طوال أعوام، كانت نورا البستاني مراسلة صحيفة واشنطن بوست في لبنان، وتتولى تغطية شؤون الحرب اللبنانية، وغيرها من حوادث الشرق الأوسط. البستاني، على ما عُرفت اختزالاً، هي امرأة خلفت بصمتها في عالم الصحافة في لبنان، في وقت كان الرجال هم أغلبية من يكتب عن النزاع في البلاد. وبدأت العمل كمراسلة حرة لدى "ذي بوست" في 1979. ثم عيّنتها الصحيفة هذه في فريق عملها في نهاية الثمانينات، حين غادر المراسلون الأجانب بيروت مخافةَ الخطف، وحين كان الخطر كبيراً على المراسلين المحليين الذين واصلوا الكتابة عن الشؤون المحلية. واليوم، البستاني تحاضر في مجال الصحافة في الجامعة الأميركية في بيروت، وتلقي هناك ثلاثة حلقات دراسية. التقت بها "ديوان" لمناقشة مسيرتها المهنية الاستثنائية في الصحافة.

مايكل يونغ: كيف سلكتِ طريق الصحافة؟

نورا البستاني: غادرت لبنان لمتابعة دراسات عليا في كلية الصحافة في جامعة ميسوري في 1975. وفي ذلك العام اندلعت الحرب في لبنان، وغيّرت إلى الأبد نظرتي إلى الحياة. ووقعت حوادث كبرى، تؤجج النزاع ولا عودة عنها، لكنها كانت في ذلك الوقت، منعزلة. وأثناء متابعتي مرحلة الدراسة الجامعية الأولى في الاتصالات الجماهيرية في الجامعة الأميركية في بيروت، رغبتُ في العمل كمراسلة أجنبية، وراودتني فكرة سبر أعماق نظريات الاتصالات، واستراتيجيات التطور الوطني، والاتصالات الدولية. لكن التزامي التعليم الأكاديمي سرعان ما خبا في شهور قليلة. فالنيران كانت تشتعل في مسقط رأسي وموطن طفولتي.

كان أعضاء الميليشيات اللبنانية والمقاتلون الفلسطينيون والقوى الإقليمية والمحلية، التي كانت تتدخل في ذلك النزاع، يرتكبون فظاعات لاتوصف باسم الدين، أو تحت لواء طريقة عيش، أو بذريعة خلاف حول السماح بتحويل لبنان الى منصة في الحرب على إسرائيل. آفاق التعايش السلمي، على نحو ما عرفته، كانت، على أقل تقدير، ضئيلة. وكلما سنح الوقت لي، كنت أتوجه إلى مكتبة الدوريات والمجلات والصحف في كلية الصحافة، وأقرأ كل صحيفة تقع بين يدايّ لأفهم ماذا يُقطّع أوصال موطني وبلدي، من هذه الصحف: نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، وChristian Science Monitor، وDie Welt ، ولوموند، والنهار. اطلعتُ على العناوين وقرأت الأخبار اليومية لأسبر أغوار الهاوية التي ينزلق إليها لبنان. وذلك في زمن ما قبل الإنترنت، وفي وقت كانت الاتصالات الدولية إلى لبنان شبه متعذرة، كان إجراء اتصال بواسطة مشغلي الهاتف المحليين يقتضي ساعات قبل أن يتسنى الاتصال بالخارج. ولم تصلْني طوال أسابيع أخبار أهلي أو شقيقتي التوأم. وكنت أمام الأخبار ومقالات الصحف في حيرة من أمري، ورغبتُ في معرفة المزيد، لكنني رغبتُ في أن أكون من يروي القصة الخبرية، ومن يستجوب السياسيين واللاعبين في الحرب ويفحص ما يقولون، ويفسِّر للعالم دواعيهم وأفعالهم. حزمتُ أمري وقررت: بدأت أتابع محاضرات في كتابة الخبر وصوغه لأصقل مهاراتي. ولم يكن في مقدوري السفر إلى بيروت في الإجازات بسب إغلاق المطار إثر معارك الدامور وتل الزعتر وغيرهما. فبقيتُ في الجامعة، وتابعتُ خلال صيفين على التوالي فصلين جامعيين. وأنجزت شهادة الماجستير في عام ونصف العام وحسب في كانون الأول/ديسمبر 1976، ثم عدتُ إلى لبنان.

