مروان المعشّر | نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

الجواب السريع هو: نعم، هذا مُحتمل للغاية. فمع انسداد الأفق السياسي، ومع صدور القرار الأميركي الأخير الخاص بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لم تعد غالبية الفلسطينيين تعتقد أن حل الدولتين خيارٌ مُمكن، وطفقت تركِّز جلّ اهتمامها على انتزاع حقوقها حتى في ظل الاحتلال الإسرائيلي.

وبالتالي، السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان لهيب الانتفاضة الثالثة سيندلع، بل الشكل الذي قد ترتديه. صحيح أن الانتفاضة الثانية، المسلّحة، لم تحظَ بشعبية، وأن استطلاعاً للرأي أُجري مؤخراً أظهر أن 62 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزّة سيدعمون مقاومة غير عنيفة في حال استمر غياب المفاوضات، إلا أننا نشكّ بأن تبقى الانتفاضة الثالثة سلمية حتى ولو كانت كذلك في بدايتها. فالفلسطينيون يفتقدون هذه الأيام إلى وجود قيادة فعّالة تتمتّع بالصدقية يمكن أن تدفع قدماً هذا المنحى السلمي. لابل ثمة مؤشرات على أن التيارات الداعية إلى العنف بدأت تجتذب بشكل مطّرد المزيد من التأييد.

على أي حال، تشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن الفلسطينيين منشطرون بالتساوي تقريباً حيال مسألتي التفاوض والعنف. وبالطبع، وضع خاتمة للنهج التفاوضي، لن يفعل شيئاً سوى دفع الفلسطينيين إلى أحد الخيارات القليلة الأخرى المُتاحة أمامهم: الانتفاضة المسلّحة.


 

علي الجرباوي | أستاذ في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، تولّى سابقاً منصبَي وزير التخطيط والتنمية الإدارية ووزير التعليم العالي في السلطة الفلسطينية

لايجوز اعتبار الانتفاضة مجرّد ردّ فعل جاهز دائماً للحدوث عندما يُحتاج إليه، بل أنها بالأساس فعل لايُمكن أن يحدث من دون توافر البيئة المناسبة. والأهم من ذلك هو ضرورة أن تنجح الانتفاضة في الحفاظ على استمراريتها وتُحقّق أهدافها، إن لم يكن بالكامل، فعلى الأقل جزئياً. لذلك لا إمكانية لاندلاع انتفاضة، بأي شكل من الأشكال، إن لم تكن شريحة كبيرة من الفلسطينيين على قناعة من جدواها الإيجابية. وفي هذا السياق يجب الانتباه إلى أن اندلاع أي شكل من أشكال الانتفاضة سيكبّد الفلسطينيين ثمناً باهظاً. لذلك من المتوقع أنهم سيجرون حسابات الربح والخسارة قبل الإقدام على هذا المسار.

من المستبعد أن يتكرّر حدوث انتفاضة شعبية كتلك التي اندلعت العام 1987. فقد تبدّلت الظروف تماماً جرّاء اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية. فبفعل ذلك أصبح الاحتلال مخفيّاً، وغير مرئي بدرجة كبيرة، بالنسبة للفلسطينيين المحصورين داخل مناطق سكنهم في ما أصبح يُعرف بالمنطقتَين "أ" و"ب". أدّى ذلك لأن لايكون هناك احتكاك يومي مباشر بينهم وبين قوات الاحتلال، إلا عند الحواجز المنتشرة على مداخل هذه المناطق السكنية، وعلى شبكة الطرقات الرئيسة. وبالتالي، فإن المواجهات التي تحدث بين الطرفين عند هذه الحواجز لاتشكّل أرضية كافية لاندلاع انتفاضة شعبية. إضافةً لذلك، فإن الشعور العام السائد بين العديد من الفلسطينيين هو عدم تكرار التجربة التي تكبّدوا خلالها ثمناً باهظاً خلال الانتفاضتين السابقتين.

هذا يتركنا أمام احتمال أن تكون الانتفاضة القادمة مسلّحة، مثل انتفاضة العام 2000، ولكن، إذا أرادت السلطة الفلسطينية الحفاظ على استمرارية وجودها، فعليها أن تستمر بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، ما يعني أن عليها الاستمرار في محاولة منع عمل الخلايا الفلسطينية المسلّحة.

