تشارلز غلاس كاتب وناشر ومراسل بارز سابق لشبكة "آي بي سي نيوز" ABC News في الشرق الأوسط بين عامَي 1983 و1993. له كتب عدة، من ضمنها: Tribes With Flags: A Dangerous Passage Through the Chaos of the Middle East (قبائل بأعلام: الممرّ الخطير عبر فوضى الشرق الأوسط)، وAmericans in Paris: Life and Death Under Nazi Occupation (أميركيون في باريس: الحياة والموت في ظل الاحتلال النازي)، وThe Tribes Triumphant: Return Journey to the Middle East (انتصار القبائل: رحلة العودة إلى الشرق الأوسط)، وDeserter: The Untold Story of World War II (منشقّ: القصة التي لم تُروَ بعد عن الحرب العالمية الثانية). وسيُنشر كتابه الجديد في أيلول/سبتمبر بعنوان: They Fought Alone: The True Story of the Starr Brothers, British Secret Agents in Nazi-Occupied France (حاربوا وحدهم: القصة الحقيقية للأخوين ستار، عميلين سريّين بريطانيين في فرنسا أثناء الاحتلال النازي). في العام 1986، نقل غلاس خبر عملية اختطاف طائرة تابعة لشركة "تي دبليو آي" TWA في بيروت (انظر الصورة أعلاه)، والتي احتُجز خلالها رهائن أميركيون. ويُقال إن تغطيته للخبر أدّت إلى إجهاض الخطة الأميركية لإنقاذهم، إذ تم نقل الرهائن من المطار إلى موقع آخر. وفي العام 1987، تصدّر غلاس نفسه عناوين الصحف عندما اختُطف لأكثر من شهرين على أيدي متشدّدين شيعة، قبل أن ينجح في الفرار.

أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف آذار/مارس حيث دار النقاش حول لبنان وكتبه والأشخاص الذين تركوا تأثيراً بالغاً في نفسه، ذلك أنهم خفّفوا من آثار العنف.

مايكل يونغ: تمضون هذه الأيام قسطاً كبيراً من الوقت في بيروت. هل بإمكانكم وصف علاقتكم مع لبنان؟

تشارلز غلاس: لبنان أشبه بامرأة سرقت قلبي وعذّبتني إلا أنني أعود إليها كل مرة. ماذا عساي أقول؟ أنا مخبول. أخبرتُ أستاذي اليسوعي المسنّ ذات يوم من أين يتحدّر أسلافي، فأجابني قائلاً: "إذا كنت نصف لبناني ونصف إيرلندي، فلا مفرّ من أن تكون على الأقل نصف مجنون".

يونغ: يتحدّر الفرع اللبناني من عائلتكم من بلدة زغرتا في شمال لبنان، ومن إهدن المرتبِطة بها وحيث يمضي أهالي زغرتا فصل الصيف. غالباً ما تزور هذه المنطقة، فما الذي تستسيغه هناك؟

غلاس: العائلة، بكل بساطة. فوصف جدّتي التي غادرت جبل لبنان في السنوات التي شهدت انحدار الدولة العثمانية، لهاتين البلدتين كوّن في نفسي صورة رومنسية عنهما. لذا من الصعب أن أمحو من ذهني صورة زغرتا وإهدن كما كانتا في حقبة ما قبل الإسمنت وأكوام القمامة المنتشرة في الشوارع والأنهر الملوّثة. فالجبال في خيالي الطفولي كانت تكسوها بساتين التفّاح وأشجار الزيتون، وكانت البيوت مبنية من الحجر ومسقوفة بالقرميد الأحمر، وكانت جدّتي تقول إن النهر من البرودة بحيث يكاد يقطع البطيخة نصفين. الواقع مختلف بعض الشيء، لكن من الصعب التخلّي عن هذا الحلم.