يونغ: كيف أثر كونكِ امرأة في عملك في بلد مثل لبنان خلال الحرب؟ انطباعي أن معظم الصحافيين الذين كتبوا عن هذا البلد في السبعينيات والثمانينيات كانوا من الرجال. هل انطباعي في محله؟

البستاني: قال لي المحررون الأميركيون والبريطانيون في وكالات أنباء غربية تقدّمت إليها في بادئ الأمر بطلب وظيفة، شيئين حين بدأت العمل: لا قيمة لشهاداتي الجامعية، لأنني لا أتمتع بخبرة؛ وأنهم لايوظفون نساء. وانتهى بي الأمر في نهاية المطاف، إلى العمل في وظيفة ليلية متدنية الأجر في وكالة "يونايتد برس إنترناشونال" (United Press International)، وكنت أرصد وكالات الأنباء العربية وإذاعات الراديو، وأتابع أخبار اليوم على الهاتف، وأخصص وقت الفراغ في أيام الأسبوع ونهايته للعمل على مقالات خاصة وغيرها من المقالات التي اقتضت السفر إلى جنوب لبنان.

هكذا انطلقت في عالم الصحافة. وحين بدأت تقاريري الإخبارية تُنشر في صحيفة "إنترناشونال هيرالد تريبيون" (International Herald Tribune)، شعرت أن أمامي فرصة للمثابرة والنجاح. في تلك الأيام، رسختُ صلات وثيقة بأشهر المراسلين الأميركيين والبريطانيين، وحللت محلهم في غيابهم. ساعدتهم حين أُرسلوا إلى بيروت مع كل طارئ وحادث. وأطلعتهم على ما فاتهم وراقبتُ مقاراباتهم الصحافية وحسّهم الخبري. سافرت في أصقاع بلدي معهم مترجمةً ومكتشفةً تقنياتهم التي لا تلين. اكتسبت الكثير منهم. وأدمنتُ قصص الصحافة، وساعاتها التي لاتطاق وطلباتها المستحيلة، والذهاب الى أمكنة مُقفرة ومقابلة مدنيين منسيين حاصرتهم الحرب. تلك الأيام عزّزت قدرتي على الاحتمال، ونفخت في شغفي وفضولي. وفي ذلك الوقت، كان عدد النساء ضئيلاً في هذا العالم (عالم الصحافة). وحين وصفت نفسي بشخص يعمل في صحيفة، رد عليَّ مراسل نيويورك تايمز، جون كيفنر، قائلاً: "شخص يعمل في صحيفة؟ لا، بل أنتِ واحدة من الرفاق".

يونغ: ماذا تتذكرين من السنوات الأولى في الصحافة؟

البستاني: رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل، ياسر عرفات، وحاشيته، وعصابته حكموا عملياً وفعلياً بيروت الغربية وجنوب لبنان. أمضيت بعد ظهر أيام السبت في تغطية خطابات عرفات النارية في ملعب جامعة بيروت العربية على مقربة من مقر فتح. وكانت الطائرات الإسرائيلية تجول في الأجواء اللبنانية. تحدّت الميليشيات المسيحية قبضة الفلسطينيين الخانقة على لبنان، وارتكبت بدورها بعض الأخطاء الفادحة. دارت معارك بين الميليشيات في المناطق المسيحية وفي بيروت الغربية. وسرعان ما تبين أن مايجري وثيق الصلة بالنفوذ والقوة أكثر مما هو بالإيديولوجيا أو الدين.