وأخيراً، تبقى إمكانية أن تكون الانتفاضة القادمة على هيئة اندلاع احتجاجات كبرى سلمية ومستمرة في مراكز المدن الفلسطينية، لتطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي المديد، على أمل أن يجذب ذلك انتباه وتدخّل المجتمع الدولي. لكن ذلك يحتاج سنوات من الإعداد لإقناع الفلسطيني بصوابية وجدوى هذا المسار.

من السهل رفع الشعارات الداعية إلى اندلاع انتفاضة جديدة، لكن الأصعب هو القدرة على بلورة استراتيجية مناسبة لإطلاق شرارتها.


 

غسان الخطيب | وزير سابق في حكومة السلطة الفلسطينية، ومحاضر في الدراسات العربية المعاصرة والدراسات الدولية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية

من المستبعد اندلاع انتفاضة جديدة شبيهة بانتفاضة العام 1987، التي دخلت المعجم السياسي لضخامتها. فالمكونات الرئيسة التي ساهمت في قيام الانتفاضة الأولى مفقودة، وهي: وجود قيادة سياسية ومنظمات منبثقة من الشعب، وشبكات تحظى بثقته، واتصال مباشر أكثر مع الاحتلال الإسرائيلي.

لكن مع استمرار الاحتلال، ستبقى المقاومة الشعبية الفلسطينية مستمرّة، وإن بأشكال مختلفة. فهي لم تغِب عن أي مرحلة من مراحل الاحتلال الإسرائيلي، الذي أتمّ عامه الخمسين. ولن يؤدّي تكثيف وتيرة الاستيلاء على الأراضي، وتوسّع المستوطنات اليهودية، والقيود المفروضة على التنقّل، وتحويل المناطق إلى كانتونات، والتبعات الاقتصادية بما فيها زيادة بطالة الشباب، سوى إلى زيادة زخم المقاومة.

أدّت التغييرات الأخيرة في موقف الولايات المتحدة إلى تدهور العلاقات بشكل إضافي. فاعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، إضافةً إلى رفضها الالتزام بحل الدولتين أو إدانة توسّع المستوطنات الإسرائيلية بدّدا آمال التوصّل إلى حل عبر المفاوضات، ما تسبّب بشعور متزايد بالإحباط، وزاد بالتالي احتمال تجدّد موجات المقاومة.


 

مخيمر أبو سعدة | محلّل سياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزّة

ليس سرّاً أن الشعب الفلسطيني يواجه ظروفاً استثنائية، مع بلوغ عملية السلام مع إسرائيل طريقاً مسدوداً. وبات هذا صحيحاً بشكلٍ خاص بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ووسط التعدّيات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، واستمرار الحصار على غزة، فضلاً عن الإجراءات العقابية التي تفرضها السلطة الفلسطينية بحقّ القطاع، ماقد يؤدّي إلى تقهقر معيشة حوالى مليونَي فلسطيني يقطنون هناك.

لكن من غير المعروف بعد ما إذا ستؤول هذه الظروف إلى إطلاق شرارة انتفاضة فلسطينية جديدة. أعتقد أن شروط اندلاعها غير متوفّرة لأسباب عدّة: أولاً، أدّى الانقسام السياسي بين فتح وحماس والنزاع الداخلي الناجم عنه إلى إنهاك الفلسطينيين. وبالتالي، فقدت قيادة كلٍّ من فتح وحماس ثقة واحترام الشعب، وهي بحاجة ماسّة إليهما لتجييش القواعد الشعبية. ثانياً، ينتاب القيادة الفلسطينية قلق شديد من أن اندلاع انتفاضة جديدة سيؤدي إلى انتشار الفوضى والخروج عن القانون كما حصل خلال الانتفاضة الثانية. ثالثاً، يشعر الفلسطينيون بأن المنطقة منشغلة بالانتفاضات وبالعنف الطائفي في سورية واليمن، ماسيُبعد أنظار وسائل الإعلام عنهم. أخيراً، وبدرجة أقل، أدّى الازدهار الاقتصادي في الضفة الغربية إلى بروز طبقة وسطى من الفلسطينيين أقل اهتماماً بإطلاق شرارة انتفاضة جديدة، وأكثر دعماً لخوض معارك دبلوماسية وقانونية ضد إسرائيل. لكن الوضع في الأراضي الفلسطينية لازال مُتزعزعاً، ماقد يؤدي إلى عكس ما توقّعت هنا.