مهنّد سلوم | محاضر مشارك في جامعة إكسيتر (University of Exeter) في المملكة المتحدة

تقوّض الأجندة الوطنية لمقتدى الصدر نفوذ إيران الذي لامنازع له في العراق. إذ معروفٌ أن طهران تدعم قيام الوطنية الطائفية المسلحة بهدف خلق مناطق نفوذ استراتيجية لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. تشكل الوطنية الطائفية المسلحة او مايسمى بمحور المقاومة جزءاً من رؤية آية الله الراحل روح الله الخميني الخاصة بـ"تصدير الثورة". ويُعدّ حزب الله اللبناني وميليشيات الحوثيين اليمنية وبعض الميليشيات العراقية والنظام السوري كلها جزءاً من "محور المقاومة" المناهض للغرب والمعادي لإسرائيل. وإن كانت حماس جزءا من هذا المحور، إلا أنها استثناء للقاعدة التي تؤكد الطائفية الكامنة في تحالفات إيران الإقليمية.

في المقابل، يتبنّى الصدر نهجاً وطنياً يرتكز على تعزيز استقلال العراق وسيادته. وهذا يعني أن نموذج ايران الطائفي سيُواجه تحدّي الوطنية العراقية التي يدعمها الصدر. ويعمل الصدر الآن على وضع حدّ للنفوذ الإيراني والأميركي في العراق، لكن من غير المحتمل أن تقبل إيران بمشروعه الوطني. ومن أجل الحفاظ على نفوذها في العراق على الأقل خلال السنوات الأربع المقبلة، ستردّ طهران بإطلاق التهديدات.

حالياً، يُعتبر النفوذ الإيراني مُصاناً من خلال علاقاتها القوية مع المليشيات المحلية المدرّبة والمموّلة من قبل الحرس الثوري الإيراني، على غرار كتائب حزب الله العراق وحركة حزب الله النجباء، وكذلك من خلال ائتلافي الفتح ودولة القانون اللذين حصدا معاً أكثر من 70 مقعداً في الانتخابات العراقية في أيار/مايو.


 

حارث حسن | زميل باحث أول في جامعة أوروبا الوسطى (Central European University)

لايُعتبر مقتدى الصدر مناهضاً لإيران، لكن أفضل ما يوصف به هو أنه وطني عراقي. لذلك، فإن قياس تأثير سياساته على نفوذ إيران يعتمد على كيفية نظر الإيرانيين إلى الوطنية العراقية، وإذا ما كانوا راغبين في التساهل مع اعتماد جهات فاعلة شيعية نهجاً أكثر استقلاليةً يتمحور حول العراق.

ثمة نوعان رئيسان من الديناميكيات التي شكّلت موقف الصدر من النفوذ الإيراني خلال السنوات القليلة الماضية، يتمثّل الأول في دعم إيران للجماعات التي انشقّت عن تياره، مثل عصائب أهل الحق وحركة حزب الله النجباء. وفي الآونة الأخيرة، نما عدد من هذه المجموعات على المستويات العسكرية والمالية والسياسية، ماشكّل أحياناً تهديداً لنفوذ الصدر في قلب معاقله.

ثانياً، ونظراً إلى قاعدة داعميه المؤلّفة بمعظمها من الشيعة المحرومين من أصول جنوبية، اعتمد الصدر خطاباً مناهضاً للمؤسسة يستميل من خلاله قاعدته. كما تبنّى دوراً معارضاً ناشطاً، وأجندة إصلاحية استهدفت بعض الأحزاب والشخصيات الشيعية المقرّبة من الإيرانيين، في مقدّمهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وفي هذا السياق، يكون تحالف الصدر الحالي مع المجموعات اليسارية والليبرالية، التي أعطت الأولوية لأجندة أساسها العراق وطالبت القيام بإصلاحات كُبرى، استمراراً لهذا المسار.

وفي حين قد لايكون الإيرانيون مهتمين بالوقوف بمعارضة أجندة الصدر الداخلية بجديّة، إلا أنهم سيواصلون مراقبة خياراته السياسية لتبيّن ما إذا كان بإمكانها تقليص نفوذ حلفائهم وخدمة مصالح خصومهم مثل الولايات المتحدة والسعودية. وقد يتمثّل الخيار المفضّل للإيرانيين في احتواء الصدر ضمن ترتيب لا يستبعده ولا يعطيه دوراً مسيطراً في آن. والمثير للاهتمام هنا أن هذا الخيار يُعتبر هدفاً مشتركاً مع الأميركيين. أما بالنسبة إلى الصدر، فهو كان حريصاً على توضيح أن هدفه ليس مواجهة إيران بل تأكيد استقلال العراق.