في 1979، قصدت جامعة ماديسون في ويسكونسن وأنا أفكر في إعداد شهادة دكتواره. كنت نهباً للقلق. لكن في نهاية الفصل الأول، وعلى رغم علاماتي العالية في ثلاث مواد وعرض منحة كاملة عليّ، وصلت إلى قناعة بأن قلبي يميل وينتمي إلى الصحافة المهنية والميدانية، وليس إلى عالم الأكاديميا. في أيلول/سبتمبر 1980، اندلعت الحرب الإيرانية – العراقية، وسيطرت عليّ رغبة في الذهاب إلى البصرة، جنوب العراق، لأغطي تفاصيل النزاع الذي سيرسم خطوط المعركة الراسخة بين السنّة والشيعة في المنطقة، ويضرم مشاعر العداء التاريخية بينهما. فالق زلزال عظيم كان يُطلق الشقاق على مصراعيه في الشرق الأوسط.

عدت إلى بيروت، على الرغم من استياء والديّ من قراري، وبدأت العمل في موقع Middle East Reporter التي تُعدّ تقارير يومية موجزة بالإنكليزية عن شؤون المنطقة والصحافة العربية، وتنقلها الى مكاتب المراسلين والدبلوماسيين والمصرفيين وغيرهم. وفي صيف 1979، بدأت في مراسلة واشنطن بوست. وكان جيس جاكسون قدم إلى بيروت، وفي حسبانه إبرام سلام بين عرفات والإسرائيليين. الزيارة فاجأت واشنطن بوست على حين غرة. فـواشنطن ستار، الصحيفة المنافسة في واشنطن العاصمة، وهي مندثرة اليوم، أوفدت مراسلين رافقوا جاكسون في الطائرة، في وقت كان مراسلو ذي بوست كلهم في إجازة صيفية بعد عام من تغطية الأخبار القاسية والصعبة. بعث أحد المعارف الذين قابلتهم أثناء عملي في دوامي الليلي في وكالة يونايتد برس انترناشونال، إلى منزلي رسالة يطلب مني فيها كتابة أخبار للـواشنطن بوست عن جاكسون والمقربين منه في منظمة Southern Christian Leadership Conference. "هذه طلقة واحدة"، قال ملمحاً. وأوضح قصده بالشرح أن عملي هذا مؤقت. أمضى الناشط والزعيم الأفريقي- الأميركي ثلاثة أسابيع في الشرق الأوسط، الشطر الأكبر منها كان في لبنان. كتبت أخباراً يومية لـذي بوست، وكنت أحياناً أستكمل تقريري الإخباري بعد زيارات إلى المخيمات الفلسطينية ولقاءات في آخر الليل مع عرفات. وفي اليوم التالي على مغادرة جاكسون، دار قتال عنيف بين السوريين والإسرائيليين في وادي البقاع اللبناني. فواصلتُ اقتراح قصص إخبارية على ـواشنطن بوست. لم يحتجّ أحد عليها. وواظبتُ على السعي إلى النشر والعمل في الصحيفة على رغم أنني مراسلة محلية وحسب. ساعدتُ المراسلين حين طلبوا المساعدة. وعملتُ أكثر مما يُطلب حين كانوا يضطرون إلى المغادرة، وتقع في غيابهم الحوادث. أعددتُ التقارير، وكتبتُ وأنتجت الأخبار المعمقة للصحيفة.

يونغ: حين بدأتِ مسيرتك المهنية في الصحافة، هل اتخذتِ قدوات في الصحافة؟

البستاني: كانت تلك أعوام الصحافة الذهبية في العالم. كان ألمع الصحافيين وأكفأهم يقصد بيروت في ذلك الوقت- ومنهم الراحل كريستوفر هيتشنز، ومؤرخين عسكريين، ونجوم الشبكات التلفزيونية من أمثال بيتر جينينغز من آي بي سي نيوز، ودوغ تانيل من سي بي أس نيوز، وديفيد إيغناسيوس الذي كان في وول ستريت جورنل يومها، وأوريانا فالاتشي، وغيرهم من اللامعين. ومع مراكمتي الخبرة كرّت سبحة العقود الموقتة معها، وأوفدتني ذي بوست إلى سورية والأردن وليبيا والجزائر وغيرها من الأماكن لتغطية أخبار القمم العربية، واجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني، والسياسة السورية.

