كانت تونس محظوظة بالإفلات من قبضة الفوضى السياسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الثورة التي ضربت دولاً عربية أخرى شهدت انتفاضات، كليبيا وسورية واليمن. ومع ذلك، أدّى فقدان الأمن في البلدان المجاورة، خصوصاً في ليبيا، إلى ظهور تحدّيات أمنية جديدة كشفت مدى ضعف قدرة القوات المسلحة على التصدّي للتهديدات؛ وهذا سلّط الضوء على الحاجة إلى نظام تجنيد يسمح بتوافر عدد كافٍ من الأفرد المدرّبين الذين يمكنهم تأمين الحدود التونسية.

لكن الحقيقة أنّ الجيش التونسي لطالما كان عاجزاً على فرض التجنيد على الشبّان، ما أدى إلى تضاؤل ​​عدد المجنّدين، وانخفاض معنويات المسجّلين، ونقص عام في الجهوزية لدى الرتب الصغيرة. وما زاد الطين بلّة أنّ التمويل المقدّم من الحكومة التي تعاني من ضائقة مالية أصبح أكثر صعوبة، ما حرم الجيش الموارد اللازمة لمهمّات التجنيد والتدريب. وقد حفّزت كل هذه المشاكل وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي على إعداد مشروع قانون جديد حول التجنيد الإجباري. والآن، من المهم للغاية أن يعالج الجيش والبرلمان المسألة على نحو سليم هذه المرّة.

في حين أنّ قانون الخدمة العسكرية الإلزامية أُقرّ في تونس منذ فترة طويلة، إلا أنّ تنفيذه الفعلي كان غير مكتمل وغير متّسق. فمنذ الاستقلال في العام 1956، فرضت القوانين والأحكام الدستورية المتعاقبة على كلّ الذكور الأصحّاء بدنياً والبالغين عشرين عاماً، والذين لا يتولّون حصراً إعالة أفراد أسرهم المباشرين، الخدمة في صفوف القوّات المسلحة. ويتعيّن على هؤلاء تقديم مستنداتهم إلى المكاتب المحليّة عندما يبلغون سنّ الثامنة عشرة، ثم يلتحقون بالخدمة بعد عامين. من الناحية العملية، هناك فقط بضع مئات من الشبّان التونسيين يكلّف نفسه عناء الخدمة كلّ عام، وهي حقيقة مُقلقة حدّدها وزير الدفاع مؤخّراً عندما كشف عن التحاق 506 شاب فقط من أصل أكثر من 31 ألفاً في العام 2017. وقد أرغم هذا الإقبال المنخفض الجيش على اللجوء إلى التعاقد مع الجنود، ما ألقى أعباء إضافية على ميزانيته الهزيلة أصلاً.

ويعود عدم الاتساق في تطبيق التجنيد تاريخياً إلى أسباب عدّة. فتونس تتبنّى تقليدياً سياسة خارجية مُحايدة، ساعيةً إلى النأي بنفسها عن المنافسات بين جارَيْها في الغرب الأكبر منها، أي الجزائر والمغرب، وعن اضطراب جارتها في الشرق، ليبيا. وقد منح هذا الحياد الدولة الصغيرة نسبياً إحساساً بالأمان والاستقرار، وقلّص الحاجة إلى وجود جيش دائم مُكلف وكبير. إضافةً إلى ذلك، تعمّد نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي توسيع قوّات الأمن المرتبطة بوزارة الداخلية للحفاظ على أمن النظام، ما قلّل من دور القوّات المسلّحة وعديدها.

في الوقت نفسه، أصبحت الخدمة العسكرية في ظلّ حكم بن علي أيضاً أداة للتقسيم الطبقي الاجتماعي والعقاب السياسي. ففي حين كان التونسيون المتحدّرون من المناطق الساحلية الأكثر ازدهاراً نسبياً ممثلّين بشكل غير متناسب في الرتب العليا من السلك العسكري، كان التونسيون الأفقر والأقل تعليماً المتحدّرون من المناطق الداخلية والجنوبية والجبلية يخدمون كمجنّدين، وتم أحياناً اعتقالهم في حملات مداهمة. علاوةً على ذلك، اختير الشبّان المنشقّون بشكل انتقائي ليخدموا كمجنّدين، كشكل من العقوبة المخفّفة.

يشوب القوانين الحالية عدد من الثغرات، بما في ذلك استبدال الخدمة "المدنية" أو "الوطنية" بالخدمة العسكرية، إذ يمكن للشباب العمل في مشاريع تُعزّز التنمية الريفية أو تهدف إلى الحد من البطالة. ويسمح التعريف المبهم للخدمة الوطنية للمواطنين بأداء "المهام الفردية" إذا ما مارسوا مهنة حرّة أو مشاريع صناعية أو عملوا كموظفين مدنيين في الحكومة أو جمعيات محلية أو مؤسسات عامة. وهم غالباً ما يخضعون إلى فترة تدريب أساسية مدّتها 21 يوماً في معسكر للجيش، ويقدّمون مساهمة مالية إلى صندوق الخدمة الوطنية تعادل نسبة من الحدّ الأدنى المضمون للأجور في البلاد. ونظراً إلى غياب التطبيق الصارم والمتّسق، فإنّ التهرّب من التجنيد يحدث، على الرغم من أنّ عقوبته يمكن أن تتراوح بين السجن لمدّة ثلاثة أشهر وسنتين.