كتبتُ منذ سنوات عدّة في مجلة "ذا سبكتاتور" أن زغرتا وإهدن بالنسبي لي أشبه بما يسمّيه هواة مصارعة الثيران بالـ"querencia"، وهي تشير في اللغة الإسبانية إلى مكان غير محدّد في الحلبة يختاره الثور لنفسه ويلازمه لأنه يشعره بالأمان. طبعاً، لا شيء آمن، لكن العثور على مكان مماثل يواسينا ويؤنسنا. أحب طاولة الطعام الكبيرة التي توضَع خارج البيت أيام الصيف ويجتمع حولها جميع أفراد العائلة، وأحب مشاهدة الأطفال يلهون على العشب، وتناول أشهى "كبّة نية" في العالم والعرق البيتي، وسماع أنغام الموسيقى والضحكات.

يونغ: أنهيتم مؤخراً كتابكم الجديد. ما موضوعه؟

غلاس: يحمل الكتاب عنوان They Fought Alone: The True Story of the Starr Brothers, British Secret Agents in Nazi-Occupied France، وسيصدر عن منشورات Penguin Press في أيلول/سبتمبر. ويروي قصة الأخوين جورج وجون ستار اللذين يتحدّران من أصول إنكليزية-أميركية، وعملا بشكلٍ سرّي في فرنسا في ظل الاحتلال النازي لصالح إدارة العمليات الخاصة البريطانية، حيث شاركا في تنظيم المقاومة الفرنسية. اعتُبر جورج من أنجح العملاء السريين خلال الحرب، إذ ساعد في إلحاق الهزيمة بالنازيين في جنوب غرب فرنسا وفي تحرير تولوز. أما جون، فقد ألقى النازيون القبض عليه وعذّبوه واحتجزوه في مقرّهم في باريس، وأرسلوه إلى عدد من معسكرات الاعتقال. وعلى الرغم من بسالتهما، أُحيل الأخوان إلى المحاكمة بعد الحرب. تشكّل جلسات المحاكمة نقطة الذروة في قصتهما، لذا لن أسترسل بشرح ما تؤول إليه الأمور.

يونغ: إذن، على الرغم من تعلّقكم بالشرق الأوسط، يشي كتابكم الأخير برغبةٍ في الهروب من المنطقة. هل هذا صحيح؟

غلاس: ليست مسألة هروب من المنطقة بل رغبة في تنويع المواضيع. كتب المفكّر العظيم سيريل ليونيل روبرت جيمس: "ماذا يعرف فعلياً عن الكريكت من لم يلعب سوى الكريكت؟" ألّفتُ كتاب Americans in Paris: Life and Death Under Nazi Occupation لأنني أحببتُ العيش في باريس وكنتُ أبحث عن عذر للبقاء هناك وإجراء البحوث.وكانت النتيجة أن ألّفتُ المزيد من الكتب، ليس عن باريس بل عن الحرب العالمية الثانية. لم تكن الحرب من المواضيع التي استهوتني من قبل، لكنني الآن ادمنتها. وأنا جدّ نادم لأنني لم أسأل والدي وأعمامي وأنسبائي من ذلك الجيل المزيد من التفاصيل عن الحرب العالمية الثانية. في الوقت الراهن، أنا في صدد إجراء البحوث لإعداد مقترح كتاب حول الصدمات النفسية في الحرب العالمية الأولى. وتستند معظم كتاباتي حول الشرق الأوسط من المعلومات التي جمعتها عن الحرب العالمية الثانية والعكس. فكثيرةٌ هي المواضيع التي يمكن الكتابة عنها، وأتمنى أن أعيش ما يكفي من السنوات لأتمكّن من إنهاء بضعة كتب أخرى على الأقل حول هذه القضايا.

يونغ: ما الدروس التي استخلصتموها على الصعيدين الشخصي والمهني من سنوات الحرب في لبنان؟

غلاس: أهمّ الدروس التي استخلصتُها من الحرب في لبنان وغيرها من الحروب التي شهدتُها وأجريت بحوثاً حولها هو أن الحرب غلطة وجريمة. فخيار التحكيم بالعنف هو عبارة عن إطلاق العنان لكل ما ينجم عن الحرب من أعمال قتل واغتصاب ونهب وتشويه، وتشريد للعائلات، وتدمير للمنازل، وحرق للأجساد، وعويل الأطفال والأيتام والأرامل، وبروباغندا الأكاذيب وتشويه الحقائق. هنا يمكن الاستشهاد بمقولة شكسبير الشهيرة: "صِح بالويل والثبور ودع كلاب الحرب تنطلق"، ومفادها إغراق العالم في لُجج الفوضى لتعيث في الأرض نهباً ودمارا.