يونغ: ما الذي تغيّر اليوم في عمل الصحافيين اليوم مقارنةً بما كانت عليه الأمور حين كنت تعملين في الصحافة؟

البستاني: أفكر في كيفية عملنا خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان. فالاجتياح جذب نحو 400 من أفضل الصحافيين العالميين إلى البلد هذا، واحتشدوا كلهم في فندقي الكومودور في بيروت الغربية وألكساندر في شرقها. كنا نعتمد على آلات الـتيلكيس حين يتوفر التيار الكهربائي وخط اتصالات مباشرة من بيروت. استخدمنا أدوات المكفوفين، وتعلمنا قراءة الثقوب في أشرطة البرقيات الصفراء لإعادة كتابة كلمة من الكلمات. في بعض الأحيان، كتبنا التقارير الإخبارية مباشرة على الخط ملزمين أو مقيدين بمهل نهائية ومحددة- وهذا بعيد كل البعد عن التكنولوجيا اليوم التي تتيح للمرء أن يرى تقريره على الشاشة أمامه، فيحرره وينقّحه ويصقله قبل إرساله. كنا أحياناً نرسل نسختنا من المقالة أو الشريط المصور في سيارة أجرة إلى مساعدين محليّين في دمشق ليرسلوها بدورهم إلى العالم الخارجي.

واليوم، مع توفّر التكنولوجيا على أنواعها، باتت المنافذ الرقمية والوسائط الموثوقة بالغة الدقّة. ودورة الأخبار المباشرة إلى الجماهير في العالم هي، في آن، تحدٍّ ونعمة تصبّ في صالح مهنتنا، في وقت يخصَّص وقت أقل للتمحيص والكتابة وصقل التقرير الإخباري. يفاقم انتشار الأخبار شبه الفوري الأخطاء. فقواعد المهنة وآدابها في عصر الانتشار الفوري سريع الوتيرة لاتزال تُكتب. وطبعاً، لاتزال القواعد السليمة نفسها والأسلوب المهني سارية، لكن علينا الحرص على جعل الصحافيين اليافعين يدركون ما هو على المحك. فالضغط في غرف التحرير لإحراز سبق صحافي والعائدات السريعة لها كذلك وجه سلبي.

يونغ: ما كانت أهمّ لحظة بالنسبة إليك كصحافية تغطّي الحرب اللبنانية؟

البستاني: مرّة أخرى، سأقول الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، والاغتيالات السياسية العديدة التي تلته. كان المراسلون الصحافيون يقفون في الطابور أحياناً لإملاء أخبارهم بواسطة أحد خطوط الهاتف العاملة خارج بيروت، بالإنكليزية أو الفرنسية أو الأسبانية أو الألمانية أو اليابانية. إنّ تلك الفترة المروّعة المتمثّلة في الهروب من الطائرات الحربية الإسرائيلية التي تغير على المدينة على ارتفاع منخفض أو تُلقي بظلال مشؤومة لتقتل أو تقصف الأهداف، أو الحديث مع السكان المتمسّكين بحيواتهم العزيزة أو المختبئين في الأكواخ والأقبية في بيروت، كانت تكوينية جداً بالنسبة لي. تركت هذه التجربة علامة لاتُمحى في ضمري وروحي كصحافية. مذبحة صبرا وشاتيلا محفورة في ذاكرتي كدرس لايُنسى عن لاإنسانية الإنسان تجاه الإنسان. فلم يكن يهمّ أنّني ولدت مسيحية أو لبنانية، بل الطريقة المقزّزة والشنيعة التي ذُبح فيها النساء والأطفال.