أطلق سقوط نظام بن علي العنان لوابلٍ من المسؤوليات الجديدة المترتّبة على الجيش التونسي. وشمل ذلك الحفاظ على النظام الداخلي، وتأمين الحدود، ومكافحة الناشطين المتحمّسين، وحتى وقف تدفق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وأعاد دستور العام 2014 التأكيد على ضرورة الخدمة العسكرية، لكن وعلى الرغم من الشعبية المتنامية للجيش في ذلك الوقت، واصل الشباب التونسي الامتناع عن الالتحاق بالخدمة العسكرية. فمنذ اندلاع الانتفاضة، فشلت الحكومات المتعاقبة في تقديم حلّ دائم لهذه المشكلة، حتى عندما أجهد فيه الجيش نفسه في أداء واجباته المتزايدة.

يتطلّب هذا المأزق تحرّكاً فورياً وجذرياً لتطوير مفهوم الخدمة العسكرية في البلاد. لكن ما الحل؟ في حين أنّ قوّة تتألّف حصراً من المتطوّعين لديها العديد من المزايا، مثل ضمان الاحترافية وارتفاع الروح المعنوية والتأهّب، إلّا أنّ هناك فرصة ضئيلة في أن يتمكن الجيش من إقناع الحكومة التي تواجه تحدياً مالياً بتخصيص الرواتب والمساعدات اللازمة للحفاظ على مثل هذه القوّة. ومع ذلك، يمكن للحكومة والجيش اتخاذ بعض التدابير للتخفيف من أسوأ عيوب نظام التجنيد.

من بين الخطوات التي يمكنهما تبنّيها، الطلب من جميع التونسيين الأصحّاء بدنياً والبالغين عشرين عاماً من العمر أن يتقدّموا للتجنيد، كما أنّ إدراج المرأة في جمع المجنّدين لن يؤدي فقط إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، بل سيضاعف أيضاً على الفور عدد الجنود المؤهّلين. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي منح الإعفاءات من الخدمة العسكرية إلّا في حالات خاصة أو قصوى، فيما من شأن إجراء ثالث قابل للتنفيذ أن يعترف بأنّ قدرة الجيش على قبول جميع المجنّدين المؤهّلين وتدريبهم ودمجهم أمر شاق ومُكلف. وبالتالي، يتعيّن ابتكار نظام سحب عشوائي يضع ضوابط إيجابية لمستوى التعليم، والتمثيل الجهوي، وفرص التوظيف.

سيكون من الصعب وضع هذه التدابير موضع التطبيق لأسباب عدّة. إذ من المحتّم، أولاً، أن يؤدي فرض قوانين التجنيد الصارمة إلى توليد معارضة سياسية واستياء اجتماعي في بلد ذي نظام تجنيد غير مرهق تاريخياً. وسيحتاج الجيش إلى حشد أكبر قدر ممكن من الدعم السياسي في أوساط الأحزاب السياسية قبل تطبيق أي قانون.

ثانياً، قد تؤدي المساواة بين الجنسَيْن في التجنيد إلى تراجع حظوظ المدن والقرى الأكثر محافظة. وفي هذه الحالة، قد تكون الحساسية الثقافية لمختلف الجهات عاملاً ينبغي مراعاته عند إجراء السحب العشوائي.

وأخيراً، فإنّ إنشاء نظام صارم لتتبّع الشباب في سنّ التجنيد، وضمان مجيئهم للتقييم، وفرض عقوبات على المتهرّبين من الخدمة والفارّين منها، يمكن أن يكون مُكلفاً ويستغرق ردحاً طويلاً من الزمن. فهذا سيتطلّب ذلك إنشاء شبكة لوجستية واسعة تتضمن التنسيق مع البلديات والمحافظات ومراكز الشرطة المحلية. ولتخفيف العبء المُلقى على كاهل القوّات المسلحة، ينبغي تقاسم التكاليف مع وزارة الداخلية.

يمكن لهكذا نظام أن يعوّض العديد من أوجه القصور القائمة عن طريق توفير أعداد كافية من المجنّدين باستمرار، وإنفاذ الخدمة العسكرية بطريقة لاتنطوي على تمييز ولاتعتمد على عقوبة. ومن شأنه أيضاً أن يقلّل من العبء المالي الناجم عن توظيف جنود محترفين على أساس عقود سنوية.

سيتطلّب الأمر مبادرات شجاعة من قبل المدنيين والعسكريين كي يتكلّل مثل هذا النظام بالنجاح. لكن ما هو على المحك هنا هو أن فشل هكذا نظام سيقوّض فرصة بروز جيش تونسي أكثر جهوزية واحتراماً. والأمل الآن ألّا يعيد قانون التجنيد الجديد الذي تتم صياغته إنتاج ما هو قائم.