في نهاية المطاف، هذه لن تكون لعبة ذات حصيلة صفرية، بل ثمة مجال للتوفيق بين مصالح الطرفين.


 

جوست هلترمان | مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية

مهما كانت رغائب الصدر، إلا أنها لن تتحقق. فعدا عن الحقيقة بأنه لا يستهدف إيران تحديداً، بل يقف في المرصاد لأي نوع من التدخل الخارجي في الشؤون العراقية، إلا أنه يفتقر إلى القوة السياسية اللازمة، حتى الآن على كلٍّ، لمواجهة تسلّل الأيدي الإيرانية إلى المؤسّسات الأمنية العراقية. ثم: مهما كان شكل الائتلاف الحاكم الذي سيرى النور بُعيد الانتخابات الأخيرة، وإذا ما افترضنا أن كتلة الصدر ستكون جزءًا منه، فإن شركاءه في الحكم سيحدّون من سطوته.

صحيح أن ثمة رغبة عامة في صفوف النخب العراقية الحاكمة للجم النفوذ الإيراني، إلا أن الدولة لاتزال واهنة، وبالتالي عرضة إلى الاختراق. ولايكمن الرد على التدخل الخارجي في مكافحته، بل في إعادة بناء مؤسسات الحكم العراقية. كذلك، لاتشعر إيران بالتهديد من قِبل الصدر ولا من قِبل حكومة عراقية يضطلع فيها بدورٍ ما، لأنها تعرف أن بإمكانها استخدام حلفائها المحليين لإبقائه قيد السيطرة. يبقى في نهاية المطاف أن ألدّ أعداء إيران في العراق هي ثقتها المفرطة بالنفس.


 

لؤلؤة الرّشيد | مديرة مشاركة في برنامج العلاقات المدنية-العسكرية في الدول العربية في مركز كارنيغي للشرق الأوسط

لا شكّ في أن فوز مقتدى الصدر بفارق بسيط في الانتخابات التشريعية العراقية التي جرت في 12 أيّار/مايو يشكّل تحدّياً خطيراً للنّفوذ الإيراني في البلاد، إلا أنه نصر لاتزال طهران قادرة على التحكم به. لقد صعّد الصدر باطّراد خطابه الشعبوي ضد إيران، معوّلاً على الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها وعلى رصيده كوريثٍ لسلالة دينية قومية عربية ووطنية عراقية مميّزة. لقد سارع مناصروه إلى الاحتفاء بهذا الانتصار هاتفين: "إيران برّا برّا! بغداد حرّة حرّة." ومنذ ذلك الحين، أعرب مساعدوه مراراً وتكراراً عن استيائهم العارم من التّدخّل الإيراني، مُشدّدين على التدفّق غير المضبوط للواردات الإيرانية، على حساب ماتبقّى من منتجات عراقية محلّية. كما اتّهموا إيران بأنها تحوك خطة مكيافيلية لتدمير شباب العراق من خلال إغراق المحافظات الجنوبية المجاورة في لُجج المخدرات. وإذا ما أضفنا إلى هذه التهم مروحةً من القضايا الشائكة المتعلّقة بالمياه وحقول النفط والمناطق الحدودية بين العراق وإيران، فقد تميل كفة السياسة العراقية عندئذٍ لصالح أعداء طهران، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

مع ذلك، إيران تعرف التيار الصدري حق المعرفة، إذ أنّها درّبت منذ العام 2003 معظم قادته عسكرياً وإيديولوجياً. في السابق، أحكم الإيرانيون قبضتهم على هذا التيار من خلال تطبيق سياسة "فرِّق تسُد" بصورة شرسة، فانشقّ عنه بعضٌ من أبرز الصدريّين ليصبحوا القادة الجدد لقوات الحشد الشعبي الموالية لإيران. ونظراً إلى حالة عدم الانضباط السائدة داخل التيار الصدري، ولاسيما غياب الكوادر المتوسطة الموثوقة، والأداء الضعيف الذي سجّلته كتلة الصدر البرلمانية سابقاً، باتت مهمة إيران في احتواء الصدريّين أسهل مما كانت عليه. وإذا ما اتّبع مقتدى الصدر أسلوبه المفضّل، أي سياسة الشارع والتلويح بالمليشيات، فقد تطلق إيران العنان لوكلائها ضده. إذ هم، في نهاية المطاف، ورثة أساسيون، وإن غير شرعيين، لوالد مقتدى، آية الله محمد صادق الصدر، الذي قتله نظام صدّام حسين في العام 1999.