خلال تغطية أحداث كهذه، توضع في مواجهة إنسانيّتك، كما أُخبر طلابي اليوم. لايهمّ مَنْ أنت أو من أين جئت، بل المهم هو مَنْ الذي فعل ماذا بمَن، وكيف ولماذا. وقد أظهرت اغتيالات العديد من القادة اللبنانيين ورئيسَيْن منتخبَيْن كيف أنّه من المستحيل أن يكون لهذا البلد إرادة حرّة كدولة ذات سيادة. كنّا نعمل سبع عشرة ساعة يومياً في ذلك الوقت، وكل دقيقة كانت مهمّة، وكل أزمة كانت وجودية. قُصف حيّي، وأُحرق موقف السيارات المواجه للمبنى الذي أقطنه بالكامل بالصواريخ في ليلة واحدة، لنستيقظ إلى مشهد مظلم من بقايا هياكل السيارات البرتقالية. أصيبت جدّتي برصاص قنّاص في منزلها في حي الأشرفية، فأخليتها أسفل الدرج محاولةً حمايتها بجسدي، وحاملةً منشفة غارقة في الدماء على رأسها. كل ما كان يجري في بلدي في ذلك الوقت تقشعر له الأبدان حتى النخاع.

خلال مجزرة صبرا وشاتيلا، اصطحبت مجموعات من المراسلين الصحافيين الذين راحوا يترجمون ويجرون مقابلات ويراقبون ويدوّنون ملاحظات. دخلت مع لورين جينكينز من واشنطن بوست التي حصلت في النهاية على جائزة "بوليتزر". كنّا أوّل مجموعة مراسلين تدخل، ثم تبعنا توماس فريدمان من نيويورك تايمز. وكان كارستن تفيت من التلفزيون النرويجي من أوائل الذين صوّروا آثار المجزرة، مع أكوام من الجثث المنهارة على الأرض كالدمى القماشية. كما أنّ الدبلوماسي الأميركي ريان كوكر، الذي كان موظفاً صغيراً في السفارة في ذلك الحين، قاد سيّارته الخاصة إلى متاهة الفساد والانحراف للاطلاع على تقارير المراسلين من أجل تقديم تقرير إلى وزارة الخارجية. جاب تفيت المخيّمَيْن حاملاً الكاميرا على كتفه، يصوّر قليلاً ثم يتقيّأ قليلاً. كان مشهد رعب لايوصف، كانت الممرّات الضّيقة تغصّ بجثث البائعين المتجوّلين مقطّعي الأوصال خارج منازلهم، والنساء اللواتي اخترقت صدورهن الصلبان، وحصص طعام تحمل أحرفاً عبرية، ورصاصات فارغة. اصطحبت باتريك كوكبورن إلى داخل المخيّمَيْن، فيما كنت حينها أعمل أيضاً كاتبة حرّة في فاينانشال تايمز، فضلاً عن مراسلين آخرين من صحيفة ذي أوبزرفر اللندنية.

لم يعترف أيّ من المراسلين الذين عملت معهم بفضلي بمساعدتهم، كما يتعيّن على المراسلين فعله الآن، غير أنّ الدروس التي تعلّمتها كمراسلة كانت لاتقدّر بثمن، إذ شعرت بأنّني مُلزمة أخلاقياً بتلخيص مايجري لمراسلي واشنطن بوست وغيرهم من دون كلل. لم يكن الأمر متعلّقاً بالمجد، بل بالمجزرة والمذبحة، وتشرّفت بالعمل جنباً إلى جنب مع جوناثان راندال، ووليام برانيغان، وديفيد أوتاواي، ولورين جينكينز، وغيرهم، بمَنْ فيهم ألان كويل من نيويوك تايمز، والراحل جو ألكس موريس ودان شانش من لوس أنجلس تايمز. كانوا بالنسبة لي جميعاً عمالقة ومحترفين بارعين. لقد طوّرت شكلاً سليماً من النزعة الشكّية وشجاعة متهوّرة أثناء ملاحقة الأخبار معهم، ساعدتاني كثيراً في الأحداث التي سأغطيها لاحقاً في إيران، وقطاع غزة، والعراق، وأماكن أخرى.

بعد تفجير السفارة الأميركية في العام 1983، هوى لبنان إلى لجّة جحيم، ومرّة ​​أخرى في أواخر الثمانينيات، حين أصبح الغربيون والسفارات أهدافاً لتبادل مبهم للرسائل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى.

