يحتدم نقاش في دوائر مراكز الأبحاث الأميركية حول ما إذا على إدارة ترامب إنهاء المساعدة العسكرية للبنان. من يدعم مثل هذه الخطوة، حريٌّ به أن يفكّر مرتين في ما يترتّب عليها. فالاقتصاص من الجيش هو صنو الإقرار بأن الدولة اللبنانية نفسها تستحق الإدانة والعزلة.

حجة هؤلاء الأساسية هي أن الجيش اللبناني يعمل يداً بيد مع حزب الله وأنه أبعد ما يكون عن قوة موازنة له. وعلى حدّ قول أحد الباحثين، "حزب الله يسيطر على لبنان، وعلى وجهته الاستراتيجية، وسياسته الأمنية وأجهزته". ومؤخراً، أصدرت المحكمة العسكرية اللبنانية حكماً غيابياً وصادماً بحقّ الصحافية اللبنانية حنين غدّار بالسجن ستة أشهر. وهي كتبت في صحيفة "وول ستريت جورنال" في 28 كانون الثاني/يناير المنصرم ما يلي: "درج اللبنانيون على القول إن حزب الله دولة داخل الدولة اللبنانية. واليوم، يبدو أن لبنان هو دويلة في دولة حزب الله".

قد يكون الدفاع عن الدولة اللبنانية عسيراً. فشطر كبير من سياسيّيها يفتقرون إلى الشجاعة والجدارة، وهم جشعون. ومن العبث كذلك القول إن حزب الله لايملك دالة وازنة على القرار الحكومي. ثم أن لبنان بلد معقد، وتبسيط حاله بتصوير الجيش والدولة على أنهما امتداد لحزب الله وحسب، هو فهم سيّئ لواقع هذا البلد ومؤسساته.

على سبيل المثل، الجيش اللبناني هو بيت بمنازل كثيرة، في استعارة لعنوان كتاب بارز عن لبنان كتبه المؤرّخ الراحل كمال الصليبي. وهو يحاكي في جوانب كثيرة منه المجتمع اللبناني وانقساماته وتعقيداته. وعلى رغم أن بعض الشُعب أو الفروع العسكرية قد تتعاون مع حزب الله، يملك الجيش هوية معقّدة تبقى فيها الأولوية لرفاه المؤسسة ومن فيها. وعلى رغم أن مصالح شطر كبير من العسكر لاتتماشى مع مصالح حزب الله، لا يرى هؤلاء أن ثمة فائدة تُرتجى من تهديد الأمر الواقع (الذي قد يستفيدون منه) عبر جبه أولئك الذين يوالون الحزب في المؤسسة العسكرية.

وتتألف أكبر مجموعة في الجيش، على سبيل المثل، من مجنّدين سنّة، لايتعاطفون أبداً مع مشروع أو أجندة حزب الله. وقد أيّد كثر من المسيحيين في سلك الضباط، حزب الله في العقد الماضي نتيجة ولائهم لحليف الحزب ميشال عون، الرئيس اللبناني الحالي وقائد الجيش السابق. وكثر منهم نالوا ترقياتهم الأولى في عهده. لكن ليس هناك مايحملهم على السماح بإلحاق القوات المسلحة بمجموعة مسلّحة موالية لإيران. قد تتغيّر وجهات نظرهم سريعاً بناءً على تغيّر علاقة عون بحزب الله. بعبارة أخرى، غالباً ما تُحدّد علاقة الجيش بحزب الله المصلحةُ الآنية السياسية أكثر مما يحدّدها التضامن معه.

بيد أن أكثر ما يثير القلق هو تفسير مسؤولين إسرائيليين كبار علاقات حزب الله بالجيش اللبناني تفسيراً متعسّفاً. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أن الجيش هو "جزء لايتجزأ من حزب الله، وأنه يأتمر بأوامره". وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، غرّد ليبرمان على تويتر: "لبنان = حزب الله، حزب الله = إيران، لبنان = إيران".

