جرت في لبنان الأحد الماضي أول انتخابات برلمانية منذ العام 2009. وقد أكّدت النتائج ما قيل قبل التصويت: الانتخابات ستتمخض عن برلمان مجزأ، مايصبّ في مصلحة حزب الله فيما هو يلج مرحلة جديدة كفصيل خارجي إيراني في المنطقة.

وعلى الفور تقريباً، اتّجهت الأنظار نحو مدى الأداء الجيّد لحزب الله وحلفائه في حركة أمل. بيد أن هذا الأمر لم يكن مفاجئاً، إذ إن كلا الحزبين أحكما سيطرتهما على الأصوات الشيعية خلال الانتخابات الأربعة الماضية، بينما سمح لهما قانون الانتخابات الذي استند إلى التمثيل النسبي بإدخال المزيد من الحلفاء إلى البرلمان، وفي مقدمتهم رجال سياسة مؤيدين للنظام السوري.

وهذا ما دفع وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، تعليقاً على مكاسب حزب الله، إلى التغريد عبر تويتر قائلاً: "حزب الله = لبنان"، مع العلم أن زميله وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان كان نشر تغريدة مماثلة قبل أشهر. ووصل الأمر ببعض وكالات الأنباء إلى حدّ التأكيد أن حزب الله "حصد على الأقل 65 مقعداً" في البرلمان، أي بعبارة أخرى الأغلبية البسيطة. بيد أن ذلك كان مُضللاً إلى حدّ كبير، حتى لو كان الواقع فعلاً مثيراً أكثر للاهتمام وربما للقلق.

تأتت فكرة أن حزب الله يسيطر الآن على أغلبية المقاعد البرلمانية، من عملية جمع كتلة الرئيس اللبناني ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، مع عدد مقاعد حزب الله وحلفائه. وفي حين كان العونيون مصطفين مع حزب الله بعد العام 2006، إلا أن طبيعة علاقتهم تغيّرت عقب انتخاب عون رئيساً للبلاد في العام 2016. صحيح أن العلاقات لاتزال قائمة، لكنها تبدّلت: ففي الماضي، اعتبرها العونيون وسيلة لضمان وصول عون إلى سدّة الرئاسة، أما اليوم، ولأن عون يجسّد الدولة بصفته رئيساً، يرون أنفسهم حماة للدولة.

لهذا السبب، عمد حزب الله إلى استخدام الانتخابات كوسيلة للتحوّط ضدّ إمكانية أن يلجأ العونيون إلى سلوك مسار مستقلّ أكثر من ذي قبل في ما يتعلق بالحزب. بيد أن الأمر الذي أثار قلق حزب الله كان التحالف النسبي لعون مع رئيس الوزراء سعد الحريري، الذي يصنّفه حزب الله كخصم أساسي. لقد حصل حزب الله على مبتغاه. فبعد الانتخابات، امتلك حزب الله وحلفاؤه المؤيدون للنظام السوري مايكفي من المقاعد البرلمانية لتشكيل ثلث معطّل في السلطة التشريعية. وهذا يعني، على سبيل المثال، أنه بإمكانهم منع انتخاب أي رئيس لايوافقون عليه، أو كسر النصاب القانوني. كما يعني أنه باستطاعة حزب الله وحلفائه المطالبة بتمثيل متوازن مماثل في الحكومة، مايسمح لهم بعرقلة اتخاذ القرارات الحكومية. وامتلك حزب الله هذه القدرة من قبل بفضل العونيين، لكن الانتخابات الأخيرة تخوّله الاحتفاظ بهذه السطوة في غرّد العونيون على مزاجهم في قضايا يعتبرها حزب الله جوهرية.