يونغ: أصبحت مراسلة واشنطن بوست في بيروت في العام 1988. كيف تصفين علاقتك بالصحيفة في ذلك الحين؟

البستاني: بحلول أواخر الثمانينيات، أصبح من الخطر جدّاً على المراسلين الغربيين البقاء في لبنان، وأدّت عمليات الاختطاف التي قامت بها جماعات غامضة كواجهة لإيران، مثل الجهاد الإسلامي وغيرها، إلى وضع التغطية الإعلامية في يد الصحافيين المحليين. كان يُعتقد في ذلك الوقت أنّ الوضع أكثر أماناً للنساء لأنّ الجماعات الإسلامية لا تريد الاحتكاك مع الإناث في حالة أسر. كانت لدينا منافذ هائلة، وتمكنّا من مقابلة الجميع. لكن لم يحمنا أيّ من هذا من خطر جسدي أو غيره، إذ تعرّضت إلى التهديد مراراً وتكراراً. النظام السوري، وفصيل الصاعقة الفلسطيني المؤيد لسورية، والجيش اللبناني، وحتى وسطاء القوات اللبنانية الذين عارضوا تغطيتي، كانوا إما يبعثون رسائل تهديد أو يستدعوني للاستجواب لاختبار ولاءاتي لأعدائهم. وبما أنّ كلّ الأطراف منزعجة، كنت أصرّ دائماً على أنّني لا أعمل لحساب أحد إلا جريدتي.

ذات مرّة، حصلت على موعد في وزارة الخارجية السورية في دمشق، واعتقدت أنّني سأرى وزير الخارجية آنذاك فاروق الشرع. لكن بدلاً من ذلك، تعرّضت إلى التوبيخ بلغة جافة ومخيفة وبلا هوادة بسبب تغطيتي لمعركة شرسة بين قوات سورية وجنود لبنانيين تعرّضوا إلى إطلاق نار من الخلف. أثار هذا التقرير غضب وزارة الخارجية الأميركية، التي نقلت استياءها من خلال سفيرها في سوريا آنذاك، إدوارد جريجيان. وقد ساندني المسؤولون عنّي بشهامة بعدما أبلغتهم بما حدث، وقام رئيس التحرير التنفيذي بنيامين برادلي، ومحرّر الشؤون الأجنبية في ذلك الوقت ديفيد إغناتيوس، بزيارة للسفير السوري في واشنطن، وليد المعلم، للاحتجاج بأكثر الطرق تهذيباً لكن وضوحاً على فرض تعليمات عليّ أو إساءة معاملتي، كما حصلت على دعمهما وحمايتهما الكاملتَيْن. كان ذلك آنذاك.

يونغ: ما الذي تغيّر بالنسبة إلى الصحافيين اليوم؟

البستاني: الآن، يختفي الصحافيون ويتعذّر وصولهم إلى بعض الأماكن بسبب المخاطر الهائلة. تطارد عمليات قطع الرؤوس والأسر التعسّفي للمراسلين غرف الأخبار حتى يومنا هذا، فيما يواجه الكتّاب الأحرار خصوصاً خطراً كبيراً. في أيّام عملي، كانت هناك أهمية لاستقلالية الوسيلة الإعلامية، كذا الأمر بالنسبة إلى المعايير المهنية. عندما أبلغت مجموعة من المتهوّرين رجل الدين الشيعي الراحل السيّد محمد حسين فضل الله بأنّني هدفاً قيّماً لأنّني الوحيدة التي لازلت أمثّل الإعلام الأميركي في بيروت، استشاط غضباً. قال لهم إنّني لازلت أغطي أخبار جميع الأطراف، وأعبّر عن كلّ المجموعات، بما في ذلك الشيعة في لبنان، عندما كان الجميع على وشك أن ينسى أنّ لبنان موجود. وللدلالة على التغطية الموضوعية والضرورية، استشهد بمقالي في أعقاب تفجير سيارة مفخخة ضخمة لاغتياله لدى خروجه من الصلاة في مسجده في ضاحية بيروت الجنوبية، فضلاً عن كواليس إعادة الإعمار بعد سنوات عدّة من الهجوم. تلك الفترة من القتل وتفجيرات السيارات والاختطاف والغارات الإسرائيلية، كانت الأكثر شرّاً وترويعاً في تاريخ لبنان، فيما خَنَق الاقتتال الداخلي وعمليات الاختطاف الغامضة البلاد وأي شخص يمرّ بها.

