كمال كيريشي | باحث أول ومدير برنامج تركيا في مركز الولايات المتحدة وأوروبا في مؤسسة بروكينغز في واشنطن العاصمة

أشكّ كثيراً في حدوث ذلك. يُعرَف عن مصطفى كمال أتاتورك أنه طلب، قبل وفاته، من كبير دبلوماسييه، نعمان منمنجي أوغلو، عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة وتجنّب المغامرات العسكرية الساعية إلى ضمّ الأراضي. أتاحت هذه التعليمات لتركيا أن تبقى بمنأى عن فاجعة الحرب العالمية الثانية، وكانت أيضاً، في العام 1990، السبب وراء استقالة رئيس أركان الجيش آنذاك، الجنرال نجيب تورومتاي، احتجاجاً على سعي رئيس الوزراء تورغوت أوزال إلى الانخراط في التدخل الأميركي ضد قوات صدام حسين التي اجتاحت الكويت. من المعلوم في الأوساط التركية عموماً أن حدساً مماثلاً هو الذي دفع الجيش التركي إلى مقاومة ضغوط سياسييه من أجل التدخل في سورية، قبل أن تُجهِز المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز/يوليو 2016 على التأثير التقليدي لهذا الجيش.

منذ ذلك الحين، شكّلت الاعتبارات السياسية المحلية، على مشارف سلسلة انتخابات وطنية حاسمة، الدافع الأساسي وراء عمليتَي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" التركيتين. فالتصميم على الفوز في هذه الانتخابات يدفع بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تبنّي أجندة قومية والتودّد إلى ائتلاف من الأفرقاء القوميين في تركيا الذين يمقتون التطلعات الكردية والوجود الأميركي في سورية (ولا يحبّذون كثيراً الوجود الروسي والإيراني). تهدف هذه السياسة إلى تحقيق ثلاثة أهداف، هي: منع الأكراد السوريين بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي من إقامة دولة مستقلة أو منطقة حكم ذاتي على طول الحدود التركية؛ ورسم معالم سورية الجديدة، أو أقلّه زاوية منها، بما يتلاءم مع التفضيلات السياسية لأردوغان؛ وخلق ظروف مؤاتية لعودة نحو 3.5 ملايين لاجئ سوري، من أجل الحد من الاستياء الشعبي المتنامي منهم على مشارف الانتخابات.


 

غونول تول | مديرة مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، وأستاذة مساعدة في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن

يتّهم النقّاد أنقرة بامتلاك تطلّعات استعمارية جديدة في شمال سورية. ظاهرياً، قد يكونون محقّين في جانب معيّن. ففي الأراضي التي استولت عليها تركيا من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، يتعلّم الطلاب اللغة التركية ويتولّى أتراك إدارة المستشفيات. وتشي معطيات عدّة، مثل إشارات السير التركية، وقوات الشرطة المدرَّبة على أيدي أتراك، ومكاتب البريد التي بناها أتراك، بأن الدور التركي يتنامى باطّراد. كذلك، من المعروف عن الجيش التركي أنه يمكث في الأراضي التي يتدخّل فيها خارج حدوده، لكنه قد يجد أن الأمر أشدّ صعوبة في الوقت الراهن. إذا كان قد أتيح لتركيا التوغّل عسكرياً في شمال سورية، فالفضل في ذلك يعود إلى حصولها على ضوء أخضر روسي. لكن غالب الظن أن لا روسيا ولا نظام الأسد ولا إيران ستقبل، على المدى الطويل، بالوجود العسكري التركي هناك.

ومما لا شك فيه أن الرئيس رجب طيب أردوغان يسعى إلى تعزيز دائرة النفوذ التركية في شمال سورية، لكن من المضلِّل وصف ذلك بأنه تجسيدٌ للنزعة "العثمانية الجديدة". فمصطلح "العثمانية الجديدة" يشير، في استخدامه الأصلي، إلى رؤية تتجاوز حدود الدولة-الأمة، وتكون متصالحة مع الهوية التركية متعدّدة الإثنيات. وتسعى هذه النزعة إلى استيعاب الأكراد بدلاً من مواجهتهم. بيد أن العملية العسكرية التركية في سورية انطلقت، بشكل أساسي، بدافع تخوّف أنقرة من النزعة الانفصالية الكردية. فقد شنّت تركيا العملية بهدف كبح تقدّم المجموعات الكردية السورية، ما تعتبره أنقرة تهديداً لأمنها القومي. إذن، يسعى أردوغان إلى تطبيق أجندة قومية تركية مناهضة للأكراد في سورية، وليس العمل على تنفيذ مشروع عثماني جديد.


