أليستر هاي | أستاذ متقاعد في علم السموم البيئية في جامعة ليدز

لا أعتقد. فسورية تمثّل حالة شاذّة. قبلها، كانت الهجمات العراقية على الأكراد في العام 1988 آخر مرّة استُخدمت فيها أسلحة كيميائية على نطاق واسع، ما أسفر عن مقتل حوالى 8 آلاف شخص وإصابة آخرين كثر. وفي آب/أغسطس 2013، أي بعد مرور 25 عاماً على تلك الحادثة، استُخدم غاز الأعصاب، السارين، في سورية وأزهق أرواح أكثر من 1,400 شخص في الغوطة؛ واستُخدم مجدّداً في نيسان/أبريل 2017، فأسفر عن سقوط العديد من الضحايا في خان شيخون. كذلك، يبدو أن عناصر كيميائية مجهولة أدّت إلى مصرع العديد من الأشخاص في 7 نيسان/أبريل 2018 في دوما. إلى جانب هذه الهجمات، نُفِّذ عدد أكبر بكثير من هجمات غاز الكلور طيلة فترة الحرب.

علاوةً على ذلك، شُنّت هجمات أخرى باستخدام غازات الأعصاب، لكن كانت معزولة وأصغر نطاقاً. فقد استُخدم غاز السارين مثلاً لقتل 20 شخصاً وإصابة المئات في اليابان بين عامَي 1994 و1995. واستُخدم غاز الأعصاب من نوع "في أكس" (VX) في عملية اغتيال كيم جونغ نام، الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في كوالالومبور في العام 2017. واستُخدم أيضاً غاز نوفيتشوك في محاولة اغتيال الجاسوس الروسي السابق سكريبال وابنته في المملكة المتحدة في آذار/مارس 2018.

لقد تم تدمير معظم الترسانة الكيميائية السورية، ونُفِّذ ذلك وفق معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية التي دخلت حيّز التنفيذ في العام 1997، لكن من الواضح الآن أنها لم تُدمَّر بالكامل، إذ أُزيل 96 في المئة من المخزون العالمي المُعلَن من الأسلحة الكيميائية، ونالت هذه الخطوة دعم 192 دولة والعديد من الشركات والصناعات الكيميائية. لذا تبدو الآفاق إيجابية على المدى البعيد، حتى لو أن الأحداث الراهنة تشي بعكس ذلك.


 

ناتاشا لاندر | محلّلة أولى للسياسات العامة في مؤسسة راند

لايبدو أن الهجوم الكيميائي الأخير على دوما حالة شاذّة خارجة عن المألوف. فعلى الرغم من الجهود الدولية المتّسقة على مدى العقود المنصرمة لحظر الأسلحة الكيميائية، إلا أن كلّاً من سورية وتنظيم الدولة الإسلامية وكوريا الشمالية، وحتى روسيا، استخدمت هذه الأسلحة في السنوات الأخيرة. كذلك، يشكّل غياب الإجراءات الملموسة لمحاسبة مُرتكبي الهجمات الكيميائية منعطفاً خطيراً، يتم بموجبه التعامل مع الأسلحة الكيميائية على أنها أسلحة حرب تحظى بقبول ضمني. ردّاً على هذه الهجمات، عمدت الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الأوروبيين والاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على مواطنين سوريين وروس، كما طرد بعضها دبلوماسيين روس من دولهم. صحيحٌ أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعقد اجتماعات ردّاً على استخدام الأسلحة الكيميائية، إلا أن الاجتماعات وحدها لاتفضي إلى نتائج.

لقد تم اللجوء إلى الخيارات العسكرية ضد سورية للرد على الهجمات الكيميائية – وكان آخرها في 14 نيسان/أبريل 2018 – لكن إطلاق عملية عسكرية مستدامة قد لايكون مستساغاً سياسياً. لذا، ينبغي على الحلفاء الذين يتشاطرون نمط التفكير نفسه دعم الإدانة الشعبية لهذه الهجمات ومواصلة فرض العقوبات، وأيضاً التفكير في نشر المزيد من المعلومات لدحض السرديات الروسية القائلة إن استخدام روسيا وسورية للأسلحة الكيميائية لايعدو كونه مزاعم كاذبة.