يستسيغ هذا الوزير الإسرائيلي المنطق الاستدلالي هذا، لكن يبدو أنه لم يسمع بأن كثيرين من اللبنانيين، وربما معظمهم، يعارضون حزب الله ولايريدون أن يكون بلدهم جبهة أمامية إيرانية. لكن يبدو أن هذا لا يهمّ في الواقع إسرائيل. فتغريدات ليبرمان توعّدت باعتبار لبنان كله، إذا اندلعت حرب جديدة، هدفاً مشروعاً لدمار منفلت العقال.

غير أن مؤيدي الرؤية القائلة بأن قطع التمويل عن الجيش اللبناني هو فكرة معقولة يواجهون مشكلتين متكررتين. الأولى ناجمة عن تعارض نصيحتهم مع هدفهم المضمر. فما يرغب فيه منتقدو التمويل هو دولة قوية قادرة على بسط سيادتها الوطنية واحتكار العنف على الأطراف المحليين جميعاً. لكن رفضهم الدولة، عن طريق تبنّي مساعي الطعن في شرعيتها ككيان سيّد، يؤدي إلى شكوك خطيرة في مدى قدرتها على تقديم نموذج بديل عن حزب الله.

بالطبع، انتقاد الدولة اللبنانية مشروع، إذا كانت الغاية منه تحسين الأداء الوطني. لكن من يعتبر أنه لاتوجد دولة حقيقية، ويقول إن حزب الله في الواقع هو الدولة، يؤكد عملية غياب مشروع دولة يستحق التعزيز في لبنان، كما ينفي دور أجهزة الدولة ودور اللبنانيين في المؤسسات الوطنية والمجتمع ممن يؤمنون بأن لبنان ليس، ولا يجب أن يكون، حزب الله. وفي الواقع، يتبنّى الانتقاد هذا رؤية للبنان تُطابق تماماً رؤية حزب الله التي حاول منذ مدّة طويلة تطبيقها، لكن لم ينجح في ذلك: بلد مدمج كلياً بالحزب وأولوياته.

المشكلة الثانية التي تشوب خطوة وقف مساعدة الجيش، ما يثير بالتالي الشكوك حول نوايا الدولة اللبنانية نفسها، هي أنه لن يُضعف حزب الله، بل على خلاف المرتجى، كل ما يقوّض الدولة يصبّ في مصلحة الحزب. ومن أين لحزب الله أن يتكبد معاناة، إذا صارت الدولة موضع شجب دولي؟ ومتى كان أداء الحزب أو إيران سيئاً في مجتمعات عربية فاشلة أو دول عربية منهارة – هل في غزّة، أو العراق، أو سورية، أو اليمن؟ هذه الظروف هي تماماً تلك التي يقتنص فيها حزب الله وإيران الفرص للازدهار.

في الختام، ثمّة فكرتان لابدّ من التطرّق إليهما: في العام 2013، وعدت المملكة العربية السعودية الجيش اللبناني والقوى الأمنية بتقديم مساعدة قدرها 4 مليارات دولار، ثم علّقت تسديد المبلغ في شباط/فبراير 2016 بسبب نفوذ حزب الله في البلد. وعودة السعوديين عن وعدهم قد تكون أزعجت الجيش والدول المقرّر أن تمدّه بالأسلحة والعتاد، لكنها لم تؤثّر أبداً في حزب الله. ومن شأن قطع المساعدات العسكرية الأميركية أن يخلّف الأثر نفسه: الإضرار بالجيش وبقاء حزب الله من دون خدوش.

في الحرب اللبنانية الأهلية، افترض كثيرون، لأسباب مفهومة، أن الدولة تلاشت، وأن الميليشيات تدير البلاد. لكن ذات مساء، في منتصف مرحلة تقاتل الميليشيات، انفجرت قنبلة تحت نافذة شقتي. وبعدها، جاء شرطي ليكتب تقريراً حول الحادث على النحو الواجب. أوشكت على الانفجار بالضحك، لكن في تلك اللحظة أدركت أن المسلحين يتركون حيزاً للدولة في قفرهم الهوبسي (أرض متروكة لقانون الغاب). ففي غياب الدولة، لا أمل في عودة الأمور إلى مجاريها على الإطلاق. وربما في مقدور المنددين بالجيش اللبناني والدولة، أن يتحلّوا بمثل هذه البصيرة.