 

هنري ج. باركي | أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهاي، وباحث أول في مجلس العلاقات الخارجية

لن يكون الاحتلال التركي لشمال سورية دائماً، لكنه سيستمر إلى حين إحراز تقدّم حقيقي باتجاه إيجاد حل للحرب الأهلية السورية، وإلى أن تصبح التكاليف المترتّبة عنها أكبر من القدرة على تحمّلها.

ينقسم الاحتلال التركي لشمال سورية إلى مرحلتَين. أدّت المرحلة الأولى، تحت رعاية عملية "درع الفرات"، إلى سيطرة تركيا على منطقة تحدّها بلدات أعزاز والباب وجرابلس. لقد فرضت الحكومة التركية سيطرة إدارية مباشرة على المنطقة، وعيّنت مسؤولين يحصلون على المؤازرة من محافظة غازي عنتاب. بالمثل، سوف تفرض سيطرتها على عفرين وتُعيِّن قائمقاماً ومسؤولين آخرين، ما يشكّل استثماراً واسع النطاق، على المستويَين السياسي والاقتصادي.

سوف تولّد تعبئة مقاتلين جهاديين في إطار "الجيش السوري الحر" من أجل طرد الأكراد، مشاكل لتركيا نظراً إلى أن هؤلاء المقاتلين متشدّدون جدّاً وغير منضبطين. ومن شأن إدارة هؤلاء العناصر الجامحين، فضلاً عن المقاومة المحتملة من ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردي، وفي نهاية المطاف، من الوكلاء المدعومين من النظام السوري وإيران، أن تُحوّل الاحتلال التركي إلى مجهود باهظ التكلفة.

لا يستطيع الرئيس رجب طيب أردوغان أن يُقاوم إغواء تغيير الحدود. وقد تشكّل هذه الجهود الآيلة إلى فرض مسؤولين في مواقع معيّنة، محك اختبار. لكن في النهاية، قد يمنع العبء، السياسي والعسكري على حدٍّ سواء، الأتراك من مواصلة المسار نفسه.


 

مارك بييريني | باحث زائر في مركز كارنيغي أوروبا، بروكسل

من الصعب تصوّر أن تُقدِم تركيا على ضم منطقتَي عفرين وجرابلس اللتين تسيطر عليهما الآن، على الرغم من الإشارة إلى الحقبة العثمانية من حين لآخر. بدلاً من ذلك، تبدو أنقرة مصمّمة على مواصلة احتلالهما، أولاً لممارسة سيطرة عسكرية واستبدال الهيمنة السابقة لوحدات حماية الشعب الكردية، وثانياً لهندسة تغيير سياسي يحرص على أن تكون الهيكليات المحلية منسجمة مع السياسات التركية. وما دام هذا المسار السياسي يناسب موسكو، سيشقّ طريقه بسلاسة نسبياً.

السؤال الحقيقي المطروح هو ماذا سيحدث في منبج وشرق نهر الفرات، حيث تتواجد القوات الأميركية إلى جانب الأكراد السوريين. لا أحد يستطيع أن يجزم بشأن ما سيحدث هناك. فالتصريحات النارية الصادرة عن أنقرة موجَّهة نحو السياسة الداخلية، وواشنطن تتأرجح بين وجود عسكري معزَّز وانسحاب كامل. أما موسكو فقد منحت ضمانات سياسية إلى الأكراد السوريين منذ أيلول/سبتمبر 2015، فيما تحرص بعض بلدان الاتحاد الأوروبي (ومن ضمنها فرنسا) على الحفاظ على الهوية الكردية السورية. هذا مسارٌ محفوف بالعقبات.