لامشاحة بأن هذا يعني أن الحزب بات يحوز على نفوذ راجح في الدولة اللبنانية. بيد أن التعويذة القديمة التي تقول إن لبنان وحزب الله صنوان (لبنان = حزب الله) تفشل في إدراك حقيقة أنه يتعيّن على حزب الله أن يتأقلم على نحو دائم مع التغيّرات، إذا ما أراد مواصلة ممارسة هيمنته على النظام. وهنا التفاصيل تصبح مهمة حين ندقق في الأساليب الهادفة إلى الحد من هامش المناورة لدى الحزب. فهذا الأخير لديه وسائل التخويف، لكنه يعرف أيضاً أن اللجوء المتواصل إلى الترهيب من شأنه خلق حالة تعبوية سريعة لصالح أجندة المعارضة، بفعل السياقات الطائفية اللبنانية. ولذا، الموقف المفضّل لديه هو العمل في إطار مؤسسات الدولة كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، ما يعني أيضاً الاحتراز المتواصل من احتمال استخدام هذه المؤسسات، بطريقة ما، ضده.

علاوةً على ذلك، إحدى النتائج الملحوظة للانتخابات هي توسيع كتلة القوات اللبنانية، التي تعارض بشدة حزب الله، والتي باتت تحتل 15 مقعدا، ماحوّلها إلى إحدى أكبر الكتل النيابية. قد يبدو هذا الرقم، في الإطار السياسي العام، ليس كبيرا، بيد أنه يعني أن الكتلتين المسيحيتين الأكبر، القوات اللبنانية والعونيين، تسيطران الآن على غالبية المقاعد المسيحية. صحيح أنهما كانتا متنافستين، لكن بسبب قانون الانتخاب النسبي لم تعد علاقتهما ترقص على إيقاع التوترات التي تفرزها قاعدة "الرابح يأخذ كل شيء" التي كانت في أساس النظام القديم الذي أضرّ بالقوات اللبنانية على وجه الخصوص.

لقد خرج الحزبان من الانتخابات مظفرين وموحّدين حول فكرة واحدة، وهي نصرة مشروع الدولة. العونيون يندفعون إلى هذا الهدف لأن زعيمهم هو رئيس الدولة؛ فيما القوات اللبنانية تفعل ذلك لأنها تعارض تقويض حزب الله للدولة، وتشعر أن زعيمها سمير جعجع قد يصبح يوماً ما رئيسا. وهنا لايجب الاستهانة بالأفكار حول مسألة الدفاع عن الدولة ووضع السلطة النهائية لقضايا الحرب والسلام والأمن في حضنها، خاصة حين نتذكّر أن غالبية السنّة والدروز يوافقون عليها. ربما يستهين حزب الله بهذه المعطيات، لكنه قد يدفع أكلاف ذلك، خصوصاً إذا ما أمسك البلد من أذنه وقاده إلى صراعات إقليمية لايستطيع تحمُّلها.

الآن، وبعد قول كل شيء عن هذه المسألة، يجب التشديد على أن قَصرْ قراءة المشهد الانتخابي اللبناني على حزب الله، يعني التغافل عن مروحة واسعة من الأبعاد الأخرى التي كانت قيد العمل في يوم الأحد الانتخابي. فهذه الانتخابات أفصحت بدقة لماذا لايستطيع لبنان بتعقيداته الحادة أن يكون نداً لحزب الله. لكن، لايمكن إنكار الحقيقة أيضاً أن وسائل الإعلام الأجنبية لم تركّز سوى على مايعنيه التصويت بالنسبة إلى الحزب، وهذا ما تردد أصداؤه في العواصم الأجنبية حيث يّبحث الآن مصير لبنان.

على رغم ذلك، الافتراض، كما فعل نفتالي بينيت، بأن لبنان = حزب الله، يعني أن نُسقط من المشهد شطراً كبيراً من اللبنانيين، وربما يكونون الأغلبية، الذين يرفضون أجندة الحزب. ثم أن التحليل يجب أن يتم في إطار انتخابات أكّدت تعددية لبنان وأظهرت أن حزب الله لايستطيع، في أحسن الأحوال، سوى الاعتماد على ثُلث النواب.

صحيح أنه لن تكون هناك انتصارات مفاجئة ضد حزب الله، لكن الصحيح أيضاً أن لبنان ليس فرعاً من هذا الحزب كما لايزال البعض يصر على القول. وسواء الآن أو في المستقبل، فإن العدو الرئيس لحزب الله سيبقى الدولة اللبنانية. وما كشفت عنه الانتخابات هو أن حزب الله يعرف أنه يتعيّن عليه أن يكون جزءاً من الدولة كي يستطيع الهرب منها على نحو أفضل. وهنا المفارقة.