يونغ: في السياق نفسه، تدرّسين الآن موادّ عدّة في اختصاص الصحافة في الجامعة الأميركية في بيروت. بناءً على تجاربك السابقة، بماذا توصين طلّابك؟

البستاني: عندما كنت أعمل كصحافية، شعرت بأنّني مضطرة لإخبار العالم الخارجي عن مأزق لبنان. كان حافزي اليومي والأكثر إلحاحاً هو نشر الأنباء، مدفوعةً بذكرياتي من وقت أكثر سلماً، ترعرعت فيه في مجتمع عالمي ومفتوح. كانت لدي قناعة عنيدة أنّه لايزال هناك بعض الناس الطيبين الذين يعيشون هنا ويستحقون ما هو أفضل. كان هناك أشخاص عاجزون ومحاصرون بسبب العنف، وأردت أن أروي قصتهم. كانت تلك طريقتي للوصول إلى مكان أكثر إشراقاً، مدفوعةً بهاجس تسليط بعض الضوء على كلّ القوى الخبيثة التي تقبض على ناصية لبنان وضحاياه.

الآن، في بعض الأحيان، يشبه العالم كله زمن الحرب في لبنان. لدى تعليم الطلاب الشباب، أريد أن ألهمهم وأجعلهم على دراية بأنّ لديهم واجب قول الحقيقة إلى السلطة والإبلاغ عن وكشف انتهاكات حقوق الإنسان. أدفعهم إلى فتح عقولهم والنظر إلى المواضيع من كلّ الجوانب، حتى لو كان تعاطفهم وحساسيتهم يصبّان في صالح جانب معيّن في الصراعات. هناك الحق والباطل، بغضّ النظر عن هوية الجناة. وإلى أن نقول الأمور كما هي، فإنّ الظلم لن يتوقف أبداً. يُعدّ الحق في الكلام الذي لايمكن التنازل عنه، وحق الناس في المعرفة، وواجب الإعلام، مسائل مقدّسة ولها حرمتها، بغضّ النظر عن عدم الراحة أو الانزعاج الذي يشعر به أولئك الذين نكتب عنهم.

يونغ: يُعرض الآن فيلم بعنوان "ذي بوست"، يتناول قرار واشنطن بوست وغيرها من المطبوعات نشر "أوراق البنتاغون". عملتِ في هذه الصحيفة لسنوات، فهل يمكنكِ إخبارنا إلى أي مدى يُعدّ الشريط قريباً من الواقع؟

البستاني: عندما حُظِّر فيلم "ذي بوست" بداية في بيروت، تذكّرت روح وأخلاقيات تلك الصحيفة المُميّزة. في ردهة مبنى واشنطن بوست القديم في شارعَيْ 15 وL وسط مدينة واشنطن، كان يتم تذكيرنا بهذه اللحظة الخاصة في تاريخ الصحيفة في كل مرّة ندخل إلى المبنى أو نغادره. وتعلونا صورة ضخمة لكاثرين غراهام، ناشرة واشنطن بوست آنذاك، وبن برادلي الشجاع والحاد، وهما يخرجان بابتسامات مُظفّرة من المحكمة العليا التي حكمت لصالح الحق في النشر. قالوا لنا أن نكون عنيدين وحازمين في مواجهة كل من يحاول تكميمنا. أثناء تغطية الحرب في لبنان، كنت أفكّر في المحرّرين يومياً. لم أكن أعرف إذا ماكنت سأعود إلى منزلي في الليل، ولكنّني عرفتُ دائماً أن المحرّرين والقرّاء يقدّرون مخاطراتي، وما نقوم به. هذا غذّى ثباتنا، وجرأتنا، ومثابرتنا كمراسلين صحافيين مدى الحياة. عندما ينهار كل شيء آخر، يبقى هذا ما أؤمن به.