يونغ: ألّفتم كتاباً شهيراً حول الشرق الأوسط بعنوان Tribes With Flags. وراهناً، يبدو أن القبائل لاتزال موجودة لكن من دون أعلام. كيف تغيّرت برأيكم منطقة الشرق الأوسط على مدى السنوات الثلاثين إلى الأربعين الماضية، أي منذ بدأتم بتغطية أحداثها؟

غلاس: عنوان الكتاب مقتبس من مقولة شهيرة للدبلوماسي المصري تحسين بشير وهي: "مصر هي الدولة– الأمّة الوحيدة في المنطقة العربية، وما تبقى مجرّد قبائل بأعلام". وهو عنى بذلك الدول الصغيرة التي انبثقت عن معاهدة سايكس– بيكو، أي لبنان والأردن وسورية وإسرائيل. فهذه الأخيرة لاتزال قبائل لكن مع ما يُسمّى أعلاماً "وطنية". المشاحنات والخلافات مستمرة ولا أحد ينضج ويتحمّل المسؤولية. وتُنحى اللائمة على القوى الخارجية والنخب المحلية لإحكام قبضتها على هذه الدول عبر التهديد والإبقاء على أعمال العنف. أما أولئك الذين حملوا شعلة الأمل، من مواطن سوري مثقف ونزيه وصولاً إلى إسرائيلي رافض لعنصرية بلاده وعسكرتها، فكانوا يهاجرون إلى الولايات المتحدة - هذا كان بالطبع قبل وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة.

يونغ: من بين الشخصيات السياسية أو غير السياسية التي تعرّفتم إليها، من بقي عالقاً في ذهنكم، ولماذا؟

غلاس: لو بقي سياسيون في ذهني، لفقدت صوابي على الأرجح. الأفراد الذي أتذكرهم الأكثر هم أولئك الذين وقفوا في وجه العنف وحاولوا التخفيف من وطأة آثاره، من بينهم: جان هوفليغر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الذي حاول إنقاذ اللاجئين في مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين من المجزرة في العام 1976؛ والطبيبتان سوي أنج وبولين كاتينغ وديريك وبام كوبر من جمعية العون الطبي للفلسطينيين؛ والعديد من الإسرائيليين المناهضين للاحتلال مثل إسرائيل شاهاك ونوريت بيليد ورامي إلحنان وجدعون ليفي وعميرة هاس؛ والعديد من الأطباء والمربين اللبنانيين الذين بقوا في لبنان طوال الحرب لإنقاذ أرواح الناس وعقولهم حين كان بمقدورهم مغادرة البلاد؛ ونورمان فينكلشتاين الذي تخلّى عن حياة مهنية آمنة في المجال الأكاديمي الأميركي لأنه آثر الحفاظ على نزاهته؛ ومؤرخون مثل ألبرت حوراني وكمال الصليبي. وكان نوام تشومسكي وإدوارد سعيد أهمّ مثقّفين حظيت بفرصة التعرُّف إليهما خلال عملي في لبنان، وقد أهديتهما أحد كتبي. كيف يمكننا مقارنة السياسيين بأشخاص كهؤلاء؟

يونغ: يميل العديد من المراسلين الأميركيين في الخارج إلى العودة إلى وطنهم فور تقاعدهم، والتعويض عن الوقت الضائع. لكنكم لم تفعلوا ذلك، لماذا؟

غلاس: أنا غادرتُ المنزل الذي عشتُ فيه طفولتي في لوس أنجلس في العام 1972 للحصول على شهادة الماجستير في الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت. لكن في ذلك الوقت، وبفضل بيتر جينينغز وبيل بلاكيمور في شبكة "آيه بي سي نيوز"، بدأت العمل في الصحافة. لماذا أعود؟ فأولادي يعيشون بين المملكة المتحدة وفرنسا، وعائلتي الممتدّة منتشرة في جميع أصقاع الأرض. ولا أدري صراحةً ما معنى "الوقت الضائع". فأنا أعمل كي أعيش، ولحسن الحظ، أنا شغوف بعملي.