 

أليكس سايمون | مدير برنامج سورية لدى مؤسسة سينابس، التي تساعد المحلّلين المحليّين على معالجة التغيُّرات الاجتماعية والاقتصادية التي تحدث في مجتمعاتهم

كلا، على العكس، فالضربات الجوية الأميركية والبريطانية والفرنسية الأخيرة في سورية أظهرت أن الحظر المفروض على استخدام الأسلحة الكيميائية لايزال يحمل وزناً رمزياً كافياً لإحداث ردود فعل لدى الجهات التي تخلّت حتى عن التظاهر بالاهتمام بالسوريين. مع ذلك، لابدّ من ملاحظة إلى أي مدى فقد هذا الحظر الدعم التوافقي الذي حظي به منذ تسعينيات القرن الماضي. فاليوم، أصبحت قوة رئيسة مثل روسيا تمتنع عن إدانة الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية، وتختار بدلاً من ذلك تبني مزيج غير مترابط من الإنكار ونظريات التآمر المزيّفة والاتهامات الواهية ضد الجماعات المتمردة.

يعود هذا التراجع بالاهتمام إلى انحراف أوسع نطاقاً في مرحلة مابعد العام 2001 عن المفاهيم التي ساهمت في رسم معالم أواخر القرن العشرين، حينما بدأت المجتمعات الغربية تنغلق على نفسها وتقع أسيرة الظاهرة المَرَضية الخاصة بـ"الحرب على الإرهاب" التي تضرب بالتدريج مفهوم النظام الدولي القائم على القوانين. لم تكن معايير مثل حقّ اللجوء والحظر المفروض على استخدام الأسلحة الكيميائية والتعذيب يوماً بمنأى عن الانتهاك، لكنها كانت على الأقل تحظى بإجماع غربي واسع. لكن اليوم، ليس هناك سوى جدل متواضع حول ما إذا كانت الدول الأوروبية ستعيد اللاجئين الذين يواجهون خطر الموت أو الاستعباد في أفريقيا. وتتحمّل واشنطن مسؤولية كبيرة في ما يتعلق بهذا التآكل، فقد ساهم جورج دبليو بوش في تفاقمه، ولم يحرّك باراك أوباما ساكناً لوضع حدّ له، ووعد دونالد ترامب بتسريعه.


 

بيري كاماك | باحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وعضو سابق في طاقم تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية في إدارة جون كيري (2013-2015)، حيث عمل على مسائل تتعلّق بالشرق الأوسط

بعد الضربات غير المنتظمة التي شنّتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ضد منشأت للأسلحة الكيميائية في سورية، يبدو أن عدد الدول التي تستخدم الأسلحة الكيميائية ضد مواطنيها يتراجع على الأرجح، أقلّه في الوقت الراهن، من واحد إلى صفر.

لكن هذا التطوّر يُعتبر متنفساً ضئيلاً بالنسبة إلى 600 ألف شخص من شعب الروهينغا الذين طردهم المجلس العسكري الحاكم من منازلهم في ولاية راخين في ميانمار، أو إلى مليون شخص في اليمن يعانون من الكوليرا في أعقاب الحرب الأهلية والحملة العسكرية بقيادة السعودية. وكذا الأمر بالنسبة إلى مواطني المناطق التي تشهد اضطرابات في سورية، الذين ستواصل حكومتهم قتلهم بأعداد أكبر بكثير مُستخدمةً البراميل المتفجّرة الممتلئة بالبنزين وقطع الخردة المعدنية. وفي هذا السياق، تُعتبر إعادة تأكيد الحظر على استخدام الأسلحة الكيميائية خطوة إيجابية وتحظى بترحيب واسع، لكنها بالكاد تُعدّ سبباً للاحتفال والحبور في عالم أصابه الجنون.