محمود سالم | كاتب ومحلّل وصاحب مدوّنة Sandmonkey

لابدّ أن تكون الإجابة القصيرة على هذا السؤال هي "نعم" مدوّية، إنما ليس للأسباب التقليدية المتعلّقة بالقمع وانتهاكات حقوق الإنسان. فباستثناء فئة من المجتمع تهتم ببقاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان والعملية الديمقراطية، ترى غالبية السكان أن هذه مفاهيم ساذجة ولاعلاقة لها بها إطلاقاً. كما أن الدافع الأول وراء السخط الشعبي ينبع من تردّي الظروف الاقتصادية، وهو ماتتحمّل مسؤوليته الحكومات المتعاقبة في عهد السيسي.

فبذريعة فرض إجراءات تقشّف ضرورية، ألغت الحكومة الدعم على العديد من السلع والخدمات، بدءاً من الوقود ومروراً بالكهرباء ووصولاً إلى الخبز. كما أدّى التأخر في تحرير العملة الوطنية لمدّة سنة ونصف السنة إلى تداعيات عدّة عندما آن أوان تعويم الجنيه الذي خسر أكثر من 60 في المئة من قيمته، وارتفع معدّل التضخّم بشكلٍ كبير. وترافق ذلك مع إغلاق العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة أبوابها، بسبب الضرائب والرسوم الجديدة المفروضة على القطاع الخاص بمختلف أطيافه. تجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الذي يقوده القطاع الخاص شهد، في الأعوام السبعة الأخيرة من عهد مبارك، نموّاً بنسبة 7 في المئة لسنوات متتالية، وسعراً أدنى بكثير للدولار مقابل الجنيه، في ظل امتناع نظام مبارك عن تقليص الدعم الحكومي أو زيادة الضرائب. وهذه أمور من الصعب ألا نتحسّر عليها.


 

نيرفانا محمود | طبيبة مصرية ومدوِّنة ومحلّلة لقضايا الشرق الأوسط

حتى العام 2013، كان يُرجّح أن يكون مثل هذا السؤال مسيئاً للعديد من المصريين الذين ثاروا ضد الرئيس السابق حسني مبارك. لكن اليوم، برز عنصر الحنين إلى أيام ماقبل الثورة التي كانت تتّسم بهدوء أكثر قبل العام 2011. وبعد الاضطرابات التي عصفت بالبلاد وسط شتّى أشكال السلطوية، من السهل الانجرار نحو تحريف أحداث الحقبات الماضية.

لايرى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي نفسه رجل سياسة، بل باني دولة. ويعتبر أن الحكم شبه السلطوي، كالذي تبنّاه مبارك، هو القوّة الكامنة وراء التقهقر التدريجي للدولة المصرية. وأثار أسلوبه المتعنّت بعض التقدير للمرونة السياسية التي كان يُبديها مبارك.

لكن، على الرغم من هذه المرونة، فشل مبارك في تطبيق أي إصلاحات سياسية واقتصادية ودينية جديّة كان يمكن أن تحول دون اندلاع الاضطرابات اللاحقة. وقد ترك هذا الفشل شعوراً عميقاً بالاستياء، لايمكن تناسيه حتى مع جرعة كبيرة من الحنين إلى الماضي. وبعد مرور سبع سنوات على رحيله، لازال المصريون غير نادمين على مبارك، لكنهم تعلّموا على الأرجح عدم الاستياء منه كثيراً.


 

عمرو حمزاوي | باحث أول في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد

قبل تسنّم عبد الفتاح السيسي الحكم في صيف العام 2013، وقف عدد من المواطنين المصريين في وجه حكم الإخوان المسلمين وشكّكوا في الانفتاح الذي أدخلته انتفاضة العام 2011 إلى معترك السياسة المصرية. ضمّت هذه المجموعات المُعارضة في الغالب: أقباطاً، وشريحة كبيرة من الطبقة الوسطى المدينية والطبقة الأكثر ثراء، وبيروقراطيي نخبة الدولة، إضافةً إلى ضباط رفيعي المستوى في السلك الأمني، ومثقفين علمانيين ميّالين إلى الأوتوقراطية. كلهم تحسّروا على أيام الرئيس السابق حسني مبارك. فقد انتاب هذه المجموعات خوف من فقدان مفهوم النظام العام والاستقرار، وفي نهاية المطاف سقوط الوضع السائد الذي كفل امتيازاتها وكان مبارك يرعاه. لذلك، أعربت عن ترحيبها بانتهاء الانفتاح السياسي وبروز نظام حكم أوتوقراطي جديد انطلق منه السيسي للاستيلاء على السلطة. بعدها، لم يعودوا يتحسّرون على مبارك.

مع ذلك، باتت مجموعات أخرى، منذ صيف 2013، تتمنّى لو تعود أيام مبارك. والمفارقة أنّها تضمّ بعضاً من أبرز معارضيه في العام 2011. وقد أصبح العديد من الناشطين المناصرين للديمقراطية في المجتمع المدني ومن داخل الحركات الطلابية والعمالية، الذين كانوا في الصفوف الأولى خلال احتجاجات العام 2011 المطالبة بإنهاء حكم مبارك الذي دام 30 عاماً، يتعطّشون الآن إلى نوع من المجال العام التعدّدي الذي كان يرعاه. هذه التعدّدية الجزئية تبخّرت تحت الحكم الأوتوقراطي للسيسي. فوسائل الإعلام مثلاً باتت إما خاضعة بالكامل إلى سيطرة الجهاز الأمني ​​أو محظورة، ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية إما مروّضة أو عرضة إلى المضايقات، وقادة المعارضة قابعون في السجون، يواجهون إما احتمال البقاء فيها أو النفي.


 

جورج فهمي | باحث في برنامج اتجاهات الشرق الأوسط في مركز روبرت شومان للدراسات المتقدّمة في معهد الجامعة الأوروبية، فيسولي

يُعرب العديد من المصريين اليوم عن ندمهم وحسرتهم على أفول عهد الرئيس السابق حسني مبارك. لكن، حين يحاول المرء فهم الدوافع الكامنة وراء هذا الإعلان الاستفزازي، يعي أنه يعكس خيبة أمل الناس من طريقة إدارة مرحلة مابعد مبارك، أكثر مما ينمّ عن رغبةٍ في عودة مبارك إلى سُدة الحكم.

حَكَم مبارك مصر طيلة 30 عاماً، ويُجمع معظم المصريين على أن التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد راهناً، ناجمة بشكلٍ مباشر عن سياساته. فهذه السياسات هي مادفع العديد من المصريين إلى الانقلاب عليه في كانون الثاني/يناير 2011، آملين بإرساء نظام ديمقراطي يصون حقوق الإنسان، ونظام اقتصادي يسعى إلى ترقية العدالة الاجتماعية. لكن ذلك لم يحصل، بل ولّدت المرحلة الانتقالية خيبة أمل عميقة في أوساط المصريين، ليس من السياسيين وحسب، بل أيضاً من السياسة نفسها باعتبارها وسيلة لإحداث تغيير. إذن، لايتحسّر المصريون على مبارك، بل على ضياع فرصة بناء دولة مصرية مختلفة في العام 2011.