأها الجيش التركي في سورية، بينما كانت التوقعّات أكبر بكثير. قد تكون الخطة الأكثر جدوى هي عودة آلاف اللاجئين إلى تل رفعت، إذا تم استرجاع البلدة من وحدات حماية الشعب وأُعيد بناؤها.

اكتسبت تركيا، بسبب استضافتها أكبر عدد من اللاجئين السوريين في المنطقة، وسيطرتها الآن على منطقة تنتشر فيها جماعات المعارضة السورية غير الجهادية، نفوذاً كبيراً في أي محادثات سلام في مقابل روسيا وإيران وما تبقى من النظام السوري. ونظراً إلى أنّ المحادثات التي استضافتها روسيا لم تسفر إلا عن تفاهمات عسكرية، فإنّ مبادلة الأراضي الأخيرة التي تشمل عفرين وأبو الظهور وكذلك الجانب الشرقي من سكة حديد الحجاز، يمكن أن تؤسس لصفقات مستقبلية مماثلة. ونتيجةً لذلك، قد تتسع مجالات النفوذ التركية والروسية في سورية.